تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 23

نشرت

في

Dans Un Paquet De Cigarettes Vecteurs libres de droits et plus d'images  vectorielles de Paquet de cigarettes - Paquet de cigarettes, Vectoriel,  Contour - iStock

ساقية الدّائر كانت بالنسبة لي في تلك السنة (الرابعة آدابا) نقطة تحوّل كبير في علاقاتي الاجتماعية ..اصبحت اختلط بعديد الاعمار والمستويات التعليمية وتعرّفت على ما يسمّى انذاك بكبار الحومة اعني كبار اسماء الساقية من التجار والخبّازة والجزارين وكافّة المهن واالاثرياء المعلنين والمتسربلين وراء ثياب رثّة بالية ولا همّ لهم الا كنز المال وهؤلاء تقول فيهم عيّادة ومثيلاتها ...

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

يعيشون فقراء ويموتون اغنياء …وكم هم في منتهى الغباء بالنسبة لي ..على عكس ذلك كنت اعشق المرحوم سالم يعيش احد اثرياء الساقية الذي كان يمتطي “كاليسه” وجبّته القمراية ومشموم الياسمين “يدرجح على وذنو ” وهو يتجوّل في ساقيتنا ..هذا عاش غنيّا ومات غنيّا اذ انه وهب قطعة ارض لمتساكني الساقية حتى تكون مقبرة للجميع، شريطة ان يكون هو اول المدفونين فيها ..وكان له ذلك ..رحمه الله ..اي اعمل لآخرتك ولا تنس نصيبك من الدنيا … عرفت كل هؤلاء دون قطيعة مع البسطاء فكرا او مالا .. ربّما لانّني واحد منهم وربّما ايضا لانني كنت ومازلت اعتبر جميع البشر اخوة لي ..السنا جميعا ابناء آدم ؟؟؟…

دعوني قبل ان اعود الى كبار الجومة في الساقية احك لكم عن بداية قصّتي مع التدخين والذي لازمني لحدّ يوم الناس هذا ..في الشهر الثاني من تلك السنة تعرّفت على زميل في الدراسة دمث الاخلاق قليل الكلام حاضر البديهة .. نجيب الجبالي وهو نجيب اسما ودراسة … نجيب صديقي هذا، كان قد بدأ عزفه على اوتار السيجارة قبلي وكنّا كلّما ذهبنا الى حانوت “قميحة” وهو الحانوت الوحيد في جمهورية معهد الحي انذاك حيث كانت طريق العين موطن معهدي تختزل في المعهد ومستشفى الهادي شاكر والقنطرة والمقابر المحيطة بها ..فقط … اليوم عمارات هلبة ودكاكين هلبة ومعاهد هلبة وتزوفير هلبة وزايدة ڨلبة … واووووووووووووووووووووف من زحمة الطريق الف هلبة ..

كنا اذن انا وزميلي نجيب نذهب احيانا متى كانت الميزانية تسمح لشراء كسكروت …لا تذهبوا كثيرا بخيالكم ..الكسكروت انذاك كان يعني ربع خبزة وقليلا من الهريسة وكعبتين زيتون ونصف حلقة زيت ….كنّا على فقره نلتهم سيدك الكسكروت التهاما.. كأثيوبي لم يذق الطعام منذ اشهر …وكنّا نستمتع ربّما بشيء من المازوشية بحرارة الهريسة …كان نجيب يطفئ حرارتها بسيجارو كواكب (نوع من السجائر الفاخرة مقارنة بالارتي والحلّوزي) ..وكنت انا اطفئها بـكعبة حلوى نعناع … كان كلّما اشعل سيجارته انظر اليه بعين نصفها مندهش ونصفها راغب في الاكتشاف …ذات مرّة سالني نجيب .تحبّ تجرّب ؟؟؟ اما راك تحصل …ولأنني كنت معتدا بنفسي مزهوّا بقدرتي على التحدّي اخذت معه نفسا حتى اثبت له اني استطيع ان اجرّب دون ان اقع في الفخّ ..لكن دوّيو …اللي ذاقو لعبت ساقو …

ربّما ايضا انذاك التدخين يعني اكتساب نوع من الرجولة ..رايت في كريّم ذلك الذي تعملق على سنّه وخرج من كهف الطفولة ..وكنت ابرّر تدخيني بـ”اشبيه هوما ارجل منّي” …؟؟؟… لا والاغرب من ذلك اني تجاوزت المدخنين بامرين: اوّلهما اني اخترت نوعا رفيعا نسبيا “المنته” واضفت للسيجارة كعبة الحلوة التي لازمتني لحدّ الان ..الحلوى بالنسبة لي هي تقضي على ما تبقيه السيجارة في الفم من مرارة التدخين، ثمّ وهو الاهم ان تبعد شبهة التدخين عن عيادة وسي محمد …باهيشي زادة ..؟؟ المقصوف عبدالكريم عنطز وولّى يتكيّف .. وتقوم القيامة .؟؟؟ ونجحت هذه الحيلة في ردم كل شبهات جريمتي عن عمّار 404 لزمن متقدّم …

صديقي هذا ومعلّمي في دنيا التدخين اقلع عن التدخين لظروف صحية كادت تعصف بقلبه ..وعبدالكريم احتفل سنة 2016 بخمسينيته في دنيا التدخين …نعم خمسون سنة ولم افكّر يوما في الاقلاع عنه لم يعبّر لا قلبي ولا رئتاي عن قلقهما من سجائري … نعرفو تبرير واهي …_ وكلّما سالني احد الاطباء هل تدخّن اجيبه: لاااااااااااااا انا نتكيّف!… وبعيدا عن مضاره العديدة وبعيدا عن حرامه او حلاله ..وبعيدا عن عاطفتكم اسألكم هل تتصورون عبدالكريم “ما يتكيفشي ؟؟” توّة هذا انا .؟؟؟ …لست ادري ماذا اقول لصديقي وزميلي نجيب الجبالي، استاذ العربية المتميز …ربي يهديك او بارك الله فيك …السيجارة تعيدني حتما لسي مبروك الحمّاص …احد اطيب الطيبين من بسطاء الساقية ..كنا نحتال (جميع المدخنين) على ايجاد 10 مليمات لشراء سيجارة ..وفي هذه الحالة الاغنياء كثيرا ما يتبرعون على قليلي ذات اليد من امثالي بـ”بونتة سيڨارو” اي آخر ما يتبقى في السيجارة … بعضنا الاخر يعمل يومين او ثلاثة في المرمّة فقط من اجل ادخار ثمن قهوة وعلبة دخان وركشة هنالك …فهمتوها ..؟؟؟ توة تجي بالكشخي ..وكان الميسور يوزّع على المعسور دون حسابات ..دون مقايضة ..دون نحب منك حق 5 سواڨر…

ما اروع ذلك التكاتف الاجتماعي الذي لم نجده في ازمنة اخرى …ربما الحالة الشاذة الوحيدة كانت بعد 14 جانفي عندما قام الاهالي بدورهم في التكافل و كل واحد منهم اصبح يساهم حسب اختصاصه في الحفاظ على حومته من عصابات السرّاق والباندية ايام الانفلات الامني ….رغم ان عصابات السياسة الذين اتوا بعد نكبة 14 جانفي كانوا اشد بلاء من لصوص وباندية تلك الفترة الاولى …..بل هم محترفون جدا وجذورهم في الخارج تحميهم من غضب الشعب المسكين …والمغلوب على امره لعشرين سنة مقبلة على الاقل …اذا لم تحدث ثورة حقيقية اخرى …

سي المبروك كان يراقب عمليّة بيع وشراء السجائر في حانوته ..وكان طبيعا جدا ان يعرف نوعية سجائر كل واحد منا .. لم اكن من المدخنين بشراهة كما اغلب اصدقائي ..ثم سيجارتي ثمنا تساوي اثنتين من الكريستال او الارتي …ولكنها انذاك “مصيرفة” … كنت كثيرا ما احتال على عيادة بحاجتي لكتاب ما او لكراسة …لاخذ ثمن سجائري …وكنت يومها اقترض كتابا من احد الزملاء كي ابرهن لها اني اشتريت الكتاب المزعوم …تتفحّصه جيدا علّها تتذكّر يوما خطوط الغلاف لتعود بعد ايام سائلة عنه ولأقول لها قمت باقراضه لصديقي الفقير .._وكنت اتصوّر عندها اني عدّيتها عليها، ولكنّها تباغتني بـ: انت مكش فقير؟؟؟… ماهو اتسلف كيفو علاش تمعسني كل شهر بحق كتاب ؟؟؟ اصمت ثم ارد: مانيش قاعد نشري في الكتب الكل …انا وصحابي نتبادلو هوما يشريو البعض وانا كيف كيف (كل واحد شيطانو في جيبو …هكذا كنت اتصوّر) ..اما هي فكانت تغم داها في رداها وتهمهم: ماشفت حتى كتاب متاع صحابك اللي تحكي عليهم ويسلفوك كيف ما تسلفهم …يا لندرة يا وليدي وقتاش يهديك ربّي وتجي للثنية ..؟؟…ولانها تهمهم، نعمل روحي ما سمعتهاش في انتظار ملاكشة اخرى …

وجاء سي المبروك يوما ليختلي بي ويهمس حتى لا يسمعه احد … شوف يا كريّم (بضم الكاف) انت نحسبك ولدي ونعرف انو بوك عامل يومي ونهار يخدم وعشرة لا …ونعرف نفسك عزيزة وما تحبش تطلب دخانك من عند حتى حد ..وزيد دخانك انت ما يتكيفوهش … اسمعني وخلّيها بيني وبينك ..المنتهة اللي في حانوتي الكلّها على ذمّتك حتّى لين تنجح وتولّي تخدم…كان نجمّت اتخلّصني خلّص ..وكان ما نجمتش السماح بيناتنا ……يااااااااااااااااااااااااااااه شفتو ما معنى الزمن الجميل ؟؟….شفتو الرجولية والمواقف من انسان بسيط ولكنه عميق .؟؟….شفتو علاش طيلة عمري المهني كنت احب البسطاء…؟؟ لانهم اعمق من العميقين ولانهم اجمل واروع …هنيئا لهؤلاء …هنيئا لهم لاننا في جلّنا لسنا ببسطاء و”نمشكلوها برشة” …غير قادرين حتى على قول كلمات من نوع توحشتك …من نوع انحبك …من نوع ما احلاك …من نوع قداش نموت عليك …استحلفكم بالله الا ترون ان متعة الحياة في بساطتها تفكيرا وتعبيرا وسلوكا ؟؟؟ ..

ادعوكم ان تذهبوا لمن تحبون واسعدوهم ببساطتكم …لنحاول معا ان ندرك ان هنالك في حياتنا ما يسمّى بسنوات الضياع …فيها فوّتنا في جلّنا الفرص على ان نعيش حياتنا …..وفيها ضاعت اعمار البعض …وفيها غرق اخرون في سراديب الروتين … او الحرمان ..وفيها وفيها وفيها وفيها ….ولكن الاكيد والذي لا يجادل اننا في جلنا حرمنا انفسنا من التمتّع باشياء كم هي بسيطة ..ولكن كم هي هامة …كم من صديق ..اخ ….اب ..ام ..حبيب … جار …زميل …في حاجة الى كلمة واحدة تسعده أيما سعادة من نوع “مااخيبك” عندما لا نجرؤ على القول محلاك ..اليست الاشياء تعرف باضدادها …مااخيبكم …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار