تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم …الورقة رقم 4

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

قبل الدخول الى مرحلة التعليم الثانوي لابد ان اعود لمرحلة الطفولة لتدوين بعض لوحاتها المتبقية والتي كانت لها تأثيرات جلية على جل مراحل حياتي …

عبد الكريم قطاطة

ذكرت لكم في ورقات سابقة كلمة (الحوش) والتي لابد من الوقوف على تفاصيلها وخاصياتها …اولا هي لا تعني المنزل عموما ـ بمفهوم الاخوة اللبيين ـ بل الحوش عندنا في صفاقس منزل في الغابة يحتوي على عدة غرف ومرحاض وبئر وماجل ووسط دار عادة ما يكون رمليا على عكس البرج الذي يعتبر مقارنة بالحوش ـ معماريا ورفاهة ـ اضخم وارقى …حوشنا كانت تقطن به عائلات 3 اخوة رحمهم الله …عمي الاكبر وله ولد وثلاث بنات …عمي الاوسط وهو لم ينجب اطفالا …وابي وهو الاصغر وله ولدان وثلاث بنات …اذن كان عدد متساكني الحوش 15 فردا …كل رب بيت كانت له بيته الخاصة ومتران امام بيته هي بمثابة شاطئ بحره صيفا …ثم بيت رابعة مشتركة للعموم متعددة المواهب فهي احيانا مطبخ واحيانا اخرى بيت استحمام، مرة واحدة في الاسبوع وعادة ما تكون كل يوم احد نهارا رهيبا …

كنا نحن الاطفال نكره الاستحمام …البيت ظلام حالك …والماء يقع تسخينه على قشور اللوز …. ودخانها يعمي الاعين… وام تنهال على “حريفها” بالكاسة الحرشاء تفرك له لحمه وبالنسبة لي عظامي ….وهي لا تفتأ تردد … تقولشي خدام متاع مرادم … ملا سحاق ….ولكنها تعود الى حنيتها عندما تصل الى الكعبين اللذين عادة ما يكونا مدمدمتين بالجراح الناتجة اما عن اللعب او عن “عقاب صندال” ادماهما بقفلته الحديدية التي علاها الصدأ …لذلك كان كل يوم احد مساء يوما مسعورا في بيت الاستحمام الا انها تتحول الى جنة بالبقلاوة (وهذه قل ما نعرفها في اعيادنا) ..تتحول الى مسبح في الصيف حيث نملأ الجفان ماء ونسبح فيها في غياب البحر وتفاديا للهيب الصيف …

هذه هي المهمة الرئيسية للبيت المشتركة علاوة على تخزين بعض المواعين الكبرى كجفان الصابون ونحائس الطبخ (جمع نحاسة) وشكاير اللوز الجاف التي كان اصحاب مالكي اللوز يجلبونها لنا لتكسيره واستخراج بذوره بسعر 100 مليم الواحدة، وهو مايقابل مليما واحدا عن كل غرام ….علما بان افضلنا لا يتمكن من تكسير اكثر منشكارة واحدة خلال يومين، وجهد بوه وامو وكل عرشو طالع …من كنوز الحوش ايضا يتوسد في ركن من اركانه وكيل خدمات من نوع آخر …ابدا ان يستغني الواحد منا عن تلك الخدمات … نعم انه هو المرحاض الجماعي … انه مرحاض يعظم طابوره كل صباح وترى امي او خالتي (زوجة عمي الاكبر) تسيرا ن حركة المرور بين الاطفال منا والصبايا وكثيرا ما يطلب منا قبل الدخول لـ “لاباندا” وهي الكلمة الايطالية الاصل التي كانوا يطلقونها على جورة المياه، كثيرا ما يطلب منا نوعية “التأشيرة” (“عملة” كبيرة والا عملة صغيرة) حتى يقع تبجيل اصحاب العملة الصغيرة (التبول) وتمكينهم من اولوية الدخول لقضاء حوائجهم …

اما عن تفاصيل الحالة المزرية لواقع النظافة فيه فارجوكم رأفة بي وخاصة بكم اعفوني من تفاصيل لا اظنها تغيب عنكم …تذكروا فقط ان عسكان الحوش ـ اي زائريه ـ صباحا مساء ويوم الاحد عددهم 15 .. لا تسالوني مالونه المرحاض حبيبي اخشى عليكم ضوعة الدروب … في نفس جغرافيا المرحاض وعلى بعد متر ونصف منه يجلس صامدا رابضا حضرة البئر …كنا في غنى عن السوناد وعن انقطاع الماء وعن فواتيرها الباهظة التي يخيل لنا احيانا بأننا نسقي يوميا سانية الباي … فوق جرارة البئر تقبع ثلاثة حبال مربوطة في آخرها بسطل، وويحه من يستعمل سطل الآخر …__يشوم نهارو …. في ركن آخر من الحوش يجلس القرفصاء الماجل …وكالعادة ثلاثة حبال مرتبطة بركوة، وهي وعاء اسطواني لملء الماء الحلو (نتاج المطر) والذي نستغني به ايضا عن الفريجيدير والغلاسيير، لانه مبرد خلقي صيفا ودافئ الحرارة شتاء …

وسط الحوش وهو رملي كما ذكرت تقتسم فيه العائلات الثلاث يوميا كنس الجزء القريب من مملكتها، وطبعا آلة الكنس عرجون من عراجين النخل، اضافة الى رشه صيفا بماء البئر لتبريده . اما امام الحوش فتنتشر المطائر (جمع مطيرة)وهي قطعة صغيرة من حديقة الحوش، وما حاجتنا انذاك بالحدائق ؟؟؟؟ حتى النوار انذاك (نوار عشية) كان يهجم على ضفاف مجاري ييت الاغتسال ليغتصب المكان دون اذننا ولكن دون رعايتنا ايضا، منو فيه زيتو يقليه … اعود للمطاير التي هي ايضا مقسمة بعدالة على العائلات الثلاث لتجد فيها كل الخضروات دون استثناء، اكتفاء ذاتي ولا علاقة لنا بسوق الخضر …

قبل ان ارحل بكم الى الجنان، وهي قطعة ارض نصيب كل واحد من متسكانيه زهاء مرجع، لابد من تفاصيل معمارية عن بيت كل عائلة في الحوش وعن محتوياتها وكيفية استغلالها …البيت لدى كل عائلة هي عالمها الخاص … في البيت فقط يستطيع سكانه ممارسة اكلهم دون رقيب والحديث (همسا طبعا) عن مشاريع العائلة وعن الخصومات التي حدثت وعن الهمز واللمز …البيت لا تزيد مساحتها عن مترين ونصف مربع هي في نفس الوقت بيت استقبال وبيت اكل وبيت جلوس وبيت نوم ….الاب وزوجته لهما بيت سرير او سدة (جزء من البيت عال نسبيا عن البيت الكبير ومسجى بـ “قطاعة” أي جزء من القماش يغطي مدخله … وتحته بالضبط دهليز يسمى “تحت السرير” … انه بيت المونة من زيت و كسكسي ومحمص وملثوث وغيره من المواد الغذائية ومن الفلافل ومن ماعون الطبخ والاكل ولبعض المترفهين نسبيا (الخروب والشريح )…

ومن الاشياء التي اتذكرها جيدا اننا بعد عيد الاضحى كان من جملة كنوز الدهليز، القديد، لحم الخروف المجفف والمملح …وذات يوم راودني ابن عمي على سرقة بعض العصبانات وجلبها لنستمتع بها معا بعيدا عن الاعين …واطعته في الامر ، ولكن … قللو تعرفشي تسرق قللو نعرف قللو تعرفشي تخبي .؟؟؟؟ هذي فيها وعليها …غافلت الوالدة وهي عادة وعلى حد تعبير درويش عين تنام لتصحو عين …وحملت عصبانتين في جيب سروالي …وتسللت ـ تحت حس مس ـ لاذهب بالغنيمة الى طابية من طوابي الجنان حيث الدماغ المفكر (ابن عمي) ينتظر شطارتي ونجاحي في الاختبار و كجل الادمغة المفكرة التي عادة ما “تبيع القرد وتضحك على اللي شاريه”، لم يدر بخلدي انذاك ان اسأله لماذا لا تأتي انت بـ “عصيبنة” من عصبانكم ؟؟؟… لماذا تشجعني على السرقة من خيراتنا وتتجاهل خيراتكم ؟؟؟ تماما كاولائك الانتحاريين البلهاء الذين يذهبون لتدمير البشر وتدمير انفسهم طمعا في الجنة وحورالعين … ولم يسألوا يوما الادمغة المكفرة والمفكرة سؤالا واحدا كم هو بسيط ومُجد ويتمثل في …لماذا لا تشتركون معنا او لاترسلون ابناءكم ليشتركوا معنا في العمليات الانتحارية …؟؟؟ الا تريدون الجنة وحور العين ؟؟؟؟…

براف … ابن عمي هذا التهم العصبانة التهاما وكان في نيته ان نعيد الكرة متى سنحت الفرصة ….وكما يفعل القط وهو يمسح شلغومه بعد اتيانه على ما كتب له يومها من مأكل …(قلت قطا ولم اقل اسدا لان المقارنة جسديا وحتى لقبيا هي اقرب للقط منها للاسد) …. اذن مسحت ما علق بفمي من آثار الدهان ـ زيت القديد المجمد ـ ووضعت يدي في جيبي حتى اتمكن من غسلهما في الحوش خوفا من ان تتفطن امي لرائحتهما ….وما ان ولجت باب الحوش حتى لمحت امي جغرافيا “جزيرة” … انها بقايا زيت القديد على صفحة جيبي الخارجية ….وعينك ما ترى إلا النووووووووووور …

قداش توحشتك يا عيادة حتى وانت مزمجرة ترعدين وتزبدين …انا يتيم …

من خصائص الحوش ايضا ان وسائل الانارة فيه بدائية للغاية …ڨازة للمترفهين …كربيلة للمعوزين وفي افضل الحانات فنار، ذلك الذي يستعمله اصحاب العربات المجرورة بالحمير او البغال …اما البيرميس (وهو فنار بورجوازي) فكنا نراه احيانا فقط عندما نذهب الى سيدي منصور صيفا لقضاء بعض الايام على شاطئه ….احكِ توة مع الستاغ وفواتيرها …. ومن يدري قد تكون احتفالات صفاقس كعاصمة للثقافة العربية نجد بعض شظايا ستاغها في الفواتير القادمة ….ومن اثاث البيت: المارو والطاقة والمرفع … وهي اما مبنية داخل حائط البيت (المارو والطاقة) وهذه الاخيرة مارو دون ابواب …. اما المرفع فهو معلق على الجدران وكل واحد منها له خاصياته في الاحتفاظ بادوات منزلية للاستعمال اليومي او لادوات دراسية من كتب وكراسات واقلام …

في بيت كل واحد من العائلات يستقل الاب والام بسدتهما صيفا وشتاء بينما ينام البقية (اناثا وذكورا) وسط البيت …في الصيف تكون العملية ابسط… فبعد سهرة في وسط الحوش للعائلات الثلاث ونحن نتصيد العقارب التي كانت تؤنسنا وتتعسنا بشكل يكاد يكون يوميا، ينتحي كل واحد منا ركنا من اركان البيت ـ دون غطاء ـ ولا تسالوا عن البق والقمل والنمل بانواعه والصراصير والناموس . مع زيارات خاطفة للعقارب … تصوروا كان لي اخ يدعى محمد الاعمى هكذا يقولون عنه لانه اصيب بالعمى منذ اشهره الاولى ومات بعد سنة من ولادته .. اخي هذا كانت والدتي تجد تحت وسادته كل صباح من اسبوع ولادته عقربا سوداء …وكانت هي وخالتي يقتلونها بعد البسملة ويقولون لنا عنها (هذه عقرب مرسولة)… من هو المرسل ولماذا اخي هو المرسل اليه ؟؟؟؟ كنا نبتلع الاجابة دون ان نستوعب شيئا ودون ان نلح على تفسير يشفي دهشتنا …

هذا صيفا … اما شتاء فنتدفأ جميعا بـطرف جماعي يسدل عليه مرڨوم ثقيل حتى نشعر بالدفء … كنا في اصطفافنا وفي تراصنا وتلاحمنا تماما كجثمان الاموات في “المورغ”….. نعم كنا امواتا اشبه باحياء …وتحتنا بساط لكل واحد منا …وهو عبارة عن كيس محشو ببقايا بقايا الملابس البالية … نحن نمتلك جلود الخرفان نعم ولكنها هي تنعم بالسبات العميق حتى يأتي دورها … جلود الخرفان هي للضيوف وخاصة في المناسبات العيدية … الاعياد كانت بحق اعيادا ..ياااااااااااااااااااااااااه كم كانت جميلة اعيادنا …. وكم احس بيتم عميق تجاهها صدقا احس بتعب شديد وانا استحضرها …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار