الامّهات انذاك وبحرص شديد لحد الاختناق كنّ “يقرقنّ” بشكل دائم … اعني يعدن نفس الاسطوانة، ربما هو الخوف علينا و (احنا صغيّرين وما نعرفشي الحاجات دي!)، ربما التوق لكي يكون ابنهن الافضل الاذكى الاكثر نظافة وانضباطا …
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>
وفي ذلك اليوم عيّادة “شدّت ما سيّبت”… توتّرت اعصابي بشكل غير معهود (اسمالله عليك يا سي كريّم يعملولك اعصاب ويعملولك توتّر زادة!) … كنت يومها في “طمبك” غضبي …ومن عاداتي التي مازلت احتفظ بها لحد يوم الناس هذا ..انني اصمت عند الغضب … في ذلك الزمن لم اكن ذلك الواعي بوجوب الصمت عند الغضب ولكن ربما وهبني الله نعمة كبرى فانا لا اغضب كثيرا وحتى ان حصل الجأ الىالصمت …يومها كان اول انفجار رهيب في حياتي وما اكثرها انفجاراتي …نظرت مليّا الى عيّادة و”فصّصت عيني في عينها لا حشمة ولا جعرة”، وصرخت في وجهها مزمجرا هائجا وصوتي ينطلق كالطوفان البركان: “تعرف انّو انت اكثر وحدة.. نكرهها في الدنيا!”
مااخيبك وما اخيب منظرك وما اخيب جد سماك يا عبدالكريم …(خسئت، اجلدوه يا قوم) …
لم تنبس أمي ببنت شفة ورايت في عينيها شلالات من الدموع ..رأيت عيادة تغالب ما بداخلها …رايتها موجوعة ..رأيت تلك المرأة الحديدية تصبح اخفّ من قشّة تبن … ياااااااااااه يا عبدالكريم تفووووووووه عليك هكة تعمل في عيادة ..؟؟؟ هكذا كان صوتي الداخلي يرّدد …ثم ما لبثت ان افقت على وجعها الحزين وهي تسأل: “انا اكثر وحدة تكرهني في الدنيا ؟؟؟” …وابى كبريائي المراهق ان يتراجع وأجبت دون ان انظر اليها: “ينعم انت”… انسحبت عيّادة من الميدان كفارس يجرّ اذيال خيبته وهو يرى فرسه الجامح يطيح به من اعلى صهوته .ويمرّغ انفه في الوحل …يومها كانت بدايتي مع التدخين ..قمت بلفّ قرطاس عادي ودخلت الى المرحاض واشعلته (زعمة زعمة ولّيت راجل ونترفز ونشعّل سيڨارو)…
كاد دخان القرطاس يخنقني ووصل سعالي الى مسامعها لتسرع الى طفلها وتسال: “اشبيك تكحّ ؟؟مريض ؟؟” …الأم التي قد تفقد مالها ..حليّها ..كل ما تكسب ..و لكن ابدا ان تفقد امومتها …اطفأت سيجارتي القرطاسية واجبت: “لاباس” … ابتعدت قليلا واذا بها تقول لـ”للّتها” فطومة (اختها الكبرى): “يخخّي شعّلت المجمارة ؟؟ ريحة القراطس في النار”….لم انس ذلك اليوم … ولم انس فعلتي الشنيعة بها ..واحمد الله انني شعوريا واراديا او لاشعوريا عشت طيلة عمري اقضم اصابعي واشعلها شموع فرح لها لاكفّر عن ذلك اليوم … كدت اقول الاسود … ولكن هو بالنسبة لي كان يوما اغبر واكثر فظاعة واشنع من كل الالوان المعتّمة .. كنت صغير السن نعم …وغفرت لي عيّادة بعد ايام لاتعدّ على اصابع اليد الواحدة نعم …ورحلت عنّي وهي تكلّل ايّامي بدعوات الخير والامتنان لما قدّمته لها ..نعم .. وفي قادم الورقات تفاصيل كثيرة في هذا الباب .. ولكن هل تصدّقون اني ولحدّ هذا اليوم لم اغفر لنفسي الوجع الحيني المدمّر الرهيب الذي سبّبته لها ذلك اليوم …
في تلك الحقبة وقبل انتقالي للمرحلة الثانية من التعليم الثانوي (مرحلة التخصص)، كان كل يوم يمر الا ويزداد حب اطّلاعي على فنون وجنون الحياة ..اصبحت افهم اتراب الحومة، الاكبر منّا، وهم يغشّون بعضهم بعضا بـ”كلام القباحة”… بل ما اعجبني وقتها وحتى في سن متقدمة انهم ثم اننا اصبحنا نتفنن في ابتكار انماط جديدة من “الغشة” نحتفظ بها لانفسنا بحق الملكية الادبية تأليفا واخراجا .. فهمت وقتها كذلك ان بعضهم يتعاطون اللواط …ولكن حذار من ان تصدح بذلك لا امام السلبي منه ولا الايجابي ..اي الفاعل والمفعول فيه …وفهمت ما معنى “العملية السرية “… وكلّما تسلّل “غشّير” ليشاركنا جلساتنا نحن الكبار (جماعة ال 15 فما فوق) نهرناه بشدة باعتباره “فرخ واش يفهم منّو”…
لم انس ايضا خلافات بعضنا التي تصل في اغلبها الى معارك بونية ..ولم انس اني لم اخض في حياتي اي عراك جسدي مع اي كان ..طبعا السبب الاول تفهمونه جيدا ..امكانياتي العضلية لا تسمح لي بالتسلط الا على اخوتي الاصغر منّي سنا ..ولكن ما يحسدني العديد عليه اني كنت احظى بحب كبير من اصدقائي ..وحتى اذا شاكست البعض منهم (وكنت ومازلت كثير المشاكسة) كانوا يضحكون و هم يهمّون بوضع لكماتهم على …لا تبحثوا عن جغرافية مكان معين في جسدي ستكتشفون من خلال اجاباتهم انكم تبحثون عن عنوان لا عنوان له ..كانوا يقولون: “بربّي اش فيك ما يتضرب” ؟؟؟…لكن الغريب انني كلما لعبنا كرة القدم في الحومة وخاصة بين بعضنا البعض (كنّا نعملو ما يسمّى قسمة) كان الجميع يحرصون على ان اكون ضمن فريقهم ..
وتواصل الامر طيلة ممارستي لكرة القدم سواء كان ذلك في الحومة او في المعهد .الحي . مع استاذ الرياضة المرحوم الهادي الحاج طيب، او في رياضة وشغل ضمن مؤسسة الاذاعة والتلفزة ..لم اكن لا العقربي و لا ديوة ولا حتّى هاكة الّلي خذاوه بـ7 ملياردوات وهو ما يسواش 7 قروش . مانتذكرش شنوة اللون اللّي يعيطولو بيه ..وباش ما نكذبش والله نتذكّر ….كنت عاديا جدا في فنياتي ..ولكن كانت تسكنني دوما الرغبة في الربح حتى “بالدّود” (كلمة تعني مباراة ودية) …وكنت رغم بنيتي الجسدية لا اتعب ..لا اكلّ ..اقاوم ولا اساوم ..مما جعل جل المدربين الذين تدربت عندهم لم يرسّموني يوما في قائمة البدلاء ..بل و بعد بلوغ سن رشد كروي معيّن اصبحت قائد الفريق ومنفذ ضربات الجزاء …ما نحكيش على ولد معلول ..نحكي على ولد قطاطة…
في سنة 2008 وانا اؤدّي عمرتي فوجئت في نزل مقر اقامتي بمكّة بصوت يناديني من بعيد بـ “يا عبدالكريم يا مجاهد” … لم انزعج وقتها فداعش لم يظهر بعد ومجاهدو النفير العربي لم يخرجوا من جحورهم … التفتّ فاذا به مدربي وقائد فريقي السابق بفريق الاذاعة والتلفزة التونسية منجي ساسي، ابقاه الله ..وبعد العناق والطبطبة المتبادلة على الكتف (قدّاش نحبّها الطبطبة المتبادلة على الكتف ..آش فيها ؟؟ نحبّها . ينعم نحبّها) …بعدها طفق المنجي يحكي لمرافقيه عن عبدالكريم اللاعب المجاهد ..تقولشي “غاتوزو” متاع ميلانو او ولد الكحلة والبيضة منجي عبد المولى في زمانو اللي وفي مباراة للسي اس اس ضد المكشخة “لبس طارق ذياب خنقو” …وكمّل ذويب شدّ تميم ..ووفات الحكاية 2 لصفر لفائدة الجمعية …ما تدهشوش من النتيجة وقتها سليم شيبوب مازال ماهواش رئيس الترجي …رغم انو خروجو من الترجي كان زادة في آخر مقابلة معانا ,,والنتيجة 2 لصفر وهدف زبير السافي الجلطوي ..وحتما ساعود في قادم الورقات لشيبوب حتما حتما حتما…
وحتى لا انسى لا يمكن ان امرّ على تلك المرحلة من تعليمي دون الترحم على زوج اختي …الذي وافاه الاجل في اواخر الثمانينات ..زوج اختي هو واحد من اسباب كل ما وصلت اليه في دراستي ..ابي وعند رسوبي في السنة الاولى عبّر عن انزعاجه من اعادة مصاريف سنة (“تحسايبني نكيّل فيهم انا الفلوس بالكيلة ؟؟ ما يساعدنيش .. ودبّر راسك في مصروفك العام الجاي”) …اي السنة الاولى المعادة… هكذا قال سي محمد الوالد رحمه الله… التقطها زوج اختي وهو ايضا اسمه سي محمد ..ودعاني لحانوته كان حذّاءا في المدينة العتيقة ..اشترى لي فطورا من عند اروع كسكروتاجي في الدنيا انذاك (الغمڨي بنهج الباي) رغم بساطة تركيبته (طرف سوس وبطاطة و…………….. فقط، ولكن لست ادري من اين له باسرار تلك النكهة الغريبة الى حد النهم ….الله يرحمك يا غمڨي …
بعد الفطور انتحى بي زوج اختي بركن من اركان حانوته الذي هو في حد ذاته ركن لا حانوت وقال: “اسمعني مليح اقرأ على روحك ومصروفك عليّا ونحبّك تنجح وكان نجمّت بعد ترجعّلي رجّع وكان ما نجمتش السّماح”… اين من عينيك هاتيك المجالي .. يا رجل الرجولة يا حلم الزمان ..هذا هو رجل اختي الغالي .. وكان ذلك ..ولي عودة لي وله في قادم الورقات…
وحتى اكمل هذه الحقبة …كيف لي ان لا امر على حدثين رسخا في ذهني كثيرا وكانت لهما انعكاسات وفيرة على باقي سنوات عمري …؟؟؟ الحدث الاول هو حرب بنزرت ..في تلك الحرب خرجت ولاول مرة في حياتي في مظاهرة وانا اردد دون وعي كبير ولكن باندفاع جد كبير: “الجلاء السلاح”… كانت الروح الوطنية التي تفجر الدماء في كل شراييننا لا يمكن وصفها ..كنّا انذاك لا نفهم في السياسة الا طراطيشها ..نعرف بالكاد خلاف بورقيبة مع بن يوسف ومع عبدالناصر … ومع هذا الثاني كنا نشاهد البورقيبيين (الدساترة) يخرجون في مظاهرات يردّدون فيها: “عبدالناصر يا بهبار للعروبة عملت العار” … فيما كانت اخبارنا في الاذاعة الوطنية تهاجم يوميا المذيع المصري احمد سعيد، وتناديه بـ “احمق التعيس” …الا ان حرب بنزرت عشناها بكل حماسة ..خاصة وصوت عليّة “يشرڨع” بكلمات عبدالمجيد بن جدّو ولحن الشادلي انور في واحدة اعتبرها افضل اغنية وطنية تونسية على الاطلاق: “بني وطني” …والافضل لا يموت ولا يفنى …
الحدث الثاني كان بتاريخ 6 فيفري 1964 … انت عمري … كانت كل وسائل الاعلام مصرية أو عربية تنتظر لقاء العملاقين عبدالوهاب والست الذي كان وراءه واحد من افضل من عرف العرب في تلك الحقبة: “الريّس جمال عبدالناصر” … ارجوكم هذا رأيي وانا دائما اكتب ما احسه واقتنع به… اذن.. كل العالم العربي كان يتطلّع بشوق الى لقاء القمم في السحاب وكانت:
““قد ايه من عمري قبلك راح وعدّى
يا حبيبي
ولا شاف القلب قبلك فرحة واحدة
ولا ذاق في الدنيا غير طعم الجراح
ابتديت دلوقتي بس
ابتديت احب عمري
ابتديت دلوقتي اخاف لا العمر يجري…”
. .ياااااااااااااااااااااااااااااااااه الستم معي ان مثل هذه الغيمات الممطرة فنا وذوقا ومتعة تدفعنا حتما الى التحليق في سحاب ما بعده سحاب …وحيث طبطبة ما بعدها طبطبة …اطبطبكم…
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.