كانت الحلقة الاولى يومها في علاقتي بخالقي … نعم صليت له وسجدت وقلت لربّي كما اسلفت في الورقة 106 (انا جايك)… وتصادف ذلك مع قدوم شهر رمضان… وقمت بفريضة الصيام لاوّل مرّة في حياتي…
كنت قبل سنة 2003 (عازقو) كما كنّا نعبّر انذاك عن كلّ من يُفطر في ذلك الشهر الكريم… ولأوّل مرّة في حياتي ايضا اصبحت اشارك المصلّين في صلاة التراويح بعد الافطار… وعشت حالة من الخشوع الرهيب… بكاء مستمرّ… والسبب الرئيسي في بكائي كان مزيجا من الندم على عصياني طيلة ما سبق من حياتي، والخوف من ان اقابل ربّي ذات يوم وانا مكبّل بالمعاصي… كلّ تلك المشاعر كانت نيرانها تضطرم في صدري… وكان لا بدّ من البحث عن شخص اثق فيه واحبّه واحترمه حتى افرغ له ما في صدري من شحنات خوف بحجم الجبال… ومن يكون غيره؟ انه معلّمي في السادسة ابتدائي الذي اكنّ له كلّ التقدير والاحترام… انه الحاج علي الشعري رحمه الله امام جمعة مسجد ساقية الزيت…
وجاء يوم الجمعة لاجد نفسي من المصلين صلاة الجمعة خلفه… يومها لم البس اجمل الملابس بل وتعمدت ان اترك اللحية لايام تسرح في ملكوت الله خوفا من ان يتعرّف عليّ سي علي (عاد الله خير انا ماشي نحكيلو على ماضيّ الاغبر ويعرف انّي فلان الفلاني؟ يا فضيحتك يا ولد عيادة!)… وعلى فكرة، عيّادة رحمها الله كانت تتمنى طيلة حياتها ان تراني تائبا الى الله وكانت تعرف عن ابنها الصائع كلّ شيء… رغم انّي لم ابح لها يوما بتفاصيل حياتي الماجنة… ولكنّ ذكاءها واحساسها بولدها وبعمايلو حتى وهو يخفيها عنها يمكن لكم ان تقرؤوها في تساؤلها الدائم في فترة من عمري: (يا وليدي وقتاش ماشي يهديك ربّي و”تسكّر سروالك”؟!)… الم اقل لكم انّها تقرؤني حرفا حرفا حتى ولو لم انطق بأيّ حرف… والحمد لله انها عاشت لتراني ولو لمدة سنة واحدة ذلك الابن الهارب الى ربه …
اتمّ سيدي علي الشعري يومها صلاة الجمعة بنا وبدأ المصلّون يغادرون المسجد و(تسلحبت) كأنّي عامل عملة، في خطى متعثرة له… لمن؟ لذلك الرجل الضخم جثة والاضخم في الكاريزما… تماما كما عهدته وانا تلميذ في السادسة ابتدائي بمدرسة القراوة المختلطة… سلمت عليه باستحياء وعيناي لم تتجرّآ على النظر اليه… قال لي مرحبا يا ولدي عندك سؤال تحب تسألو؟ صمتّ قليلا ولساني الداخلي يقول (يا ريتو كان سؤال)… طأطأت رأسي وبالكاد خرج صوتي المرتعش الخائف من معلّمي قائلا: (سيدي الشيخ انا نحسّ بأنو ربّاني هداني… لكن ماضيّ معذّبني… نحسّ بجبال من الذنوب… وباش نسهّل عليك مانيش ماشي نقلك اشنوة اللي عملت، اما اسهل اني نقلك شنوة اللي ما عملتش…
لم ارفع رأسي لأرى ردّة فعله ولكن رايتها بقلبي حين قال لي:(ايّا سمّعني اشنوة اللي ما عملتش ترا)… قلت له: (لم اشرب الخمر طيلة حياتي ولم اعاشر المثليين والبقية الكلّ عملتو)… والله يشهد اني كنت صادقا في بوحي هذا… ورايت ودائما بقلبي يده حين ربّت بها على كتفي وقال: (يا ولدي وقت ترجع لدارك شدّ كتاب القرآن وامشي لسورة الفرقان واقرا من الآية 63 حتى الآية 71 وستجد الاجابة)… سلمت عليه شاكرا ومرة اخرى لم اجد الشجاعة لرؤية عينيه وهو الذي يمتاز بعينين كبيرتين ثاقبتين… تسلحبت مرّة اخرى وغادرت المسجد…
ساقية الزيت حيث المسجد تبعد عن مقرّ سكناي 9 كلم تقريبا… يومها كانت المسافة 9999 كلم… ويومها كان الزمن يسير بسرعة مليمتر واحد في الساعة… يااااااه فعلا كانت السكّة يومها طويلة قوي كما وصفها سعيد صالح… ووصلت لمنزلي وديراكت استلقيت على فراشي وديراكت سورة الفرقان والاية 63… وشعرت بالويل والثبور لمن هم من صنفي ولمن ارتكبوا ما ارتكبت… يا الهي… هل هذا انت الغفور الرحيم…؟ ولانّ الله ودون شك هو الغفور الرحيم وجدتني ابكي بكاء الفرح والامان وانا اقرأ الآية 71 وحلّ جلاله يقول بعد الآيات الرهيبة والمرعبة التي سبقتها: (الا الذين تابوا وآمنوا وعملوا عملا صالحا فاولئك سيبدّل لهم الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما)… ياااااه ما اشهى البكاء يومها حبّا في الله وفي رحمته وغفرانه… بل لم اكتف بذلك… قررت في تلك اللحظة ان اقوم بصلاة لم تأت في القرآن ولا في السنّة، واسميتها صلاة الحمد والشكر وداومت عليها يوميّا لحدّ يوم الناس هذا… وهل انسى فضل معلّمي سي علي الشعري عليّ رحمه الله… انا من عادتي ان اعترف بالجميل لكلّ انسان عرفته في حياتي ومهما كان حجم جميله… فكيف لا اذهب لمن حررني من عقدة الخوف من ماضيّ الخايب في علاقتي بخالقي؟ اقتنعتوشي توة انو في فترة من عمري كنت خايب بالحق؟؟
ورجعت له وما احلى الرجوع اليه ..رجعت لمعلّمي بأبهى ملابسي وطلّقت اللحية وللابد وصلّيت خلفه صلاة الجمعة وتقدّمت له هذه المرة بكل ثقة في النفس وسلّمت عليه بسعادة… نظر اليّ وقال: (جايني فرحان اليوم ماذابيك سيئاتك كانوا اكثر، طمعا في تحويلها الى حسنات هواشي؟)… نزل الدمع من عينيّ مرّة اخرى وشكرت له صنيعه وقلت له: (‘توة جا الوقت باش تعرفني انا شكون؟) قللي مرحبا بيك ايّا قللي انتي شكون؟… قلت له انا تلميذك عبدالكريم قطاطة في مدرسة القراوة في سنة 1960… شدّ على يدي بكل حرارة وقللي انت ولدي متاع اذاعة صفاقس ؟ قلت له انا هو… جذبني اليه وعانقني وقبّلني… وطفقنا معا في بكاء جميل… نعم البكاء احيانا هو عذب جدا وعزف جميل على اوتار الوجدان… اضف له طبطبة بيديْ سيدي علي الغليظتين على ظهري وهو في قمة سعادته بابنه الذي جاءه تائبا، وبابنه المنشط الذي وبالنسبة له هو وسام له كمربّ نجح في تربية عبدالكريم…
صدقوني انّ تلك الطبطبة باليدين اللتين قلت عنهما غليظتين هي وعلى حدّ تعبير ابراهيم ناجي (ويد تمتدّ نحوي كيد مُدّت من خلال الموج لغريق )…مسكني سيدي علي من ذراعيّ النحيفتين وقال: (توة ماشي نطلب منك طلب ونحبك تلبيهولي)… قلتلو انت معلمّي وعرفانك عليّ لن انساه طيلة عمري… اطلب عينيّ وشويّة فيك… قال لي وبنظرة جادّة كما تعوّدت عليه عندما كنت تلميذا… اهاب مثل تلك النظرات ولكن هذه المرة كانت ممزوجة بحنّية المربّي الاب… قال: (انت مازلت تتذكّر دار بوك علي اللي في واد القراوة بعد المدرسة؟)… قلت له طبعا وبالامارة في نهاية واد القراوة على اليسار… قال: (تبارك الله على ولدي وعلى ذاكرتو)… واضاف: (نحبك تجيني نهار الاول في عيد الفطر بعد صلاة العصر تقبّل عليّ)… وطبعا قفزت كلماتي وبكلّ سعادة وسرور وطبعا دون نسيان جانب المزاح فيّ قلت: (معناها ماشي تذوّقني البقلاوة وكعك الزلوز والملبّس)… ابتسم بكل حبّ وقال: اللي ماشي نحضرهولك خير مللي قلتو الكل… انت قدرك اعزّ باااااااااااارشا مللي قلتو…
وكنت اليوم الاول من عيد الفطر بمنزله… فوجئت جدا بالجمع الغفير الذي كان في الصالون… مسك سيدي علي رحمه الله بيدي وقال لي: هؤلاء هم ابنائي واحفادي… ثم نظر اليهم وقال: (هذا خوكم عبدالكريم قطاطة اللي تسمعوه وتحبوه في اذاعة صفاقس… اي نعم هذا خوكم اللي ما جابتوش امكم والحمد لله ربيت وما خبتش)… سلّمت على الجميع بكل حب وسعادة ثم قال لي سيدي علي: (ايّا تفضل موش حكيتلي على البقلاوة وكعك الزلّوز والملبّس؟ ورينا جهدك)… قلتلو: (سيدي ومعلمي احنا راهو جماعة الاذاعة نبهبرو برشة اما ما نفعلوش)… وبنظرة فيها عتاب غاضب قال لي سيدي علي: (انت بالذات فخور بيك لانك تقول وتفعل)… وربت في حنية على كتفي وقال: (عندي هدية ليك مفاجأة اما راهو تشوفها وبعد ترجعهالي)… ودلف الى بيته واخرج لي ورقة من نوع دوبلوفاي وقال لي تفضل اقرا…
يااااااااه انها ورقة في تمرين انشاء تحمل اسمي ولقبي وانا في السادسة ابتدائي… وهل هناك هدية اثمن من تلك؟ عاد بي زمني الى زمن اخر وهنا لا بدّ من القول وانا زعمة زعمة التلميذ المجتهد والنجيب جدا في مادة اللغة العربية طيلة دراستي… لابدّ من القول اني عشت عديد المواقف والاحداث في حياتي التي تعطلت فيها كلماتي… نعم لغة الكلام احيانا تتعطّل عندما تجتاحنا مشاعر غامرة…. فنصبح كقشّة تبن في لجج البحار… هل يعني ما قلته انّ لغة كلامي ستتعطّل وتقف عند هذا الحدّ في الحديث عن خالقي وعن الدين واهل الدين؟؟ ابدا ما قلته لحدّ الان هو غيض من فيض… ولكن للتذكير وللتاكيد مرة اخرى اقول: ما دوّنته وسأدوّنه في قادم الاوراق هو تجربة شخصية لا ارمي من ورائها اعطاء درس لايّ كان… انا لست مؤهلا لذلك بتاتا… بل وهذي تلميحة مقصودة اعتبروها بداية الغيض لورقتي المقبلة او مخالفة غير مباشرة، كم اشفق كثيرا على كل من يعطي دروسا في الدين لانه رغم ما بداخله من نوايا سيحمل وزره ووزر من يتبعه.
عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…
سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…
جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…
نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”
ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”
نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”
هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”
نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”
همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…
نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….
شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…
التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)
هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،
كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…
هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث
م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…
وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….
ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…
فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”
ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …