تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 26

نشرت

في

Dessins Gratuits à Colorier - Coloriage Autobus à imprimer

{ما ابلدك} في حياة كل فرد منا محطات ابدا ان تُلغى من الذّاكرة …ليست بالضرورة مجلّدا في بداياتها .. قد تكون كلمة ..آهة … كلمة .. نبزة .. نظرة .. ولكن قد “تشقلب” التاريخ كلّه …وتبعثر حتى الجغرافيا ..

عبد الكريم قطاطة
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>

دعوني اقدّم لكم وكتوطئة لـ “ما ابلدك” انموذجا من نماذج شقلبة التاريخ والجغرافيا …. مازلت اذكر في اسابيعي الاولى بباريس اثناء دراستي فيلما بورنوغرافيا شاهدته باحدى القاعات المختصّة لتلك النوعية …كنا ـ نحن البلهاء في عالم العلاقات الحميمة بين المرأة والرجل ـ ننتظر بكل لهفة اكتشاف تلك النوعية ..وبقدر ما كانت مثيرة جدا لغرائزنا بقدر ما كانت مهمّة جدا في تطوير مفهومنا لتلك الحميمية … لاّننا تعلمنا ثم تعوّدنا نحن البلهاء بعد تجربتنا خارج منظومة الداعشيين، ان المراة كائن حيّ له رغباته ومن حقّه علينا الا نكون معه داعشيين …اي نذبحه من الوريد الى الوريد عاطفيا ..فكريا.. اجتماعيا .. وجنسيا ..كنا في جلّنا فصيلة حيوانية همّها الوحيد الركوب متى نشاء ..كيفما نشاء.. دون ايّ اعتبار لـ “متى شاءت وكيفما شاءت”… المرأة عندنا جارية لا يحقّ لها ان تكون لها رغباتها .. لا يحقّ لها ان تكون انسانة ..الانسان هو لقب للذّكر دون الانثى … واذا تجرأت يوما احداهن على المطالبة بحقها الشرعي في حياتها كانسانة نُعتت بـ “هاكي ما تصلحش وماهياش بنت اصل”…ق لت تجرأت لان معظمهن “يبلعو السكينة بدمها” ويدخلن كهف الشقاء المأساوي ..كهف الموت البطيء .. كهف حياة لا حياة فيها …

ذات يوم دخلت القاعة بعد ان انطفأت الانوار وحان وقت الفيلم ..في تلك الفترة لم اكن لاجرؤ على ولوج القاعة حتى اتفادى وجوه الحاضرين ..وهذه بلاهة اخرى لان الحضور لا يمكن ان يكونوا الا من نفس فصيلتي فكيف اخجل منهم ؟؟؟ وعندما فهمت ذلك اصبحت “رقعة” و على حد قول عيّادة رحمها الله “لا تحشم لا تجعر”وتختمها بـ ” يقشّر بهتك”… وها انا ابحث لحدّ الان عن معنى يقشّر بهتك …دخلت القاعة وكان عنوان الفيلم “إيمانويل 2″… لا يهمني انذاك لماذا 2 وماهو إيمانويل 1 .. كل ما همّني يومها الصور البالغة الاثارة للنجمة “سيلفيا كريستيل” المعلّقة على اللوحة الاشهارية لقاعة السينما بالحيّ اللاتيني بباريس … الفيلم يمكن حوصلته في جمل قليلة ..بائعة هوى “تفتّق” جمالا وانوثة، اصبحت ثريّة جدّا باعتبار علاقاتها المتعددة مع الاثرياء طالبي اللذّة …ولأن الثراء في المجتمعات منذ قارون الى حد اثرياء ما قبل وبعد 14 جانفي يصبحون “محترمين جدا” حتى ولو كانوا بائعي لذّة او بائعي كلمات ..فانّ إيمانويل لم تشذّ عن القاعدة … بل اصبحت سيدة مجتمع وفاعلة جدّا في الاعمال الخيرية … وهي خاسرة حاجة ..؟؟؟ تدلل على بدنها، راس مالها ..

الا انها كانت تعيسة جدا في علاقاتها الجنسية مع حرفائها …لم تعرف يوما رغم حرفيّتها المبهرة في مهنتها ..لم تعرف يوما الشيق (قمة المتعة الجنسية لدى المرأة) … الجميع يعتبرها بركان جنس… فقط هي من تّوقن بانها قالب ثلج ….ولا شيء غير قالب ثلج …وان ما تقوم به مع حرفائها قمّة في التمثيل لا غير …إيمانويل هذه كرهت حياتها ..فلا المال ولا الجاه ولا الاسم المجتمعي ما يصنع السعادة ..استفاقت على حقيقة هامة في وجود الواحد منّا … لا سعادة دون توازن بين الروح والجسد … وكم منّا من هم تعساء رغم كل مظاهر البهرج والفرح والسعادة الموهومة ..انه ماكياج ولا شيء غيره … قررت إيمانويل مغادرة البلاد نهائيا بحثا عن توازنها ..وكان الحدث مهمّا بالنسبة لوسائل الاعلام … احدى سيّدات المجتمع ستغادر ..وتحوّلت فيالق الصحفيين لتغطية الحدث ..وصلت السيدة إيمانويل الى المطار وتوجّهت الى مدرج طائرتها الخاصة لتصعد السلّم واضواء فلاشات المصوّرين تلاحقها …وصلت الى اخر السلّم واستدارت وكما يفعل السياسيون لتشير بيدها الى اشباه الصحفيين الذي جاؤوا لتغطية رحيل بائعة هوى … زعمة زعمة سيدة مجتمع… رفعت يدها باشارة الوداع ثم توقفت لحظة و “اُغمن عليّ اُغمن عليّ”… ايمانويل هبطت “ما في عينها بلّة” …

احاط بها حرسها الخاص …والذين لحد الان لم افهم ما معنى ان يقبل الانسان ان يكون كلب حراسة على انسان آخر …و افاقت ايمانويل … وابعدت ايدي الحراس عنها ثم نظرت الى معشر المصورين… نزعت معطفها الحريري… رمت به في الهواء .نزعت حذاءها العالي ..والحقته بالمعطف … واسرعت في نزولها باتجاه احد المصورين التلفزيين ..وصلت اليه وارتمت في احضانه تقبّله بنهم وروح وعشق لم تعشه يوما …وحكت لكل الصحفيين “غريبتها” … قالت: ايمانويل سيّدة المجتمع هذه كما تعتقدون …كانت اتعس امرأة في المجتمع ..اليوم وانا على بعد بعض الثواني من مغادرة بلدي ومغادرة تاريخي وجغرافيتي التقت عيني بعين زميلكم هذا فحدث امر سحري …لقد عشت لاول مرة في حياتي شبقي دون ان يلمسني هذا الرجل … لذلك هو رجل عمري …سابيع كل ما املكه واتبرع به الى الجمعيات الخيرية وساقبل ـ ان قبل هو ـ بالعيش معه في اي كوخ ..وينتهي الفيلم بطرح “اتشقليب” لم تعشه يوما ايمانويل مع اي رجل عرفته… انا ما نقللكم وانتم ما يخفاكم …

في السنة الرابعة آداب حدثتكم عن حدثين كانا هامّين في حياتي ..نكسة جوان …والتي اتينا عليها في الورقة السابقة .. وهاكم الحدث الثاني …كنت كعادتي كل يوم امتطي الحافلة التي تقلّني من ساقيتي الى باب الجبلي كتلميذ من جملة اترابي ..كنا نعرف بعضنا البعض ان لم يكن بالاسم فباللقب ..وكنا حريصين خاصّة على تتبّع آثار زميلاتنا التلميذات اعزّهن الله ومتّعنا حتى بابتسامة عابرة منهن … اما النّافع ربّي … حتى الابتسامة في زمننا مهرها غال جدا ..وان حدثت فهي لابد ان تكون في مأمن من كل العيون …عيون ابناء العم والجيران من جهة وعيون المنافسين الذين يطمعون مثلي تماما حتى في ابتسامة …فاذا حدثت مع احدنا امام مرأى الآخرين ..يتساءل الواحد منّا (علاش معاه هو ؟؟… انا مولود في تاكسي ؟؟ مطهّر في شعبة ؟؟ اش زايد هو عليّ ..؟؟ بايي والا نحرّم) … ونقول كل هذا ولا نفعل شيئا ..يعني “تبهبير”… كنا نحن التلاميذ نعشق جدا الركوب مع السائق “الغروبي”… كان يتمتّع بشهيّة غريبة في استعمال الفرامل بشكل مفاجئ وبقوة حتى يرانا اكواما جسديّة نسقط على بعضنا البعض _وما احلى ليس فقط الركوب معه بل الاهم ما احلى الرجوع اليه والسقوط عليه … اشكون ؟؟؟ نائب للمجهول (والاكيد انه معروف عندكم)…

ذات يوم وفي منتصف السنة ركبنا الحافلة كعادتنا و كنّا في كل محطة نعرف بالتدقيق من هم والاصح من هنّ الصاعدات الى الحافلة ..تلك بنت فلان وتلك ابوها التاجر الفلاني او العمدة وثالثة ابنة قابض البريد …

(اليوم ازور الساقية فاجد نفسي غريبا فيها ..ليس فقط لان العديد هاجرها او هجرها ..بل لان سكانها اصبحوا على كل لون يا كريمة… ساقيتي فقدت عذريّتها .. واصبحت مرتعا غريبا لغرباء غريبين …)

.على بعد محطتين من محطّتي كانت هنالك فتاة على نسبة من الجمال ..رصينة جدا ..لم نرها يوما مبتسمة ..متعالية في نظراتها الى حد السخرية من الآخرين… رشيقة في مشيتها وانيقة في اختيار “طابليتها” وابدا ان تجد في تلك الحقبة فتاة دون ميدعة …ابدا ..(موش كيف توة كل شيء واضح ..واضح ..سيّبوني عاد اكيد فهمتو اش معناها واضح) …كنا على ممسافة قصيرة من وصول الحافلة الى باب الجبلي وجاءت فرامل سي الغروبي لتهزّ الجميع هزّا وبكل سعادتنا بالهز…حاولت ان امسك بواحد من الاعمدة الداخلية في الحافلة حتى اتفادى السقوط .. ومسكت يدها التي كانت على العمود .. يد تلك الرصينة الرشيقة المتعالية ..واقسم لكم اني لم اكن انوي مطلقا ذلك … استدارت بكل غضب وقرف وصفعتني بـ (ما ابلدك)… استدرت الى الوراء وعدت اليها سائلا في دهشة: “انا ما ابلدني ؟؟” فماكان منها الا ان قالت وباصرار ولهجة حادّة: اي انتي ما ابلدك ..

تصبّب جبين كُريم عرقا وهو يّهان امام الشلّة .. بعضهم كان مشفقا نظرا إلى الود الذي بيننا ..البعض الاخر كان شامتا في عبدالكريم (اش يحسايب روحو هالفرخ ..؟؟)… وانا كنت مرادفا لسعيد صالح وهو يقول بألم (مرسي الزناتي اتهزم يا رجّالة) ..لم استفق من غفوتي الا والحافلة تصل الى باب الجبلي لتعلن وجوب مغادرتنا لساحة المعركة التي لم تكن معركة … ولكنّها كانت معركة شديدة الهيحان بداخلي انا الذي عشت كامل مراحل عمري مدلّلا من الجميع ..تجي طفلة ما تسوى شيء وتقللي “ما ابلدك”؟ … لست ادري كيف قضّيت ذلك اليوم ولكن كلّ ما ادريه اني قررت الانتقام لكرامتي التي ديست امام الصديق والعدو ..هكذا خُيّل اليّ في مثل سني انذاك ..”تخربيشة متاع كرامة” وفعلا قررت ان الاحقها كل يوم كظلّها في انتظار فرصة ان “امسح بها القاعة” وامام الجميع …

استعدت لذلك ايّما استعداد … صرت اعرف مواقيت خروجها ودخولها للمعهد .. صرت اعرف كل شيء عنها ..عائلتها …جيرانها لكن الغريب انه لم يكن لديها صديقات … كانت دائما وحيدة ..واحترت في ماهيّة وكيفيّة الانتقام منها …ووجدتني بعد شهرين من المتابعة والترصّد … حبيسها …ابن حزم يقول في الحب “اوّله هزل وآخره جد” وانا اقول نعم يا ابن حزم ..والحب ايضا وفي مرحلة من عمرنا هو اشبه بلحظة شروق الشمس ..هل شاهدتم يوما شروق الشمس في لحظاتها الاولى ..هو شبه ضوء مبهر ثم تبرز الشمس فجأة للوجود من اسفل الافق الى سطحه ….وهي لا تنتظرك حتى تتأمل في اشعتها هي تتدفّق بسرعة رهيبة ..عجيبة ..ممتعة ..لكي تغمر الدنيا نورا ..كذلك هو الحب ..الحب لا يستاذنك ..لا يطرق الباب … لا يعلن عن مجيئه كما يعلن الناس المحترمون عن موعد زيارتهم لكم قبل اسبوعين او شهرين او سنتين ..ويحرمونك لذّة الزيارة الفجئية ..اليس افضل ما في حياتنا تلك الزيارة الفجئية ..؟؟؟ ان تستعدّ لامر ما ..فذلك فيه نوع من ميكانيكية المشاعر وترتيبها ..اما ان يفاجئك احدهم بقدومه دون سابق انذار فهذا هو نغم المفاجأة …..هل تذوقتم نغم المفاجأة .. عزف المفاجأة …رقص المشاعر عند المفاجأة …البعض يتعلل بنظام حياته وبعدم استعداده…وبتبريرات فيها كثير من البريستيج الزائف والتمظهر الركيك… وانا افضّل عدم الاستعداد، على تلك الزيارات الرتيبة التي لا حرارة طبيعيّة فيها مهما بلغت درجة حذقنا لتلك الابتسامات البلاستيكية التي لا عبير فيها ..وعيادة تقول في هذا الباب “اذا صفات النيّة لقمة تشبّع ميّة” …

نعم تحوّلت رغبة الانتقام من تلك البنية التي تصغرني بسنتين الى شرارة حب ..اصبحت انتقم من نفسي اكره واكفر باللحظة التي اعتدت فيها يدي على يدها …انتي هو الغفاّص يا سي الشباب ..ماهو ردّ بالك واعرف وين وعلى شكون اتحط ايدك …انتقم حتى من كرامتي المزيّفة خاصّة وانا اكلّف اختي الصغرى بتبليغها مشاعري نحوها ..وهي تجيبها: “قللو يمشي يقرا على روحو خيرلو” …واشي عبدالحليم ..نار يا حبيبي نار … حبّك نار موش عايز اطفيها … وفي يوم من الايام… قسوة حبايبي مغلباني …وبتلوموني ليه … لو شفتم عينيه حلوين قد ايه حتقولو انشغالي وسهد الليالي موش كثير عليه ..وبحلم بيك… و قد ما عمري يطول يا حبيبي حستناك على طول يا حبيبي حستناك على طول …. واشي فريد الاطرش وحكاية غرامي و كتبها زماني عليّ بدمي وبدموع عينيّ….وعدت يا يوم مولدي …. وانا عمر بلا شباب ..وحياة بلا ربيع… اشتري الحب بالعذاب، أشتريه فمن يبيع .. واشي ام كلثوم وحيّرت قلبي معاك وانا بداري واخبي …قل لي اعمل ايه وياك والا اعمل ايه ويّا قلبي ..و للصبر حدود … ما تصبرنيش ماخلاص انا فاض بيّ وملّيت …

كأن تلك الكلمات كُتبت خصّيصا لي انا … وكأن حليم والست والاخرون يعبّرون عما يعيشه كُريّم ..هي كلمات ذلك المراهق الذي يعيش قصّة رهيبة من المشاعر المتدفّقة والصادقة …والتي لا عقل فيها …واندفع قلمي لاول مرة يكتب ما بداخلي بكل عفوية ..انذاك اشتريت كراسا من الحجم الكبير وكتبت فيه اولى مذكراتي وسميتها مذكرات غرام ..كانت خواطري اليومية محلاّة بكل اغاني العشق والوجدان والتي يتطبّع اغلبها بالحزن والهجر والعذاب …ولكن بالصدق ايضا …

وجاء شهر جوان الفضيل …كنا قد اتممنا امتحانات آخر السنة وعلى ابواب عطلة الصيف ..وكانت اختي في بداية عهدها بالتعليم الثانوي (السنة الاولى)…لا تعرف انذاك شيئا عن المشاعر والحب والغرام ..هي فقط تأتمر بأوامر “سيدها” هكذا كانت تدعوني ..وكنت دائم السؤال عن فتاتي هل قابلتها هل تحادثت معها ..وكانت كثيرا ما _(تاكل على راسها) اذا لم تفرحني حتى بخبر من نوع: “اليوم شفتها و لقيتها موش جابدة روحها كيف العادة”… ياااااااااااااااااااااااااااه هل هي بداية الغيث …؟؟؟؟ وتنزل اختي ذات يوم من الحافلة لتذهب الى معهدها على الساعة الرابعة بعد الظهر ويصادف يومها وقت خروجي من معهدي …تمد لي اختي ظرفا مغلقا ..وتقول لي هاذا ليلك ..كنت اتلهى بكورنو كريمة من بائعه في محطة الحافلات بباب الجبلي ..فتحت الظرف فاذا به رسالة من صاحبة (ما ابلدك)… ….طبعا يتبع …باهيشي ؟؟؟

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار