من الاشياء التي حفظناها عن ظهر قلب منذ نعومة اظافرنا (العلم نور)… وحتى الفنان الفكاهي المورالي في جيلنا انذاك تغنى بها على طريقته واستمعنا اليها عديد المرات في الاذاعة الوطنية، حيث كانت تخصّص ساعة اسبوعية كل يوم احد بداية من الثامنة يتداول عليها انذاك اشهر المونولوجيست… صالح الخميسي، حمادي الجزيري، الهادي السملالي والمورالي والجراري الى اخر القائمة… رحمهم الله جميعا ..
والاغنية الفكاهية انذاك كانت تلقى رواجا كبيرا لدى المستمعين… وحتى اذاعة صفاقس في بدايتها لم تشذّ على القاعدة وتألّق فيها منذ افتتاحها بو الشنب (مبروك الغرايري) عم لاعب النادي الصفاقسي “غازي” .. العلم نور نعم ولكن هو نار ايضا …شباب تلك الحقبة من امثالي الذين تعلّموا وتصوروا انهم تثقّفوا، وجدنا انفسنا في مرجل… تراكم المعرفة جعلنا تائهين بين المُثل والواقع، فبقدر ما تعلّمنا اشياء بقدر ما زاد ضياعنا يوم القرار ..نحن جيل نهل من الايديولوجيات السياسية الكثيرة باستثناء الاسلامية منها… وحتى بروز النفَس الاسلامي انذاك والذي شجّع على ظهوره نظام بورقيبة لكسر شوكة اليسار فاذا به في الثمانينات ينقلب فيه السحر على الساحر …ذلك النفس لم يكن مُخيفا بالمرّة لانّ حجمه لم يكن في السبعينات ليُؤثر على موازين القوى اذ انّ الساحة كانت تعيش صراعا دائما بين اليساريين بمختلف تشكيلاتهم وبين الدساترة… وكان اليساريون الطرف الابرز في النضال لانّ الانتماء الى الشق الدستوري الحاكم في الجامعة مثلا كان بشكل خجول ومتخفّ (ويا ويح اللي يطّرفوا بيه دستوري في اجتماع طلاّبي)… هو بمثابة البوليس الذي يستعمله النظام لالتقاط اخبار الفصائل المعارضة الاخرى…
وفي هذا الباب اتذكّر حادثة وقعت لاحدهم عندما تفطّن الرّفاق لوجوده …نال عقابا شرسا جدا ..لم يمسّه احد بسوء بل وقع جلبه الى ساحة الكامبوس وقام احدهم وعلى الطريقة الداعشية بوضع عصابة على عينيه وتم حلق جزء من راسه حيث رسم عليه بالفرنسية حرف ٌأف” (اي “فليك” اي بوليس الحزب الحاكم)… واضحكوا معي قليلا ..هذا الشخص واصل عمله برتبة (قوّاد 5 نجوم) ليُصبح يوما زميلا اعلاميا ومسؤولا ومنظّرا لنظام بن علي بعد ان كان “فليك” لنظام بورقيبة …والاكيد انّه قلب الفيستة ليصبح نهضاويا في انتخابات 2011 ثم ندائيا سنة 2014 ثم هو مع النظام القادم حتى لو صعد “حمّة” لسدّة النظام… رغم انّ هذا من باب الاحلام المراهقة له ولاتباعه، لانّ هؤلاء الجماعة ما ادركوا يوما ان اسلافهم من منابع اليسار العالمي اصبحوا يتبرؤون من يسارهم بينما جماعتنا هم ملوكيون اكثر من الملك ماركس والامير لينين …واللذين لو عاشا لهذا الزمن لهمسا (باطل يا حمّة باطل)…
اذن وعلى طريقة تخريجات جيل اليوم الماسطة في اغلبها (فيق يا شفيق!)… ذلك الكمّ الهائل من التعاطي مع الايديولوجيات جعل عددا منّا يقرّر اتجاهه… بعضهم عن قناعة والبعض الاخر كموضة وجل البقية كالقطيع ..كنت من جماعة الموضة ولكن المتامّلة في كلّ ما يحدث ..كنت غير راض عن ايّ فصيل لانّي كنت شاهدا على الممارسات التي تختلف جذريا عن المبادئ …كان اغلبنا يعيش انفصاما في الشخصيّة فالخطابات شيء والسلوكات شيء مختلف تماما ..كنا في جلنا نؤمن بحرية المرأة في كل شيء حتى في جسدها بل كنّا نشجّعها على ممارسة تلك الحرّية دون حدود ..وعندما تحين الساعة الصفر للاقتران بشريكة عمر، تظهر فجأة فينا صورة سي السيد بوعي او دون وعي… ونبحث عن بنت العيلة التي لم تخرج يوما من كهفها ولم تر النور… وعندما احيانا نستشير بعضنا البعض في بعضهن، كثيرا ما نُلفت الانتباه الى (رد بالك هاكي عينها محلولة)… او (اشبيك هبلت تاخذ فاضل العباد ؟؟) …او (هاكي تعدّى عليها مائة ريح)… في حين وبكل انانية الرجل الشرقي المريض، لم يلتفت لحظة واحدة الى ماضيه الاسود وهو يعاشر وبكل تفاخر ثويري نفس تلك اللي عينها محلولة وتلك اللي تعداو عليها الف ريح ..هل هو نور العلم والمعرفة ام ناره ..؟؟؟
والامر يصبح اكثر تعقيدا في اختيار نوعية جمال المرأة ..جيلنا انذاك كان ومن خلال نور المعرفة يبحث عن امرأة تجتمع فيها عديد النساء ..فهي في البداية عبلة في وفائها لذلك الزنجي عنترة ..وهي بثينة جميل او ولادة ابن زيدون ..وهي كل قصائد نزار قباني في المرأة …وهي سامية جمال في رشاقة جسدها عندما ترقص ..وهي شادية في دلعها ..وهي بريجيت باردو في انوثتها الصارخة.. وهي جين فوندا كيسارية مناضلة ..وهي اورنيلا موتي في سحر نظرتها ..وهي امّه في عفّتها وشرفها … اي انّ الواحد منّا يبحث دون وعي عن امرأة مستحيلة لانها مركّبة من كل ما شاهده في الافلام ومن كل ما قرأه في ثلاثية نجيب محفوظ وغيره من القصص … ثم ينتهي بجلّنا المطاف للعودة الى المربّع الاول (بنت دار واللي تعرفوا خير مللي ما تعرفوش) .. السنا نحن جيل المعرفة النور والنار ..؟؟؟..
من ثمة وبعد تلك المحادثة الموجزة مع خالتي حول موضوع الزواج … وهذه الاخيرة لم يسعفها الموت لترى ابن اختها يوثّق لها حلمها اذا انها ماتت في تلك السنة بمرض عضال … بعد تلك المحادثة، بدأت جدّيا اضع الامر في اطار (علاش لا؟)… خاصة انّ عيادة ستكون اسعد مخلوقات الله لا فقط باختيارها لابنة اخيها بل وخاصة لطفلها الذي بدا يعود الى رشده …قلت في اطار علاش لا، لانّ هدفي الاهم ومنذ سنة 74 كان هل وصلت فعلا يا عبدالكريم الى هيمالايا ..؟؟ وكنت كلما ذهبت الى شاطئ اميلكار صيفا مع الشلّة انظر من هنالك الى جبل بوقرنين في الافق ..انظر باستهزاء وانا اقول له في صمت (ما تلعبنيش)… هيمالايا او لا شيء… انا بالنسبة لعائلتي ولاصدقائي في صفاقس عموما وفي ساقية الدائر خاصة اصبحت رقما ممتازا في تقديرهم لي والذي يصل الى حد الافتخار بعبد الكريم ..كان كلما اعترضنا احد اقرباء صديق يقدمني كنجم من نجوم التليفزيون … (هذا عبدالكريم اللي يخدم في التلفزة يخخي ما تشوفوش ساعات ؟؟؟ ما تقراش اسمو ؟؟؟)… والتلفزة في بداية السبعينات كانت الصندوق السحري العجيب لاغلب التونسيين والذي يعمل بها هو لا ينتمي لكوكب الارض ..الا انّي وفي قرارة نفسي ورغم تفانيّ في عملي وتالّقي وبشهادة كبار نقاد التليفزيون في ذلك العصر وعلى راسهم عبدالكريم قابوس وهو اكثر الاقلام دراية بالميدان واقذعهم هجاء للاعمال التافهة (اينك يا قابوس اليوم لتُدرك ان الاعمال التافهة في ذلك الزمن هي روائع امام ما يُبثّ اليوم من زبالة الزبالات؟) …
رغم كل ذلك… حلمي لهيمالايا لم ينقطع بل كان يؤذيني بجلده لي وبشكل دائم ..لكن كيف العمل ..؟؟؟ الى اين وانا الذي يريد محصولا اخر من المعرفة في العلوم السمعية البصرية ..؟؟؟ تونس ليست بها معاهد مختصة في الدراسات العليا في هذا الباب ..وحتى المعهد الوطني للعلوم السمعية البصرية بباريس لا يمكنني ان اتعلّق بوهمه ..فهو اولا يفتح ابوابه كل سنتين لعديد طلاب المنح من كافة الدول الافريقية اي ان المترشحين لثلاثين منحة فرنسية عليهم ان يكونوا الاوائل من ضمن تلك الآلاف ..وكيف لي ان اشارك في مناظرة باللغة الفرنسية وانا الذي انقطعت علاقته بموليير منذ السادسة ابتدائي بعد”الشلبوط” الشهير لمدرّسي الفرنسي “دوميناتي” ؟؟؟… وهيمالايا يا عبدالكريم ..؟؟ هل انتحر حلمك لانك عاجز حتى عن تكوين فقرة موجزة باللغة الفرنسية دون ارتكاب عشرة اخطاء (راني نكذب عليكم ..العدد اكبر) ..
ذات يوم وفي نفس شاطئ اميلكار بعد ان قضّينا يوما مُمتعا في السباحة، كان الجميع يتاهب وكعادتنا للذهاب الى سيدي بوسعيد عبر الطريق الجبلية الوعرة ولكنّ ميزتها انّها تكاد تكون خالية من الاعين الرقيبة الا من يشاركنا نفس مرامينا (وقتها عاد اتشلّق نشلّق)… يومها لم انهض من على رمال الشاطئ ..اندهش الجميع عندما قلت لهم: “اسبقوا توة نلحق نحب نقعد وحدي شوية”… ودون نقاش ولكن باستغراب اذعنوا للامر ..باستثناء رضا الذي اقترب منّي وقال: “اشبيك يا سخطة لاباس ؟؟” … نظرت اليه وقلت: “توة نحكيو” …
انتظرت دخولهم الى منعرج تستحيل منه رؤيتي ولبست ادباشي وامتطيت قطار الـ”تي جي ام” وعدت مسرعا الى مقرّ سكنانا بنهج كندا ..دخلت ودون حتى ان استحم اخذت دفتر مذكّراتي وكتبت: “يا عبدالكريم يا بهيم هيمالايا امامك وانت تلوّج اشبيك سكّارة”… بعدها قمت بفرح طفولي لاستحم ولانتظر رضا والشلة ..وما ان سمعت نغم المفتاح وهو يبسبس للكوبة ..الستم معي في انّ لموسيقى المفاتيح الوان؟؟ عندما نكون في انتظار يعلوه البشر والفرح ومهما طال الانتظار، ياتي على نغمة اسبقني يا قلبي اسبقني ع الجنة الحلوة اسبقني ..وعندما يكون الموقف النفسي ضياعا وتوهانا ياتي من صنف “لوكان بخاطري انا”… المفتاح يبسبس بالكوبة لانه قرأ حالى المنتظر الجذلان.. وما ان هلّ الجمع حتى صحت (اوريكا) وجدتها …اندهش الجميع وقال رضا بنبرة متهكمة: “اشنية ها الطلعة الجديدة زادة واشبيك مرڨت فينا ما خلطتش ..محسوب انت الخاسر يا من حضّرك على اش عملنا” ..
ضربته بقبضة يدي وبقوة على كتفه وهي في قوتها لا تؤذي نملة فكيف تؤذي كتف ابن آدم .. وصحت: ..”هيمالايا يا مدكّ” ..نظر بجدّ هذه المرة وقال: “ايّا هات يا انشتاين زمانك” …جلسنا معا وقلت له قررت ان اشارك في مناظرة المعهد الوطني للعلوم السمعية البصرية بباريس … رضا كان يعرف ضعفي الفادح في تلك اللغة .ضحك مني وقال: “ترى قول هذي الجملة اللي مازلت كيف قلتهالي باللغة الفرنسية” …لكزته بمنكبي واجبت: “كي نقللك مدكّ راك مدكّ … وما المانع من ان اتعلّم اللغة الفرنسية؟؟؟”… طأطأ رأسه وقال: “علاش لا ؟؟؟ اما تحبلها مصيرفة” …ضحكت منه واردفت: “اينعم بمعدل 200 مليم اسبوعيا” ..”كيفاش هذي زادة ؟؟ يخخي انت شارب حاجة ؟؟”.. هكذا رد عليّ فاشرت له باصبعي له وقلت: “انت وامثالك من اصدقائي هم من سيكونون اساتذتي، هذا من جهة، ومن جهة ثانية وبما اني محب جدا لعالم الكرة ساقتني كل اسبوع جريدة الرياضة المُحررة باللغة الفرنسية لاقرأ الاخبار الرياضية وفي نفس الوقت اتعلم بمعيّتكم اللغة الفرنسيّة” …ضحك رضا وقال: “جو، ياما ماشي تاكل طرايح”…نظرت اليه بعين ثاقبة وحازمة وقلت: “فعلا وهذا ما اطلبه منكم …لا ترحموني ولا بد ان انجح” …
ورسمت لنفسي سنة ونصفا تقريبا لتعلّم اللغة الفرنسية حتى اتمكّن من المشاركة بحظوظ قد لا تكون وافرة ولكن ابدا ان استقيل.. وتوكلت على الله… كليت من عندهم ما كتب من ربّي وعبّرت لعيادة عن رغبتي في مواصلة الدراسة بفرنسا اذا نجحت ..كانت مُبعثرة بين شعورين اولهما الرغبة في ان يكون ولدها سيد الرجال، وثانيهما الخوف من فرنسا ومقرراتها وكانت كلما سمعت الاغنية الجزائرية “يا ربّي سيدي” وفي رواية اخرى “ياااااا رببببببببببببببببي(بكل وجعها) اش عملت انا ووليدي ..ربيتو بيدي ..وخذاتو بنت الرومية”… كانت تتنهد الى حد البكاء وتنظر إلى طفلها وتسرد عليه معجما من مفردات الالم والوجيعة والشك والموت البطيء …وقتها فكرت في ان اهديها اجمل رسالة طمأنة لها …وضعت يدي على كتفها والاصح اني وضعت قلبي على كتفها وقلت: “ايّا اش قولك يا عيادة تمشي تتكلملي على منية بنت خوك وكيف ما تقول انت نقرطسو عليها باش اذا نجحت وخرجت لفرنسا تطمان على ولدك؟” …وبعين الحكيمة ردّت: “باهي… اما اشكون قال انك بعد ما تحشمنيش على روحي مع خويا ..؟؟ نقرطسو عليها باهي اما راهو ما هواش لعب صغار ..انا دڨني في عيني وما تدڨنيش في سيدي الطيب ..والله لا عاد انجم نغزرلو في عينيه لو كان هكو والا بوهكة”… ادرتها بكلتا يديّ الى وجهي حتى اصبحنا متقابلين وقبلتها في جبينها وقلت: “شوف يا عيادة انا حتى مع اللي عرفتهم الكل ما كنتش واطي، كيفاش نكون مع بنت خوك العزيز ؟؟..وانهمرت امطار عيادة دعاء ..
كان ذلك في بداية سنة 75 وكانت ابنة خالي لا تفقه في كل هذه الامور شيئا ويوم قيل لها جايك عروس يخطبك واللي هو سيادتي، هربت الى غرفتها تبكي وترفض سماع اي شيء … كنت كامل السنة اشتغل كعادتي مركب افلام وريبورتير في بعض الحصص الثقافية كما اسلفت، ولكن كان كل همي ان التهم التهاما قواعد اللغة الفرنسية ومفرداتها …وكنت في المناسبات الكبرى الدينية خاصة اعود الى العائلة واذهب الى دار خالي متلصّصا عن تلك البنيّة …وبدأت الاحظ ان البنيّة في عالم الهوى بدات تُحضر احيانا صديقة لها كلما علمت بزيارتي لمنزلهم ..وهذا يعني انّها بدأّت تحتمي بعنصر امان في وجودها معي … وانّها تحكي لها عنّي كسائر الفتيات ..وبدأ فارس الاحلام يتشكل في مخيلتها …حتى جاءت امها يوما رحمها الله وعبّرت عن موافقتها للاقتران بسيادتي…
كان جميع اصدقائي يشجعونني على الامر وباعجاب ولسان حالهم يقول (ربي يرشنا منين بلّك)… ليس الجمال هو المفصود بدرجة اولى بل العقالة والرزانة، خاصة ان منية في ذلك الزمن وما بعده ولسنوات كانت علاقتها بالحديث عدائية جدا جدا جدا ….وتقرر ان يكون يوم الخطوبة 30 جويلية 75 وكان …اطمأن كل محيطي لهذا الامر وعاج الشقي على رسم يسائله وعاجت الشلة تبحث عن خمّارة البلد ..لم يكن الرسم طللا من اطلال ابي نواس بل كان الرسم عندي الدرس ..لابد من حفظ الدرس باللغة الفرنسية فجانفي يقترب وهو الموعد المقرر لاجراء الامتحان ..كانت الايام والاسابيع تتلاحق وانا اقول وهذه المرة في نفسي فقط دون اشعار اقرب الناس لي ..سانجح ..يا ربي سانجح …
عندما دخلنا قاعة الامتحان في المؤسسة كنا قرابة الخمسين وجاء المهندس الطاهر النجار وهو يحمل ظرفا من المعهد الفرنسي مختوما بالشمع الاحمر ووزع علينا اوراق الامتحان ..صدقا لم يكن الامر عسيرا بالنسبة لي في فهم اسئلته وصدقا ايضا لم افهم سؤالا واحدا حول زوايا التصوير… وكان بجانبي زميلي الهادي ملاك وهو من افضل المصورين التلفزيين كفاءة وسلوكا ..فاسترقت النظر الى ورقته ووجدت الاجابة التي ابحث عنها باعتبارها من اختصاصه …واقسم لكم باقدس المقدسات انها المرة الوحيدة طيلة دراستي (من الزاوية الى فرنسا) التي حدث فيها ذلك …لم احاول ابدا ان اسرق في اي امتحان …
خرجت من قاعة الامتحان يملؤني شعور بامل كبير للغاية ..وصدقا ثالثة لا ادري مأتاه ..كنت اعرف وكالجميع ان المترشحين لتلك الدفعة في كامل افريقيا بالآلاف وكنت اعرف وكسائر البقية ان فرنسا تُخصّص 30 منحة فقط ..وكنت اعرف ان حظوظ بعض الافارقة السود افضل منّا (السينيغاليين خصوصا) في اجادتهم للغة جان جاك روسو … ولكن كان صوت وديع يقول هم لهم اللغة وانت لك التميّز في عملك .. ثم ما يطمئنك ان الاصلاح ما فيهش اكتاف ..نعم مواد الامتحان تاتي من المعهد الفرنسي وتعود اليه ليصلحها الاساتذة هناك ..ولم يمر شهر واحد حتى وقعت دعوتنا انا وثلاثة اخرين الى الادارة العامة التقنية ..
يااااااااااااااااااااااااااااااااه ويا رببببببببببببببببببببببببببببببببببببببببي ما احلى ان تتحدى تتمرد على ذاتك وتنتصر .نعممممممممممممممممم انتصرت على اعاقتي اللغوية ..تلك التجربة وما سيليها هي التي عندما وجدت نفسي امام المصدح او على مدارج الجامعة جعلتني اردد للمتلقّي (الارادة تقهر المستحيل) وكنت ومازلت اردد لهم دوما … هيمالايا هي الهدف ويوم تصلون لا تكتفوا بذلك بل ارسموا حلما آخر لما بعد حدود السماء …لولا الحلم ما كان في الدنيا ولا انسان …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.