منذ اليوم الاول وانا اتخطّى حاجز الرهبة والخوف من عاصمة النور باريس …انهمكت في تجربة فريدة من نوعها طيلة حياتي …دعوني الخّصها لكم في جملة (تجربة كل شيء)..
صدقا لم تكن نواياي مخبريّة بقدر ما هي محاولة منّي لمزيد المعرفة …الحياة في باريس تمنحك كل الفرص للمعرفة ..الحياة في باريس بدأت معي وانا اخطو اوّل خطوة في دراستي بالمعهد الوطني للعلوم السمعيّة البصريّة بضاحية باريس الشرقية وتحديدا بمنطقة “بري سير مارن”… توجهت صباحا على الساعة السابعة الى المعهد … فوجئت اوّلا بطريقة الاستقبال وانا اضع قدمي بمكتب الاستقبال الخاص بالطلبة الجدد ..الموظّفة هناك لا تنتظر منك التحية .بل هي من تبادرك بالتحية ..الموظّفة هناك لا تكشّر عن وجهها كما يفعل جلّ الموظّفين ببلدنا ..بل تُهديك ابتسامة صادقة فهي التي تنتمي الى امّة (حللت اهلا ونزلت سهلا) ..الموظّفة هناك تاتيك بكل ما في قلبها وفكرها من ايمان بوظيفتها الاستقبالية لتؤدّيها على احسن وجه فاستقبال هذا الطالب الافريقي في مكتبها المُعد للاستقبال يعني حرارة وورودا وعطر ا..
تبادرك بعد مرحبا بك بالقول كيف يمكن لي ان اخدمك ..؟؟. لان العمل عندها قيمة حضارية …تصوروا هذا المشهد في اداراتنا .. الموظف عندنا (احمد ربي كان ما تلّفكش) وواصل حديثه عن مباراة الترجي والنجم وعن الحكم وعن اجتياح الجمهور للملعب وعن النفاق الكبير بين مسيّري الفريقين .. (وهوما زعمة زعمة روح رياضية عالية وبعد يجي الاحد الرياضي يكشفهم على حقيقتهم… توة لهاالدرجة مازالوا يتصورو المشاهد ابله …؟؟ والله دنتو اللي مسخرة …وعن ذلك الذي بقي على قلوبنا ثقيلا جدا يشتكي من ثقله الزئبق رغم انه يُدعى وديع) …
الموظّف عندنا لا يهمه ان كان الحريف امراة حاملا او كهلا بالكاد يقف على رجل ونصف .. المهم ان يكون الحاكم بأمر الله يعزف كيف ما يشاء.. وقت ما يشاء .. وعلى اي مقام موسيقي يشاء .. قد يكون هو ايضا مُضطهدا من احد اعرافه ..قد تكون وزارة الداخلية في حياته الخاصة (زوجته) قد مسحت به القاعة صباحا، فقدم لعمله وهو مقهور مغبونا ناقم … وقد تكون الموظّفة عندنا زوجة سي السيّد الذي ياتي كعادته مخمورا فـ”يتمرقد” كقطعة حبل دون حتّى ان يفهم يوما انه تزوّج من كائن بشري في حاجة لزوج ككائن بشري … هو في حاجة حتّى للمسة واحدة فيها حنّية الكائن البشري والتي كانت تكون كافية لمسح غبار وعناء يوم كامل في حياة زوجته ..هذا المخمور لم يدرك يوما ان زوجته كائن بشري بل هو يرى الجمال في كل نساء الدنيا الا في زوجته ..والتي تصبح مع مرور السنوات قطعة من اثاث المنزل لا غير ثم يسأل البعض: “قداش كثر فساد في عندي ما نقلّك”… توة هاكي برامج ..؟؟ ما يحشموش… ويزيدك عاد هاكي الموضة الجديدة (تقليعة اعلام العار)…
قد يكون الطرح بذلك الاسلوب للمراجعة وهو فعلا للمراجعة ..ولكن اسال من اين تأتي تلك البرامج بتلك القصص ..؟؟ من مدغشقر او الصومال او جزر الواق واق ..؟؟ اليست من تونس ..تونسنا احنا موش تونستان ..؟؟ اليس الاجدر بنا ان نتساءل لماذا وصلنا الى تلك الدرجة المتدنية في العلاقات الاُسريّة ؟؟؟ عوض ان نسبّ التلفزيون واهل التلفزيون واعلام العار ..؟؟ هل وقفنا يوما امام المرآة لنحاسب انفسنا .. لنتحاور بكل صدق وعمق مع ذواتنا .؟؟؟… وتاكّدوا اننا سنجد فينا نسخا من عندي ما نقلك ومن المسامح كريم ومن حكايات تونسية .. قد تكون فيها الفظاعة نسبيا مختلفة ولكن الفظاعة عادة ما تبدأ الحكاية فيها بتفصيل صغير، ثم يتطور حسب معطياتنا التربوية والاجتماعية والنفسية .. فيصل بالبعض الى فظاعة الجرائم ويقف عند الاخر حد الفظاعة المرعبة ايضا والتي هي كفيلة بتدمير الذات وتخريبها… وهي تلك التي نعبّر عنها بالياس او الرضاء بالاقدار في اسلم الحالات وهاكة مغرفتك اش هزت ..يلعن بو ها المغرفة الكلبة …وما ابشع تلك الحالات …
استقبال الموظفة في اول يوم بالمعهد جعلني احس بجهلي ..فرنسا التي استعمرتنا زهاء القرن تستقبلنا بتلك الحفاوة الحقيقية ؟؟؟ نحن دائما نخلط بين البلد واهل البلد و…ساسة البلد … بدات وقتها أعيش اول خطوة اُدركت فيها جهلي ومراهقتي .. لم تكن ماري موظفة الاستقبال استثناء بل ان اول لقاء مع مدير الدراسة ثبّت في داخلي قناعتي بجهلي …السيد جاك دوران وهو مخرج فرنسي مشهور يستقبلنا استقبال الرجال… استقبالا لا حواجز فيه بل الاعمق والاجمل عندما بدأ يسرد علينا تفاصيل الرحلة الدراسية معه ومع زملائه وهو يقول: “انا سعيد بوجودي معكم كافارقة ..قد نعطيكم شيئا من معرفتنا ولكن تاكدوا اننا نحن من سنستفيد اكثر من وجودكم معنا .سنتعلم منكم الكثير لانكم انتم الجذور في تاريخكم وحضارتكم ونحن الاغصان” …
نعم هذا فرنسي ..كنا نقول عنه الاستعماري العنصري المتسلط… لاننا لم نكن نفرّق بين الكائن البشري كانسان وبين قذارة السياسيين … هل تصدّقوني عندما اقول لكم وقتها بدات اتعلم ان الكراهية هي افتك الامراض البشرية على الاطلاق ..؟؟ هل تصدّقون ان تجربتي مع كل الاساتذة الفرنسيين ومع كل من عرفت ومن كل الاجناس والاصقاع علمتني انه ليس من حقّي ان اكره اي جنس اخر … اية ديانة اخرى … اي مخلوق اخر … ووقتها بدا ينمو ويتطّور بداخلي مفهوم كونيّة الانسان ..وها انا بعد قرابة النصف قرن اقولها عاليا وبكل اقتناع وسعادة وفخر: انا لا اكره حتى الشيطان الذي له رب يحاسبه ..فكيف اكره الانسان الذي هو كونيّا اخ لي رغم انفي وانف الجميع .السنا جميعا ابناء آدم وحواء ؟؟؟ ردّوها عليّ ان استطعتم … هي ليست مواقف بلاتونية رومانسية.. حالمة ..صدّقوني وبكل المقدّسات انها الواقع لو تخلّينا ولو للحظة فارقة عن اختلافاتنا العقائدية والفكرية والفلسفية المريضة ..ولعلّ قصّة قابيل وهابيل اتت لتعلمنا الدرس (الخير والشر) منذ بدء الكون ولكننا لم نتعلم …
الدراسة بدأت بنسق عال …7 ساعات يوميا على امتداد 5 ايام اسبوعيا ..وثراء كبير على مستوى البرنامج .. كنا ندرس مواد تبدو ظاهريا لا علاقة لها باختصاصنا من نوع جولة في عالم الاقتصاد والقانون وعلم الاجتماع . _.ولم ندرك الا بعد مدة ان ميداننا يحتاج حتما الى قدر ولو كان يسيرا من الاخذ من كل شيء بطرف ..وكان مسموحا لنا وبكل سلاسة ان نناقش الادارة والاساتذة في جدوى وفاعلية حتى محتوى البرنامج الدراسي ..رغم انه مُعد بشكل عميق من اخصائيين كبار في كل المجالات بعد بحوث ودراسات طويلة ومُعمّقة … انها حرية التعبير وابداء الراي …في بلداننا .. اشرب والا طيّر ڨرنك … واشكونك انتي باش تناقش برنامج دراسي ؟؟؟ هذا منطق الجهة الفاعلة .اما جهة المفعول بها فهو اما بهيم خدمة (وعذرا للبهائم على حشرها في هذه الخانة) لم يبحث يوما عن جدوى او عدم جدوى مادة ما …او وخاصة بعد 14 جانفي هو مرادف لطفل مراهق وللتعبير عن عدم رضاه يكسّر ويحرق ..ويسبّ …
حدث ذلك مرة معي في معهد الملتيميديا سنة 2012 … مجموعة من طلبة السنة الخامسة رفضوا قطعيا الاذعان لقرار الادارة بتكليف زميلة لي بتدريسهم نفس المادة التي ادرّسها (تقنيات السنيرة والاخراج السمعي البصري)… وكالعادة اعتصموا امام الادارة رافضين العودة الى الدروس مطالبين بوجودي .. هاتفتني الادارة راجية ان احضر على عجل ..ولبّيت النداء ..العديد منهم درّستهم منذ السنة الاولى مادّتي التصوير والمونتاج …قلت لهم عند وصولي: من سيتكلم باسمكم؟ ..تقدّم واحد من طلبتي وعبّر عن رفضه وزملائه المطلق لتلك الاستاذة لانهم ادركوا بعد تجربة قصيرة معها انها ذات كفاءة محدودة جدا ..طلبت من الادارة التي كانت تحترمني جدا وتُصغي جيّدا لمواقفي “سي .في” هذه المدرّسة ثم طلبت مقابلتها ..هي فعلا كانت مبتدئة في الميدان لكن غير المنطقي في الامر ان دراستها الجامعية كانت بعيدة عن الاختصاص التي عينتها فيه الوزارة ..وهي معترفة بان لا علاقة لها بتاتا بتلك المادة ..كانت نزيهة جدا وامينة بواقعها ..عندها قلت لها ساتدبّر الامر مع ادارة المعهد ..
تحاورت مع الادارة وقبلت ان اُنهي الاشكال بان اتكفّل بتدريسهم ولو مجانا ..عدت الى الطلبة وقلت لهم هل انتم مستعدون لقبول الحلّ الذي اراه مناسبا للجميع وبصوت واحد جاء الرد نعم … اقترحت عليهم: اوّلا الذهاب حالا للاعتذار للاستاذة ثم العودة اللامشروطة للدروس… امّا عن البقية فانا من سيتكفّل بها … ودون قيد او شرط اعتذروا وانهوا الاعتصام ….ويوم بداية اول حصّة معهم فوجئوا بحضوري وبكل سعادة معهم .. رحبت بهم وقلت: “ما تفرحوش برشة راكم بدلتو سيف بمنجل”… لأن المعروف عنّي اني جدّي لحدّ الصرامة في التدريس وفي حرصي على جدّية طلبتي وعلى انضباطهم معي كجنرال عسكري في تعاملي معهم …لكن في المقابل انا وكيل دفاعهم وبكل صرامة أيضا اذا ما حاول البعض المسّ بحقوقهم …
وفي هذه النقطة بالذات اتذكّر جيّدا حادثة وقعت ذات سنة 2013 مع طلبة البوزار (فنون جميلة).. فصل في السنة الثانية لم يبدا الدروس منذ الشهر الاول للسنة الجامعية ..وعندما كُلفت بتدريسه اعلمت الادارة ان البرنامج المخصّص لذلك الفصل يتطلب تاخير الامتحان النهائي نصف شهر على الاقل، حتى يكون الطالب جاهزا… وافقت الادارة على ذلك واعلمت الطلبة حتى يطمئنوا على اكمال برنامجهم الدراسي ..عند نهاية السنة انزلت الادارة روزنامة الامتحانات ناسية ما اتفقنا حوله وجاء الطلبة مزمجرين غاضبين معتصمين … دخلت باحة المعهد فاقبلوا وبكل تشنج يعبّرون عن استغرابهم من الامر ..نظرت إليهم وقلت: “زايد، تقعدو طول عمركم فروخ” ..”كيفاش يا مسيو” صاح بعضهم فصرخت في وجهه وقلت: “سكّر جلغتك ..وليّد انا نلعب معاكم؟ ..وعدتكم باتمام البرنامج ولن يكون الامتحان قبل اتمامه” …وكعادتي امرت جميعهم بـ (انقرضوا !)… تفرّق الجمع بكثير من الفخر ..احسّوا باني نصرتهم على قرار الادارة الجائر ..وتوجهتُ الى الادارة مًمثلة في مديرها الصديق الشاعر والمفكر والمثقف نزار شقرون ومعه كاتبها العام … وذكّرتهما بالاتفاق المبرم معهما ..وجدا نفسيهما في موقع حرج واقترحا عليّ اقتراحات لم تكن مقنعة … وكنت حازما الى حد رفض مدهما بالامتحان …وقبلا الامر نظرا إلى عنادي و (كسوحية راسي)… ولكن ايضا إلى وجه الحق في موقفي … واتممت لطلبتي البرنامج ثم كان الامتحان بعده ..
انا لست هنا لاستعرض عضلاتي وفتوّتي ..ابدا والله بل لاقول انه لولا دراستي بفرنسا واستفادتي من تعاملي مع ادارة المعهد ومع اساتذتي ما كنت لاكون كما انا ..دراستي علمتني ان اسال عن كل شيء واناقش كل شيء وابدي رايي في كل شيء واعتذر ان اخطات… تماما كما كان يعتذر استاذي ..دراستي علمتني ان الطالب الناجح او الاستاذ الناجح هو الذي وهبه الله نعمة القدرة على الاستماع الجيد وعلى الردود المقنعة لا السفسطائية… وعلى تجاوز الذات عند الخطأ والانحناء لمن يحسسني بعيوبي… ولكن ابدا ان اتراجع عن قناعاتي او قراراتي اذا كنت مؤمنا بجدواها وبعدم وجود من يؤكد نقصا ما فيها …متعة ان تجد استاذا ما (او استاذة) يدعوك لقهوة او لعشاء بمنزله ليعرفك اكثر او لتستمتع معه بحوار ما في موقف ما ..هذا حدث معي في دراستي بالمعهد ..وحتى ان تأتيك استاذتك لتعبّر لك عن رغبتها في معرفتك اكثر كتونسي او كافريقي وتتقاسم معها عشاء بمنزلها… وقد يطول العشاء ليصبح فطور صباح وما بينهما اشياء …فهذا حدث ايضا ..
ولعلّ الامر المدهش والذي رافقني منذ صغري وحتى وصولي الى دراستي العليا بفرنسا، اكتفائي الذي يكاد يكون كلّيا بما اتلقاه في القسم من معارف … مانيش بهيم قراية بالكل… بقية وقتي كان مقسما على ثلاثة اهتمامات: تنس الطاولة الذي تعلمته بالمعهد عن نيجيري جنّ ارقط في تلك اللعبة، والذي كنت اسمّيه المعلّم الكبير ووعدته يوما بان افتك منه هذا اللقب (وافتككته يوما في دور نهائي بالمعهد ومعه هو بالذات!)… ثاني اهتماماتي كان النزول الى باريس كل يوم بعد اتمام الدروس لمشاهدة فيلم سينمائي وكم هي الروائع التي شاهدتها …”سنوات الجمر” للأخضر حامينة (وهو الفيلم العربي الوحيد المتحصل على السعفة الذهبية لمهرجان كان) ….”طيران فوق عش الوقواق” (وعبقرية جاك نيكولسون في اداء دوره الرهيب) ..”بادرو بادروني” الفيلم الايطالي لمخرجين شقيقين وهو ايضا متحصل على نفس الجائزة الذهبية في دورة لاحقة …”خبز وشوكولاتة” … والقائمة طويلة… طبعا دون نسيان فترة وجيزة اكتشفت فيها لاول مرة الافلام البورنوغرافية …صدقا لم تطل لان الحاجة لها اصبحت منعدمة تماما باعتبار (الشيء موجود في الواقع)…ووقتها ادركت ان لا سينما عندنا في تونس مقارنة بما استمتع به يوميا في باريس …
الفاصل الثالث من يومي والذي كان بحق العابا اولمبية بكل المواصفات ..وهي في الحقيقة لم تكن العابا بقدر ما كانت نقاط ضوء هامة في تركيبتي الفكرية وفي علاقتي بالمرأة… تجربتي في باريس اكدت لي كم كنت منحطا متخلفا جهلوتا في رؤيتي للمراة ..تجربتي علمتني احترام هذا الكائن البشري فكريا وجسديا لاني قبلها كنت لا اختلف في شيء عن الحيوان فكريا وجسديا…
شكرا باريس عاصمة النور … نورتني والله …يااااااااااااه كم هي حكايااك كثيرة وجميلة ومثيرة يا باريس النور والحرية والثقافة … يا ربيييييييييييييييييييي كم انا مدين لها .. وكممممممممممممممممممم ما كنت انا لاكون لولاها …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.