تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 41

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

حياة الواحد منّا كم هي شبيهة بالجغرافيا… لتصبح بعدها .. تاريخا …كنت وانا تلميذ بقدر ما تغريني دروس التاريخ وتُنشيني …بقدر ما اتأفف من الجغرافيا في كل مراحل تعلّمي ..

عبد الكريم قطاطة

كنت انزعج من الحقبة التي درسنا فيها سنة الباكالوريا، التكوين الجيولوجي للطبقات الارضية والمناخات بانواعها الى آخر المطاف مع القوى العظمى اقتصاديا وتلك الارقام المهولة التي ينهال بها علينا سي محمد الصالح الهرماسي ..هو استاذنا في التاريخ والجغرافيا ..ولأننا كنّا مهووسين به كأستاذ رائع الى حد الدهشة كنت أسائل نفسي ..اما كان من الاجدر ان يختصّ الهرماسي بالتاريخ ولا شيء غيره ..حتى لا نتأفّف منه وهو يتحوّل فجأة الى استاذ جغرافيا … ولم ندرك الاّ في سنّ متقدمة انّ الجغرافيا التي لم نحبّها هي اسقاط لحياة الانسان ولتاريخه …الم ندرس في محاورها كل ما يتعلّق بالزلازل والبراكين والرياح، الشلوق واللي موش شلوق ؟؟؟ الم ندرس السلاسل الجبلية من ظهريتها الى شعانبيها الى اوراسها ؟؟؟ الم ندرس البحار والمحيطات من ابيضها المتوسط الى احمرها الى ميتها ومتجمدها ..؟؟؟

دعوني معكم اسقط هذه المعلومات الجغرافية على حياتنا اليومية …كم من زلازل وبراكين نمر بها في حياتنا..؟؟ كم من رياح وعواصف تعصف بنا وقلّ وندر ان تكون “شلوق” ؟؟كم من جبال اردنا صعودها وتسلّقها..؟؟؟ وكم من جبال اخرى تسلّقها اخوة لنا ليرفعوا سلاحهم ضدّنا بدعوى صوت الربّ يناديهم للجهاد ..وهم لم يدركوا يوما ان الصوت هو صرير شياطين من وراء الستار ..والغريب ان اولئك الشياطين يُمنّونهم بالحور العين وجنّة الرضوان …فانساقوا كقطعان الحمير ولم يتساءلوا سؤالا بسيطا كان كفيلا بخروجهم من القطيع …والمتمثّل في ..اذا كان هؤلاء يُمنّوننا بالجنّة وحور العين لماذا لم يكونوا معنا في البرد والعراء والجوع والقذارة ..؟؟ اليس من المنطق ان يكون ارباب ذلك الفكر هم اوّل المهرولين الى الجنة حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت …؟؟ اليسوا جميعا هم من قال فيهم صوت الحق { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تّفْسِدُوا فِي الأَرضِ قالُوا إنّمَا نَحنُ مُصلِحُونَ إلاّ أنّهُمُ المُفْسِدونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُون }…اما عن البحار ..اليس فينا من هو ميّت في الحياة فهو يحيا دون ان يحيا كالبحر الميّت، ومتجمّد .. لا يهزّه لا عزف ولا وتر… متبلّد ..متكلّس …خشبة ..كالبحر المتجمد ..ثم الم نستفق يوما على بحار وجب تغيير تسميتها كالبحر الابيض المتوسط الذي اصبح عندنا في مدينتي بحرا قولوا ما شئتم عنه .. رمادي ..بنفسجي … اصفر غامق …

امّا عن القوى العظمى وارقام اقتصادها فحدّث ولا حرج .. اين اقتصادنا … ؟؟…ماذا عن قفّة الزوّالي وهي تخرج فارغة الى السوق لتعود شبه فارغة ..؟؟.خاصة ان راس البصل اعزّه الله اصبح في بلدي اعزّ من رأس ابن آدم ثمنا …اما عن السيد الفلفل …هذاكة فصيّل اخر …يوما ما فهمت تلك الحقيقة او لأقل جزءا من تلك الحقيقة وكنت انذاك في رحلة مع زملائي في الاذاعة الى زغوان …صعدت فوق هضبة صُغيّرة وطلبت من احدهم ان يأخذ صورة لي ..كنت اضع نظارة سوداء وقُبّعة عصريّة فوق راسي والسيجارة في فمي (بمعنى آخر مراهق عاجبتو روحو وعامل فيها بطل لا يّشقّ له غبار… ولعلّ افضل عبارة تصحّ عليّ وتُلخّصني “فزعاك”)… ويوم خرجت الصّورة بعد تحميضها، وضعتها في البوم صوري وكتبت تحتها (لابد ان اصل يوما الى هيمالايا) …وهو ما رددته فيما بعد لكل الطلبة الذين درسوا عندي سواء في معهد الملتيميديا او بمدرسة الفنون الجميلة او مع المتربّصين عندي في راديو اللمة الصفاقسية …وعموما لمن احبّ ان يكون اروع واجمل وارقى … فلسفتي في ذلك ان يكون طموح الفرد في الحياة ع السقف …بل الى ابعد من حدود السماء وذلك شرعي للغاية … لو تعلّقت همة المرء بما وراء العرش لناله …

عندما بدات اشتغل في قسم المونتاج بالتلفزة التونسية وجدتني امامي عمالقة في هذا الاختصاص يفوقونني خبرة .وسنّا … ووجدتني ابن صفاقس الوحيد بينهم …صفاقسي …بما في العبارة من مدلولات متواصلة حتى يوم الناس هذا وبأكثر فظاعة وشراسة ..كنت ارى في اعينهم الحيطة التي تصل احيانا الى حد الجفاء ..كنت الاصغر فيهم …ودائما كأي اصغر كنت انتظر منهم الاحاطة… وكان نظريا من الصعب عليّ ان اتقبّل ذلك الجفاء خاصّة وانا الذي عشت طوال حياتي مدلّلا _… عائلة واصدقاء وصديقات حتى لا انسى …وزملاء في الدراسة ومدرّسين … فكيف لي ان اجدني مُفردا افراد البعير المعبّد تماما كطرفة ابن العبد في قبيلته ..؟؟ ..الا انّني كنت اردّد في داخلي (سيعرفونني يوما … وما نسيت ابدا ..لابد ان اصل يوما الى هيمالايا … يجب ان اثبت لهؤلاء الزملاء اني انا عبدالكريم الذي لا يعرفونه ..يجب ان اثبت لموسيو جوزيو الايطالي المشرف على التربص التطبيقي اني جدير بثقته …يجب ان اثبت لعيادة انو عبدالكريمها (وفي هذه لا ينازعها اي كان) اني راجل وسيد الرجال … ويجب ان اثبت لتلك التي خذلتني انها في الاخير خذلت نفسها… ويجب ان اثبت لذلك الذي منحني في الباكالوريا 6 من عشرين في امتحان العربية انّي اقدر ممّا فعل بي ..

انبريت في عملي بكل حيويّة … هم رأوا في البداية حيويّتي من زاوية (اوووه ..اش هالمصيبة …دبّوس خدمة)… الا اني كنت اثناء عملي لا اعبأ بما يفكّرون فيه بل واقوم ببعض الاجتهادات في المونتاج ..لم اكتف بالسائد بل كنت ابحث عن بصمة خاصة بي …في ذلك الزمن مثلا كانت المؤثرات الخاصّة التي تدخل على الصورة باهظة الثمن ..ثم إن مختبر التلفزة التونسية لم يكن مجهّزا تقنيا بما يسمح له بذلك … وحتى مختبر الساتباك كان بدائيا مقارنة بالمختبرت العالمية … ولأنني كنت مؤمنا بأن الصعود الى هيمالايا يتطلّب منّي مجهودات مضاعفة، فاني كنت اقوم بتجارب عديدة على شريط الصورة …هي بدائية ايضا ولكنّها جديدة …كنت مثلا ارسم بواسطة آلة نستعملها لوضع علامة تنسيق الصورة مع الصوت على ما يسمى “الامورس” وهو شريط ابيض يسبق شريط الصورة وشريط الصوت، حيث تثقب تلك الالة الشريط الابيض حتى تكون انطلاقة شريط الصورة والصوت في آن واحد ..واذا لم يحدث هذا ياتي الصوت احيانا قبل الصورة او العكس ..والاكيد ان جيل ذلك الزمن يتذكّر جيدا كم من فيلم وقع بثّه، الصورة في واد والصوت في واد … ذلك الثقب الذي تُخرجه الالة يكون باشكال مختلفة (نجمة …دائرة ..قلب ..الخ) ..

في احد اعمالي في المونتاج وكان ذلك في برنامج غنائي يخرجه جمال الدين بالرحال رحمه الله، استعملت صورة القلب مع ضربة موسيقية ذات نسق معيّن وثقبت بها شريط الصورة وتردد ذلك مع تناسق تام مع ضربات الة الايقاع في الاغنية …هو عمل بسيط للغاية اجتهادا ولكن وحتى تكونوا على دراية بدقّة وصعوبة العملية ..مونتاج دقيقة واحدة من الاغنية يتطلب على الاقل نصف يوم …(إينعم دبوس خدمة!).. كنت احيانا ادخل الى كابينة المونتاج الخاصة ولا انهض الا بعد 6 ساعات متتالية من العمل …طعامي انساه ..هذا الطعام الذي لم يكن يوما مهمّا في حياتي ابدا …انسى العالم كلّه وانا اشتغل ..وحتى اذا تركته فانا اتركه دون ان اتركه ….كنت عندما انهمك في عملي انغمس الى حد اللاوعي بمن حولي …وكنت في مرات قليلة اشعر بالرفاق (اعني الزملاء) حائرين يفكرون يتساءلون في جنون …عن هذا عبدالكريم من يكون ..؟؟؟

من جهتي هنالك امران ساعداني على المضي قُدما في طريقي ..اولهما تشجيع الاطراف الاخرى ادارة وزملاء في الاخراج، على مثابرتي … وثانيهما تصرّفي مع زملائي في قسم المونتاج …تصرّفات كانت بالنسبة لي عادية جدا …ولكنّها قلبت العلاقة 180 درجة ..مجرّد اني ادفع ثمن قهوة عن زميل منهم في مقهى الاذاعة، مجرّد اني اقدّم لزميل مبلغا يسيرا من المال عندما يكون في حاجة إليه ..خلع عنّي صورة الصفاقسي (المشحاح) …ثم وهذا كان مفصليا في قلب المعادلة ..كنت وما زلت ايجابيا جدا في تعاملي مع الانسان المهموم … لست انا اذا لم اذهب إليه والاطفه واستمع اليه واقف معه سندا معنويا وماديا ان كان ذلك باستطاعتي …كنت اذهب الى اي زميل احس بانقباض على وجهه …واكون انسانا فقط …

اليس الانسان هو من يحس باخيه الانسان في السرّاء والضرّاء ..ما ابشع الواحد منّا عندما يرى دمعة تتدحرج من عين ولا يمسحها ..ما ابشع الواحد منّا عندما يرى انّة تئن لانينها الاشجار والاحجار ويبقى متجمدا كذلك البحر المتجمّد … حتى ذلك البحر ينتفض على تجمّده صيفا خجلا من جموده …واقسم لكم بكل المقدّسات انّ ما كنت اقوم به لم يكن يوما طمعا ولا خوفا ..بل كنت اردّ على الاساءة بالاحسان ..ولأقول بصنيعي (لولا الحب ماكان في الدنيا ولا انسان)… وكان ومازال وسيقى الحب هو المنتصر في كل الحروب ..قد يخسر معركة ..معارك ..ولكنّه ابدا ان يخسر حربا …اكتوبر 1973 حدث ما لم يحدث ابدا في التلفزة التونسية ..في الصحافة المكتوبة التي تتابع الاعمال التلفزية كانت جل المقالات انطباعية في جملتها لان المختصين في النقد التلفزي كانوا يُعدّون على عدد الاصابع ..ثمّ كل اهتماماتهم كانت تنحصر حول الموضوع وبدرجة اقل الاخراج … وفجأة ظهر مقال صحفي حول برنامج كنت قمت بمونتاجه وثمّن صاحبه دور المونتاج في ذلك الشريط …المقال صدر بتاريخ 5 اكتوبر 73 بجريدة لابريس وبامضاء ابو الهادي …لم انتبه له الا بعد انا اهداني اياه مخرج الحصة …تلك كانت اولى ثمار مثابرتي..

ويومها احسست انّي اتسلّق الدرجة الاولى في مصعد هيمالايا …سُعدت ايّما سعادة …انتشيت ايّما انتشاء ولكنّي اكتفيت بابتسامة قلّ من يعرف سرّها …قلت الدرجة الاولى لأني لا فقط لم افقد ثبات رجليّ على الارض… بل لأن الهاجس بداخلي كان يناديني بكل عزم وحزم وتحذير: (موش هذا انت سيد الرجال اللي قالت عليه عيّادة) …وابتسامتي انذاك تعني: (حتّى تقلّي فاهمك وفاهمني)…وهو يردد: اوكي امض في طريقك …وساتركك دون ان اتركك ….وبدأت الاقلام الصحفية المختصة في النقد التلفزي تتابع اعمالي بشكل دائم وبالثناء على ميلاد مركّب افلام …_قابوس ..الحاجة ..بن رجب ..المنصف شرف الدين … وغيرهم… وبدأ المخرجون يتهافتون على عبدالكريم حتى اكون انا من يقوم بمونتاج اعمالهم …والعديد منهم كانوا يسلّمون لي الاشرطة ويذهبون في سبيل حالهم تاركين لي حرية التصرف كاملة في الشريط … ولعلّ من افضل ما اتذكّره في هذا الباب اصرار المخرج الكبير علي منصور على ان اكون انا من اصاحبه في مونتاج شريطه التلفزي (العقد) وهو من نوع الدراما ….

على منصور هذا كان مخرجا فنّانا يغار غيرة جنونية على اعماله ويشتغل فيها باتقان متناه ..وكان عصبيّ المزاج كسائر المخرجين المتتلمذين على المدرسة الامريكية …اتذكّر يوما انني كنت ابحث عن افضل عملية ربط بين مشهدين ..كنّا نشتغل ليلا ..وبقيت بالصورة وراء الصورة ابحث عن الصورة الملائمة والمُثلى التي يجب ان اجدها (علما بان الثانية الواحدة في شريط الصور تحتوي على 25 صورة)… وبقيت كذلك نصف ساعة ..وعندما قمت بالربط النهائي تقطّع الشريط …وهذا يعني انه عليّ ان اعود للقطات مماثلة من نفس المشهد واعيد العملية من جديد …كانت الساعة تشير الى الثانية صباحا… نظرت اليه وهو يًقطّع شعره من هول ما حدث وقلت له الحلّ بسيط …التفت اليّ وقال: “الّلي هو؟… قلت له: “بنبالوني من سيدي بوسعيد !” …نظر اليّ وقال: “راجل .. يلعن بو اللي يفسدّها” …وكان ذلك …واتممنا السهرة هناك ولم نعد الى العمل الا في الغد بعد الثانية ظهرا …العمل عندي مقدّس نعم …ولكن في مثل تلك الحالات يجب ان اخرج من جلبابه وادخل في جلابيب اخرى حتى اعود اليه باكثر طاقة وجمالا …

تندهشون من كلمة جمال …؟؟؟

وما هو العمل ان لم يكن فيه الانسان جميلا؟ ..ما الحياة ان لم يكن فيها الواحد منّا جميلا؟ .. والجمال عندي ليس بمفهوم الفترينات ..ولا بمفهوم اناقة الزرابي الحمراء في مهرجان كان ..الجمال عندي بمفهوم القلب والوجدان ..دون نسيان الفكر طبعا ….قد تقسو علينا الحياة ..قد تفسد راحتنا ..قد نفقد بريق الحب والامل في داخلنا … ولكن ادعوكم واياي الى التشبّث بالجمال في داخلنا …هو وحده من يقدر على هدهدتنا وقت الشدّة ولكل واحد منّا شدّته …اشدّ على اياديكم…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار