تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 59

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

يعتقد العديدون انّ الحياة فُرص يجب على الواحد منّا ان ينقضّ عليها حتى لا تضيع منه … والانقضاض عندي اراه دوما فعلا وحشيا مهما غلا وعظم حجم تلك الفرص والتي يطلق عليها البعض صفات من نوع (فرصة ذهبية ..فرصة العمر ..فرصة لا تُعوّض).. الى غير ذلك من التوصيفات والتي هي في جُلّها مقترنة برؤية مادّية بحتة للحياة …

عبد الكريم قطاطة

لكأنّ سعادة الفرد مرتبطة اساسا بالثّراء المادّي ولا شيء سواه، حيث وبالتدرّج في تلك المنظومة يصبح الفرد عندي عبدا لثروته لا سيّدا لها او عليها… وانا رافض تماما ان اكون عبدا للمال بمفهوم الانقضاض وعدم تفويت الفرص والدخول في مسالكه بكل نهم، لاصبح من طابور ذلك الفيلق الذي يصبح عسّاسا على ثروته، يعيش دوما القلق من خسارة الدينار الواحد ..فالمليون الواحد … فالمليار الواحد … وهل من مزيد … عشت واعيش وساموت في ضيق مادّي ومن فصيلة (صبّوشي؟) …ولكن لن يجرؤ ايّ كان يوما على حصري في مثلّث الرعب البرمودي والمتمثّل في: (من اين لك هذا ؟؟؟) … وهذا فصيّل لو فًتح في تونس لاستوردنا من البلدان الصديقة والشقيقة عددا مهولا من القضاة في بدء العمليّة، وعددا اكبر من السجون في نهايتها …طبعا لو طُبّق القانون على جميع لصوص تونس قبل 14 جانفي وخاصة بعده…

لكن صدقا ما تحلموش ..ما سيقع لن يكون الا عمليات بهلوانية فيها تصفيات حسابات… بل حتى هذه لن تُجدي نفعا لأن قاعدة تعرّي نعرّي ستُلجم الجميع عن نبش الملفّات ..وسنعود الى السماء صافية والشمس ساطعة و في هذه الحالة والبوم يغرّد (على روسهم ان شاء الله)… هكذا كانت قناعاتي من المال وهكذا ساغادر يوما الحياة …

عندما عرض عليّ ذلك اليوم صاحب الشركة الخاصّة العمل معه وانا على ابواب العودة الى بلدي، كانت عيناه متسمّرتين على عينيّ وكانت عينا استاذتي الوسيطة في العرض على عكسه مسدلتين الى الارض وكأنها تريد ان تقول بتلك الحركة (خاطيني دبّر راسك انت تعرف اش يصلح بيك)… طبعا هي تعرفني ..تفهم من انا .. تُحسّ ربّما ما سيكون موقفي ..الم اقل لكم انّ علاقة الطالب باستاذه في المعهد تتجاوز تلك العلاقة الاكاديمية الكلاسيكية الجافّة؟ ..كنّا داخل الفصل وخارجه نتحاور في كلّ شيء …في المُباح وفي غير المُباح ونعيش معا ونسهر معا و … معا … معا وايضا في المُباح وغير المُباح لذلك كانت تتحاشى النّظر اليّ (عيني في عينك) لا خوفا من كشف المستور عن غير المباح… ولكن خوفا من الشعور بأنها ورّطتني في موقف قد تُلام عليه منّي وانا الذي تعوّدت بل تمرّست على الاجهار بمواقفي معها ومع غيرها دون وجل او احترام تقليدي لعلاقتي بها كاستاذة ..خاصّة وهي تعرفني من رأسي الى قدميّ …

انتهى صاحب الشركة من تقديم عرضه الذي هو بمثابة ثروة طائلة في تلك السنين ولم يطُل صمتي …ابتسمت وقلت بهدوء وصدق ووقار… سيّدي الكريم … بقدر ما اُثمّن عرضكم وثقتكم في شخصي والذي يُقاس عند آخرين بميزان الكنز، بقدر ما عليك ان تعرف انّ هناك في بلدي كنوزا لا تُقدّر بكُل كنوز الدنيا …لذلك اعتذر جدّا واشكر لك مرّة اخرى هذه الحركة …اندهش صاحب العرض وقال: هل ترى انّ العرض غير مناسب في حجمه المادّي ..؟؟ الا يمكن ان نتحاور ؟؟… وقتها تدخّلت استاذتي بعين لامعة سعادة وفخرا وقالت ساختصر لك الامر ..كريم هو طالبي نعم ولكنّه صديقي ايضا ..كريم من قماش آخر .. كريم مجنون وهو رائع لأنه مجنون … اذهب في سبيل حالك لن ينفعك الجدال معه …

استاذن صاحبنا ليغادر والف سؤال يلفّ رقبته لعلّ ابرزها ..كيف يُفكّر هذا الكريم المجنون ..؟؟؟ … الاثرياء عموما يندهشون وهم يعرضون عليك الدّخول معهم في ايّ مشروع وانت تعتذر بكلّ ادب ..هم ربّما يذهبون الى حدّ تصوّر رفضك لهم قلّة ادب …لأنهم يعتبرون عروضهم “مزيّة عليك” فكيف ترفض جميلهم؟ …هم ومن خلال ثروتهم يرون الآخرين عبيدا لمقترحاتهم المُغرية .وعليك ان تُهلّل وتُكبّر وتبوس اليد التي امتدّت اليك اي اياديهم ..في حين انّي اجد احيانا نفسي قريبا جدّا (لو تخلّيت عن جُبة الاحترام الذي تربيّت عليه) قريبا جدا من ان اوافيهم بافضل ردّ فعل على مقترحات البعض منهم… وهو ان اتبوّ… على اياديهم نظرا إلى ما في تلك العروض من قذارة وحقارة … هم يعتبرون انفسهم في سوق نخاسة وباستطاعتهم ان يشتروك مهما غلا ثمنك ..ولم ينتظروا يوما ان يأتي الواحد منّا ليقول لهم طززززززززز فيك وفي فلوسك انا لا اُشترى .. وللامانة هم معذورون نسبيا في ذلك لأنّهم ومن خلال حقل تجاربهم اكتشفوا انّ العديدين منّا ونظرا لخسّة انفسهم وذُلّهم …يصُحّ فيهم ما قاله المتنبّي في بيت من اقذع بيوت الهجاء في الشعر العربي وهو يشتم كافور (واذنه بيد النخّاس دامية .. وقدره وهو بالفلسيْن مردود)…

ماكاد الرجل يغادر المقهى حتى تركت استاذتي العنان لاناملها تداعب بعض الشّعيرات التي تدلّت على جبيني وتهمس: “هيّا قل كريم ما لم تقله لذلك السيّد… كنت واثقة من رفضك ولكن اريد ان تحكي المزيد …انا اعرفك واعرف من تكون ..فقط اريد ان اسمعك اذا لا ترى ازعاجا في ذلك” …قبّلت يدها بكل حنّية وقلت …اعتذر ولكن هذه القبلة ليست لك ..انّها لعيّادة … وجمت لا كأنثى تغار من انثى اخرى …بل كالاطرش في الزفّة الذي لم يفهم شيئا وسالت: “عيّادة هذه خطيبتك في تونس؟”.. قلت لها … خطيبتي هي ايضا عيّادة .. ايضا ؟؟؟ .اذن من هي عيادة الاخرى ..؟؟ هيّا احكي لي عن هذه المحظوظة جدا بك …وهنا وضعت اصابعي على فمها وقلت لها اصمتي ارجوك …عليك ان تفهمي انّ الحظّ ليس دائما كما يتوهّمه الواحد منّا ..انا هو المحظوظ بعيّادة وليست هي ..انّها والدتي …

في هذه الحالة بالذات يصعُب على الاوروبي ان يُحسّ بمعنى ما اقول ..فالحب والاهتمام عنده مكفول امّأ للزوجة او الحبيبة او العشيقة ..امّا ان يصُبّ في مدار الأم فتلك من العجائب عنده… وهذا يعود بالاساس الى انهيار مفهوم الاسرة اذ كيف لرجل في مقتبل العمر مثلي ان يتحدث بهذا الشغف الهستيري عن حبّه وتعلّقه بوالدته … خاصّة انّ اوديبهم حاضر في تفسير تلك العلاقة … قلت لها وانا المح رعب الدهشة في عينيها: “يا سيدة ماري في بلدي معايير العشق عندنا تختلف جذريّا عنكم ..انا اعشق جدا حومتي لحد الهوس ..حومتي على تواضعها (ساقية الدائر ) والتي كم عاثت فيها الفيضانات كلّما نزلت بها امطار قليلة …حومتي التي لا تجد بها قاعة سينما فتُعرض افلام كتابة الدولة للاعلام والثقافة على جدران معاصر زيتونها … حومتي التي لا توجد في كل قاعات السينما بباريس من الحي اللاتيني الى الشانزيليزيه افلاما امتع من افلام حياتها اليومية البسيطة الرائعة …من ذلك الدلاّل الذي ينبري يوميا وهو في الثمانين من عمره يشتغل بالمناداة على منتجات الفصول من الدلاع الى كبش العيد دون كلل او ملل… ودون ان يُغلق طريقا او يّعطّل حركة لود لمجرد أن ولده امسكه البوليس متلبّسا بسرقة ما ..

الى ذلك الفطايري الذي لا يقلّ تقدما في السنّ عن الدلاّل، وهو لا يفتأ يطلب من ابنه ان لا يتوقف عن مد النار بمزيد من الحطب بقولته الشهيرة (احمش احمش) ثم وبكُمّ يده يمسح عرق جبينه … الى ذلك التاجر الذي يبيع الحليب وهو حافي القدمين بعد ان كان قد ملأ قارورة حريف آخر بالڨاز…ولكم ان تتصوروا ذلك الخليط الكيميائي بين الحليب والنفط…الى ذلك الحمّاص (سي مبروك) وهو يقلي يوميا حميصاتو وڨليباتو السوداء بعيدا عن التبعية العثمانية في قلوب بيضاء (هاكة اش ناقصنا في تونس كلّو تمام اشنوّة المانع انّو نستوردو من عند سي اردوغان شويّة قلوب فيها الخير والبركة من عند الخليفة السادس ..الله لا تحرمنا من بركاتو ويحرم ازلامو من كل خير وبركة) … يا سيدة ماري انا في بلدكم لا آكل… انا اقتات …ماذا يُساوي طبقكم الاشهر امام (مريقة بالخبز الشعير وصبارص الزروب زادة وعزيّز الشيتة “حوّات حومتي” يتغنّى به وكأنّ طارة الحوت، الوعاء الخشبي لوضع السمك، تتحوّل الى عشيقة فكيف يبيع دون ان يغنّي لعشيقته ..يدلّلها يغازلها…او الزروب الغربي ..يرتع في الحماضة؟.. ماذا سيكون موقف ايديت بياف او شارل ازنفور وهما يستمعان الى تلك المعزوفة …

هذا عن حومتي امّا عن مدينتي فكيف يمكن لي ان اعيش دون ان اتجوّل في ازقتها الضيّقة ..هل سمعت يا ماري يوما بزنقة اسمها زنقة عنّقني؟… في لعبة البازڨة هنالك قاعدة تقول (ع الكلمة تروح) اي ايّة كلمة تصدر منك في اللعبة تلزمك تماما ولا مجال للتراجع عنها …وماري وهي تستمع الى كلمة عنّقني اشتغلت بتلك القاعدة …عانقتني وقالت اتمم ارجوك …حدثتها عن صفاقس ومدينتها العتيقة (اللي كبّ ربّي سعدها في السنوات الاخيرة واصبحت مرتعا للمجرمين والسكارى وملاذا للمزطّلة والباندية) … حدثتها عن المنازل انذاك وعن هرع العائلات الموسرة اليها شتاء… والتي تحوّلت الان في جلّها الى مصانع للاحذية تفوح منها رائحة الفئران وهي تتسلل ليلا لتعيش زطلتها برائحة الكولّة …حدثتها عن باب الجبلي ومحطّة الحافلات حيث يلتقي سكّان كل مدينة صفاقس من سيدي منصور الى خنافس وعقارب (المطار حاليا) في تلك المحطّة ذهابا وايابا ..حدثتها عن صفاقس على عجلتين وهي انذاك المدينة الثانية عالميا في استعمال الدراجة الهوائية بعد امستردام والتي تأخرت بعدها بسنوات قليلة الى المرتبة الثالثة بعد ان ازاحت شنغاي الصينية الجميع واحتلّت المكانة الاولى …وهذا امر طبيعي اذ كيف لا تتأخر صفاقس مدينة الخبز ومرقة والموبيلات الزرقة وعن عن عن، الى الوراء وهي التي كتب لها كارهوها ان تتأخر في كل شيء الاّ في العلم والعمل… وصدقا هناك من يموت يغيظه وقهرته من كارهيها لهذا التفوق التاريخي …

لن نقول لهم موتوا يغيظكم كما قالها ذلك المعتوه (غنيم) بل نقول لهم قلّدونا في العلم والعمل من اجل انقاذ تونس من براثن غنيم ومن لفّ لفّه _..حدثتها عن السي اس اس وعن عشقي المجنون لهذا الفريق وقلت لها في سخرية ماذا يساوي بلاتيني متاعكم امام العقربي ..حدثتها عن تونس بلدي الذي رغم كل مشاكله السياسية انذاك وعن نقص الديمقراطية والحريات فيها، هي من اجمل بلدان الدنيا بسيدي بوسعيدها … بحنايا زغوانها …بقربصها الدافئة …بشط جريدها … بسواعد ابنائها في المناجم … وبدماثة وذكاء ابنائها في ڨبلّي ودوز الشرقي ودوز الغربي… بحنّاء ڨابسها …بسحر جربتها … باصالة قيروانها …بالنخيل الشامخ في توزرها … بساحلها المتعدد الالوان… ببنزرتها مدينتها المناضلة … بشمالها وجنوبها … ببحارها وجبالها ..يزياتينها المباركة هنا وهناك …بكلّ شبر من ترابها …يعبق تاريخ مجيد وعامر بالحضارات … فكيف لي ان ابيع هذا الجمال بفرنكاتكم …؟؟؟ كيف لي ان انسى خطيبة لم تعرف في الدنيا سواي وانا العبيط الذي زرع هنا وهنالك وانت ادرى الناس يا ماري وحتى خطيبتي تدري…

هكذا انا لم اخف عنها شيئا …كيف لي ان انسى عيّادة امّي التي بقيت ثلاث سنوات ترسل الآهة تلو الاخرى كلّما استمعت الى الجموسي في (تمشي بالسلامة وترجع بالسلامة( وتردد معه (الله يكون معاك .. يصونك ويرعاك ..تمشي تمشي تمشي …وترجع بالسلامة)… او وهي تسمع وردة في (يا مروّح لبلاد سلملي عليهم .. قتلني البعاد متوحش ليهم( .. ولكن خاصّة لنورا الجزائرية وهي تنعى المهاجر في اغنيتها ..(يا ربّي سيدي اش عملت انا ووليدي … ربيتو بيدي وخذاتو بنت الرومية( … تحكي عنكنّ يا ماري…. عيّادة كانت على امتداد وجودي في فرنسا لم تستطع يوما نسيان ما قاله لها احد الاقرباء رحمه الله وغفر له فعلته (امسح مات ..عبدالكريم اعتبروا اوفا … هاكة توة ياخذلك ڨاورية وما يرجعلكش … تذكرون جيّدا اني طمانتها وهي تروي لي الوشاية ..الا انّ داخلها كأم كان يقول لها ويردّد: (وقتاش يجي نهار وما تتشمتش فيك الاعداء يا عيادة ويرفعلك ولدك راسك في العلالي ؟؟؟) … هل فهمت ماري لماذا رفضت عرض صاحب الشركة ..؟؟ هل فهمت حجم وقيمة الكنوز التي في بلادي ..في مدينتي… في حومتي… في عائلتي …؟؟

وقتها فقط استدرت لأرى عينيها اللامعتين دمعا ..ووقتها فقط ايضا نهضت ماري واستاذنت في المغادرة وهي تقول …كم انا فخورة بك كريم كطالب درس عندي وكصديق عرفته عن قرب ..انا آسفة للمغادرة ولكن لم اعد استطع البقاء لحظة اخرى لأني لا استحقّك …غادرت ماري وكان آخر عهدي بالمعهد وباحدى مكوّناته …ودعوني اصارحكم ببعض احلامي التي لم تتحقق …انا احلم بالعودة يوما ما الى باريس … باريس التي لها فضل عليّ لا يمكن لي ان اقدّره ايضا بثمن …كما اشتهي ان اعود ايضا لشوارعها لأزقّتها لساحاتها للمعهد الذي درست فيه للمبيتات الاربعة التي سكنت فيها …باريس هي مدينتي الثانية بعد صفاقس التي احسّ تجاهها بفيض لا يوصف من الشوق الى كل شبر فيها ..

انا من جيل النوستالجيا ..وافتخر ..انا غير قادر على نسيان تلك الشؤون الصغيرة ما عشت ..تلك التي اما اسعدتني او ارهقتني او عذبتني او شيّختني ..فبها وحدها اظنّ انّي تعلمت بعض الاشياء في الحياة … لعلّني منها تعلّمت الانتباه للتفاصيل الصغيرة عند الآخر… لأنّة البعض حتى وان لم تخرج .. لفرحة البعض حتى وان لم تبزغ …لحبّ البعض (وهنا للامانة العديد) حتى وهو مُحاصر ولاسباب متعددة المشارب ..من هذه التفاصيل الصغيرة تعلّمت ان اُمشي دوما في دروب الحب واروع حب هو من يتمشّى فوق حدود السماء …و كذلك ان ازرع بذور الحب … لنكون كعبّاد الشمس نتطلّع دوما الى نور الشمس لا الى ديجور الظلام …بكلّ حب زهرة عبّاد الشمس احبّكم …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 113

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد الكريم قطاطة:

من طباعي منذ كنت شابا انّ الله وهبني نعمة الصبر على كل شيء… وكان العديد من اصدقائي يغبطونني على (دمي البارد)… وعندما هرعت الى الله تعمّقت في داخلي القدرة على تحمّل كلّ المشاكل ومخلّفاتها… قد اكون واحدا من سلالة ايّوب، ولكن… واذا فاض كأس الصبر كما غنّى شكري بوزيان… واذا علا صوت ام كلثوم بـ (ما تصبرنيش ما خلاص انا فاض بيّ وملّيت)… وتختمها بـ(للصبر حدود يا حبيبي)… اردّ كأيّ بشر الفعل، لكنني كنت آخذ قراراتي ودائما باعصاب هادئة في ردّ الفعل…

عبد الكريم قطاطة

عندما اسرّت لي زميلتاي باذاعة الشباب بالحوار الذي دار بينهما وبين مديري سي عبدالقادر الله يرحمو… وفهمت انّ حدسي كان في محلّه بالشكّ في نواياه بعد الجلسة الصلحية مع زميلي الصادق بوعبان… تكسّر كأس الصبر… والكأس اذا تكسّر يستحيل لمّ شتاته…. ايقنت ان لا فائدة تُرجى من ايّ صلح بل وقررت ان تكون الحرب معه… اكاهو… وعليّ ان استعدّ لاوزارها… وليضحك كثيرا من يضحك اخيرا… انتهت السهرة الخاصة بتكريمي مع زميلتيّ وكانتا سعيدتين بها شكلا ومضمونا وعدت الى بيتي لاخطّط لحرب فعلية مع مديري…

وفي الصباح الباكر ذهبت لمكتبه… سلّمت عليه وسألته هل استمع الى حصّة التكريم البارحة… اجابني بالايجاب بل وشكرني على كلّ ما قلته في تلك السهرة… سالته باستعباط هل صدر منّي كلام او تعليق في غير محلّه لايّ كان؟.. اجابني: (ابدا ابدا، يخخي انت جديد عليّ نعرفك معلّم) … كنت جالسا فنهضت واقفا امامه واضعا كفّي يديّ على طاولة مكتبه وكأنّي تحوّلت من لاعب وسط ميدان الى مهاجم صريح وقلت له: (انا طول عمري كنت راجل معاك رغم كل الاختلافات والخلافات… ولم اقل في ظهرك كلمة سوء لكن وللاسف الذي حدث امس بينك وبين زميلتيّ في اذاعة الشباب ونُصحك اياهما بتغييري كضيف لهما اكّد بالدليل القاطع انّو بقدر ما انا كنت راجل معاك انت ما كنتش…..)

نعم هي كلمة وقحة ولكنّي قلتها لانّو فاض كاس الصبر… اندهش مديري منّي وانا اتلفّظ لاوّل مرّة بكلمة لا تليق به وقال لي: انت غلطت في حقّي راك.. قلت له: اعرف ذلك وانا جئت اليوم لاثبت لك اني ساعلن الحرب عليك ..ودون هوادة .. وصحّة ليك كان ربحتها وخرجتني قبل التقاعد مثلما قلت ذلك مرات عديدة، اما صحّة ليّ انا زادة كان خرجتك قبل التقاعد… وباش تعرف رجوليتي معاك ثمشي واحد يعلن الحرب على الاخر ويجي ويعلمو بيها ..؟؟ اذن اعتبرني من اليوم عدوّا لك ولكن ثق انّ الحرب بقدر ما ستكون شرسة بقدر ما ستكون من جانبي شريفة بمعنى ـ وربّي شاهد عليّ ـ لن الفّق لك ايّة تهمة لكن سافضح كلّ اعمالك)…

ولم انتظر اجابة منه… غادرت مكتبه وعزمت على التنفيذ… اتّصلت بالعديد من الزملاء الذين تضرروا من تصرفات مديري وسالتهم هل هم مستعدون للادلاء بشهادتهم كتابيا؟؟.. ولبّى العديد منهم طلبي… دون نسياني كتابة تقرير ل بكلّ ما حدث منذ قدومه على رأس اذاعة صفاقس… وللشفافية، كان هنالك ايضا تقرير على غاية من الاهمية وفي ثلاث ورقات كتبته احدى سكريتيراته وبتفاصيل مرعبة بعد ان ذاقت منه الويل… واعتقد انّ ذلك التقرير لعب دورا هاما في قرار اصحاب القرار…

اذن اصبح عندي ملفّ جاهز يحتوي على 30 ورقة ولم افكّر بتاتا في ارساله لا الى رئيس المؤسسة ولا الى ايّ كان… كان هدفي ان ارسله رأسا الى رئيس الدولة دون المرور عبر الرجل النافذ في الاعلام انذاك السيّد عبدالوهاب عبدالله الذي اعلم انه يكنّ لمديري ودّا خاصّا… وهذا يعني اذا يطيح بيه يبعثو لمؤانسة اهل الكهف (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)… وكم هو عدد الكلاب في حاشية الحكّام… لكن كيف يمكن لي ارسال الملفّ على الفاكس الشخصي للرئيس بن علي؟ ووجدت الحلّ (عليّ وعلى هاكة الناقوبة)… الناقوبة هي كنية لزميل يعمل في الصحافة المكتوبة وماشاء الله عليه في اجندا العلاقات… نعم مع الولاة مع الوزراء مع عدد لا يُحصى… تذكّرت وانا ابحث عمن يوصلني الى الفاكس الشخصي لرئيس الدولة…

تذكرت ذلك الناقوبة وتذكرت خاصة يوم زفافه… كنت يومها ممن حضروا حفل زفافه، خاصة انّ علاقتي به كانت من نوع علاقة الاستاذ بتلميذه… اذ هو ومنذ كان طالبا كان من مستمعيّ وعندما بدأ يخربش اولى محاولاته في الكتابة الصحفية مددت له يدي وشجعته … ولكن في اجندا العلاقات تفوّق الناقوبة التلميذ على استاذه… وللامانة حمدت الله على انّ اجندة العلاقات في حياتي سواء العامة او المهنية خلت من مثل اولئك الكبارات، هكذا يسمّونهم… ولكن وحسب ما عشته، قليل منهم من يستحق لقب الكبير…

يوم زفاف ذلك الناقوبة اشار اليّ من بعيد وهو بجانب عروسه كي اتوجّه اليه… توجهت لمنصة العروسين واقتربت منه فهمس في اذني (ماشي نوريك ورقة اقراها ورجعهالي) .. ومدّ اليّ تلغراف تهنئة لزفافه وبامضاء من؟… بامضاء زين العابدين بن علي… رئيس الجمهورية… الم اقل لكم انه باش ناقوبة ..؟؟ اذن عليّ به ليصل الملفّ الى الفاكس الشخصي للرئيس بن علي… بسطت له الفكرة وبكلّ برودة دم ووثوق اجابني: هات الملفّ وغدوة يوصل للرئيس وفي فاكسه الشخصي…

كان ذلك وسط شهر جوان ..ولم يمض يومان حتى هاتفني المرحوم كمال عمران المدير العام للقنوات الاذاعية ليقول لي: (يا سي عبدالكريم الملفّ الذي ارسلته للرئيس بن علي احاله لي شخصيا وكلفني بالقيام بابحاث مدققة مع جميع الاطراف وانت واحد منهم… ما يعزش بيك هذا امر رئاسي وعليّ تنفيذه)… اجبت على الفور: (وعلاش يعزّ بيّ؟.. ونزيد نقلك اكثر ما نسامحكش قدام ربّي اذا تقول فيّ كلمة سمحة ما نستاهلهاش)… وانتهت المكالمة وقام السيد كمال عمران رحمه الله بدوره كما ينبغي مع الجميع وللامانة ليست لي ايّة فكرة عن تقرير السيّد كمال عمران الذي ارسله للرئيس بن علي…

وما ان حلّ الاسبوع الاوّل من شهر جويلية حتى صدر القرار…ق رار رئيس الدولة باقالة السيّد عبدالقادر عقير من مهامه على راس اذاعة صفاقس وتعيين السيد رمضان العليمي خلفا له… يوم صدور القرار ذهبت الى مكتب سي عبدالقادر واقسم بالله دون شعور واحد بالمائة من خبث الشماتة… استقبلتني سكرتيرته زميلتي فاطمة العلوي ورجوتها ان تعلن للسيد عبدالقادر عن قدومي لمقابلته… خرج اليّ مديري الى مكتب السكرتيرة… سلّم عليّ ولم اتركه للضياع وقلت له : (انا ما اتيتك شامتا ولكن اتيتك لاقول لك انّ قرار اقالتك انا عملت عليه وانا الذي ارسلت الى الرئيس ملفا كاملا حول تصرفاتك ويشهد الله اني لم افترِ عليك بتاتا… الآن جئت لاودّعك ولأتمنى لك الصحة ولاقول لك انا مسامحك دنيا وآخرة…

عانقني سي عبدالقادر والدموع في عينيه وقال لي: (انت هو الراجل وانا هو اللي ما كنتش راجل معاك وربي يهلك اصحاب الشرّ)… غادرت المكان وتلك كانت الحلقة الاخيرة مع السيد عبدالقادر عقير رحمه الله وغفر له… سامح الله ايضا الشلّة التي عبثت بالمدير وبمصلحة اذاعة صفاقس وبالعديد من الزملاء… وهذه الفئة ذكرها الله في القرآن بقوله عنها (الملأ) ووُجدت في كل الانظمة عبر التاريخ وستوجد حتى يوم البعث… انها شلّة الهمّازين واللمازين والحاقدين والاشرار وخاصة ذوي القدرات المحدودة فيعوّضون عن ضعفهم وسذاجة تفكيرهم بنصب الفخاخ للاخرين وبكلّ انواع الفخاخ…

انهم احفاد قابيل…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 112

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في علاقتي بالاشخاص عموما كنت ومازلت اعطي اهمّية قصوى لنظرة العيون… لا ادّعي فراسة كبيرة في ذلك لكن ربما هو بعض مما جاء في اغنية الكبير محمد عبدالوهاب (حكيم عيون افهم في العين وافهم كمان في رموش العين)… طبعا مع بعض الاحتراز على كلمة حكيم…

عبد الكريم قطاطة

فقط نظرة العيون في مراحل عديدة من حياتي وفي علاقاتي كانت النافذة الاولى للتعرّف احساسا على ما تحمله تلك العيون من صدق او نفاق او من مواقف باهتة لا روح فيها… يوم التقيت مع زميلي وصديقي الصادق بوعبان ونظرت الى عينيه احسست بامرين… الاول انّ الصادق كان صادقا في إقدامه على محاولة الصلح بيني وبين مديري… والامر الثاني وهذا ما حدث بعد ذلك في اللقاء، انه اراد ان يكون محتوى لقائنا بعيدا عن التصعيد منّا نحن الاثنين… وقبل ان نجتمع رجاني (بالكشخي) قائلا: خويا عبدالكريم رجاء ما تصعّدش، وساقول نفس الشيء لسي عبدالقادر … اجبته: داكوردو اما بشرط انّو سي عبدالقادر يتحدّث عنّي باحترام ولا يفتري عليّ… طمأنني سي الصادق وذهب لمقابلة مديري في مكتبه قبل اللقاء الثلاثي…

بعد ربع ساعة تقريبا هاتفتني كاتبته في تلك الفترة (الزميلة فاطمة العلوي) بالقول: سي عبدالقادر يحبّ عليك في بيروه… فاطمة هي السكرتيرة الرابعة للمدير بعد ان قام بطرد ثلاث قبلها… وميزة فاطمة انها كانت تعمل مع رئيسها بكلّ انضباط واخلاص… وانا احترم هذه النوعية من السكرتيرات، وللامانة كذلك كانت سكرتيرتي وزميلتي سامية عروس بمصلحة البرمجة وزميلتي وسكرتيرتي نعيمة المخلوفي رحمها الله بمصلحة الانتاج التلفزي، كانتا في منتهى الوفاء والاخلاص لي رغم كلّ الاغراءات التي سلّطت عليهما ليكونا (صبابّة) لاعوان المدير …

دخلت مكتب المدير، صافحته بادب واحترام وبدا زميلي الصادق بخطابه متوجها لنا الاثنين… خطابه كان منذ البداية واضح المعالم ومبنيّا على عنصرين مفصليّين اولهما الاشادة بمحاسن كل واحد فينا وحاجة اذاعة صفاقس لكلينا… والعنصر الثاني تحاشي الجدال في كلّ ما وقع بيننا اذ لا طائل من ورائه… وكانت اخر كلماته وهو يتوجه لنا هل انتما مستعدان لطيّ ملفّ الماضي وفتح صفحة جديدة من اجل مصلحة الاذاعة لا غير؟.. وطلب مباشرة موقف مديري من رجائه كوسيط بيننا… سي عبدالقادر ودون تردّد كانت اجابته كالتالي: والقرآن الشريف ومنذ هذه اللحظة انا طويت صفحة الماضي وفتحت صفحة جديدة مع سي عبدالكريم… استبشر خويا الصادق بهذا الامر وقال لي: اشنوة رايك خويا عبدالكريم؟ صمتُّ للحظات وقلت: ارجو ذلك ان شاء الله…

لماذا كان ردّي مختصرا للغاية وفيه نوعا ما من الشكّ في ما قاله مديري ؟ اجيبكم… هل تتذكّرون ما قلته لكم في بداية الورقة حول نظرة العيون ؟؟ نعم كنت طوال الجلسة الثلاثية انظر واتفحّص جدا عينيْ مديري… نعم انّ بعض الظنّ اثم … ولكنّ نظراته لم تكن مُريحة وهو اقلّ ما يُقال عنها… تصافحنا جميعا وتمنّى لنا زميلي الصادق بوعبان تكليل محاولته الصلحية بالنجاح… وغادرت معه مكتب المدير وما ان ابتعدنا عن مكتبه حتى قال لي الصادق: علاش نحسّ بيك شاكك في نوايا سي عبدالقادر ؟ قلت له حدسي لم يرتح له وارجو ان يكون حدسي كاذبا…

ودّعت الصادق وذهبت الى مكتبي بوحدة الانتاج التلفزي… لم البث اكثر من ربع ساعة حتى اعلمتني سكرتيرتي نعيمة رحمها الله انّ منشطتين من اذاعة الشباب جاءتا لمقابلتي… استقبلتهما بكلّ حفاوة ويا للمفاجأة… اتضح أنهما مستمعتان ومراسلتان لعبدالكريم في برامجه منذ اكثر من 15 سنة… واليوم اصبحتا زميلتين في اذاعة الشباب… عبرت لهما عن سعادتي وفخري بهما وطفقتا تطنبان في فضلي عليهما حتى في اختيارهما لمعهد الصحافة وعلوم الاخبار بعد الباكالوريا تاثّرا بي وبرسالتي الاعلامية… وبلّغتاني تحيات بعض اساتذتهما لي وتقديرهم لمسيرتي المهنية (عبدالقادر رحيم، منصف العياري ، رشيد القرقوري، الصادق الحمامي…) وبعد يجي واحد مڨربع مللي قال فيهم المتنبي وهو يهجو ذلك الكافور المخصي (وقدره وهو بالفلسين مردود) ويقلك اشكونو هو عبدالكريم واش يحسايب روحو ؟؟ اي نعم هذا ما تبوّع به البعض عنّي… واقسم بالله اقول مثل هذا الكلام واخجل منكم جميعا لانّي لا احبّ والله ايضا لا يحبّ كلّ مختال فخور…

انا لم ادّع يوما انّي فارس زمانه الذي لا يُشقّ له غبار… لكن على الاقلّ اجتهدت وعملت ليلا نهارا وتعبت وكان ذلك في فترات طويلة على حساب زوجتي وعائلتي وارجو منهما ان يغفرا لي… وما قمت به في اذاعة صفاقس كان واجبي ولا انتظر عليه لا جزاء ولا شكورا… اما توجع وقت تجيك من انسان مديتلو اليد واحطت بيه ووقفت معاه وعلى مستويات عديدة وهو اصلا لم يصل الى مرتبة خُمُس منشط او هي لم تصل ثُمُن منشّطة، ويتجرّا يقول تي اشكونو هو عبدالكريم واعيد القول انا اوثّق للتاريخ لكن انا مسامحهم دنيا واخرة …

اعود للزميلتين من اذاعة الشباب طلبتُ منهما كيف استطيع خدمتكما في ما جئتما من اجله… ابتسمتا وقالتا جئنا من اجلك يا استاذنا… ولغة اعيُنهما كشفت لي عن حديث او احاديث لهما رايتها بقلبي قادمة في الطريق… ولم تخذلني مرة اخرى لغة العيون اذ عبّرتا عن سعادتهما بانّ ادارة اذاعة الشباب وافقت على سهرة خاصة من استوديوهات اذاعة صفاقس يقع فيها تكريم الاعلامي عبدالكريم قطاطة وموعد السهرة هو الليلة من العاشرة ليلا الى منتصف الليل… شكرت لهما حركتهما النبيلة معبّرا عن سعادتي وشرفي بنزولي ضيفا على مستمعتيّ… زميلتاي شكرتاني على كلّ شيء واستأذنتا الذهاب لمديري لشكره على منحهما استوديو وفنّيا لاتمام المهمة وودّعتاني على امل اللقاء في الموعد في الاستوديو… اي العاشرة ليلا لذلك اليوم …

الساعة انذاك كانت تشير الى منتصف النهار… كدت اغادر المكتب للعودة الى منزلي (واللي فيه طبّة عمرها ما تتخبّى، وين المشكل مادامني معروف عند مديري بعدم الانضباط في القدوم الى الاذاعة و في مغادرتها ؟؟ خاصة ونحن اليوم ومنذ سويعة ونصف بدأنا صفحة جديدة في علاقتنا… وبالقرآن الشريف زادة… لكن كان هنالك حبل سرّي خفيّ شدّني الى مقعدي في مكتبي… احسست بنوع من الانقباض لم ادر مأتاه… استعذت من الشيطان دون ان اغادر مكتبي… وماهي الا عشر دقائق حتى عادتا اليّ زميلتا اذاعة الشباب وعيونهما توحيان بامر ما قد حدث… كانتا واجمتين وصمتهما كان ثقيلا ايضا ولكنّه كان يحمل اشياء وسترون كم هي ثقيلة ايضا…

تقدّمت احداهما وهي ماسكة شجاعتها بيديها كما يقول المثل الفرنسي وسالتني… يخخي ما زلت متعارك مع سي عبدالقادر عقير مديرك ؟؟ قلت بهدوء وبكثير من الرصانة: لا في بالي توضحت الامور منذ هذا الصباح وطوينا صفحة الماضي ..وسالتهما: يخخي صارت حاجة بينكم وبينو توة وقت شفتوه ؟؟ نتبادلتا النظر وكأنّ كلّ واحدة تقول للاخرى (ايّا قللو اشنوة اللي وقع.. تي اتكلّم يا سخطة انا والله لتو لفهمت شيء)…تكلمت احداهما وقالت (شوف يا سي عبدالكريم انت عزيز علينا ومكانتك ما ياخذهاش لا سي عبدالقادر ولا غيرو… احنا طول عمرنا يستحيل ننساو فضلك علينا ولهذا نحكيلك شنوة اللي وقع بالضبط مع سي عبدالقادر… هو استقبلنا بكل حفاوة وترحاب وعندما اعلمناه بما نحن عازمتان عليه لتكريمك تغيّرت ملامح وجهه وسالنا يخخي لازم ضيفكم يكون سي عبدالكريم ؟ انا مستعد نوفرلكم اي منشط او منشطة عوضا عنه وانا راهو نحكي في مصلحتكم ومصلحة برنامجكم… انتوما تعرفو سي عبدالكريم من عيوبو انو سليط اللسان واشكون يعرف يقولشي حاجة او بوحاجة.. ويخليكم في ورطة… انا نعاود نقوللكم راني حريص انو برنامجكم يتعدّى من غير مشاكل…. فردّت عليه احداهما: احنا راهو جايين خصوصي لبرنامج الهدف منو تكريم استاذنا الاعلامي الكبير سي عبدالكريم اللي علّمنا فيما علّمنا تحمّل مسؤولية افعالنا وقراراتنا…

انذاك وحسب ما اضافته الزميلتان احسّ السيّد عبدالقادر عقير بخطورة ما قاله وكاّنه يقول اش عملت اش عملت… وفي رواية اخرى جمرة وطاحت في الماء، ولسان حاله يتساءل زعمة جيت نطبّها عميتها؟؟… ورجانا (تواصل الزميلة الشابة) ان لا نذكر لك ما حدث… تذكرتوها هاكي الخاتمة متاعو في لقائنا الصباحي وفي نفس يوم قدوم زميلتيّ من اذاعة الشباب مع الزميل الصادق بوعبان (والقرآن الشريف صفحة جديدة بداية من اليوم مع سي عبدالكريم)؟؟؟… ربي يسامحك ويغفرلك خويا عبدالقادر …

ومع مطلع جانفي 2025 اي غدا* ستكون الحلقة الاخيرة في الورقة 113 من حكاياتي مع مديري سي عبدالقادر . رحمه الله وغفر له كلّ شيء… و كتهنئة بحلول سنة 2025 ادعو للجميع بهذه الدعوة (الامن والامان لتونس العزيزة لفلسطين المحتلة وهي في قلب محنتها مع اعدائها من الداخل والخارج … لكلّ الشعوب الشقيقة والصديقة ولكلّ انسان لم يمُت في داخله الانسان ..الله لا يحرمكم من السلام الروحي في هذه السنة الجديدة… صدقوني انها من اعظم نعم الله)…

ـ يتبع ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*المقال منشور لأول مرة في 31 ديسمبر 2024

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 111

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في مارس 2003 وكما ذكرت في الورقات السابقة انغمست انغماسا كلّيا في التعرّف على ديني… وبعد اشهر فهمت قول خالقي (وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُون)…

عبد الكريم قطاطة

نعم فهمت انّ خالقي اراد ان يعوّضني في تلك الفترة عن ما عشته من تجاذبات ومشاكل لا حصر لها مع مديري انذاك سامحه الله وغفر له… ورغم انّي غادرت مصلحة البرمجة كرئيس لها وغادرت قبلها المصدح رغم عشقي الكبير له ووقعت تسميتي على رأس مصلحة الانتاج التلفزي، لكنّ كلّ ذلك حزّ في نفسي وبكلّ ألم… الاذاعة والمصدح كانا بالنسبة لي عشقا لا يوصف… لكنّ الله اجابني وانا اطّلع على قرآنه العظيم بالقول (وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم) اذ انّ نقلتي مكنتني اوّلا من الاقتراب من خالقي ومكنتني كما ذكرت من سلام روحيّ داخلي عوّض عليّ كلّ ما اعتبرته خسارات…

وبقيت منذ مارس 2003 حتى يوم 23 اكتوبر من نفس السنة في قطيعة تكاد تكون كلّيا مع مديري… هو على حالو وانا على حالي لا واحد يجي على ساحة لوخر… يوم 23 اكتوبر 2003 مدّتني سكرتيرتي بظرف يحمل شيئا من مديري… فتحته فوجدت فيه السيد عبدالقادر عقير يستجوبني عن الاسباب التي جعلت من وحدة الانتاج التلفزي لا تنتج… في البداية اعتبرت انّ تساؤله مشروع جدا واجبت مفسّرا ذلك يثلاثة اسباب… السبب الاول انّ الوحدة لا تملك ضمن العاملين بها فريق اخراج اي على الاقلّ مخرجا وكاتبة مخرج… والانتاج طبعا يتطلب حتمية وجود هذين الاختصاصين… السبب الثاني انّ وحدة الانتاح غير مدرجة ماليا في ميزانية اذاعة صفاقس فكيف يمكن لها ان تؤمّن حتى الحدّ الادنى من نفقات الانتاج؟… والسبب الثالث انّي توجهت الى رئاسة المؤسسة بتقرير كامل عن وضعية وحدة الانتاج منذ الاسبوع الاول من مباشرة مهامي على رئاسة مصلحة الانتاج بها، لكن لا حياة لمن تنادي… و لتلك الاسباب اقتصرت اعمال الوحدة على بعض الريبورتاجات الاخبارية او نقل بعض المباريات الرياضية…

وتصورت انّي بردّي هذا اغلقت الملفّ… لكن ما ان حلّت سنة 2004 وبالتحديد في 3 فيفري حتّى مدّني الزميل الشاذلي الغريبي رئيس مصلحة الشؤون الادارية والمالية بنسخة من مراسلة ادارية وصلته من السيّد المدير مضمونها الآتي حرفيّا: من مدير اذاعة صفاقس الى رئيس مصلحة الشؤون الادارية والمالية …الموضوع حول مواظبة مسؤول… أما نصّ المراسلة فيقول: (وبعد… فانّ بعض المسؤولين يعمدون الى عدم احترام التوقيت الاداري، من ذلك انّ السيّد عبدالكريم قطاطة رئيس مصلحة الانتاج التلفزي يعمد الى الالتحاق بعمله متاخّرا ومغادرته له مبكّرا… ادعوكم الى وضع مواظبته تحت المراقبة وموافاتي اسبوعيا بتقرير مفصّل في الغرض وخصم ما يجب خصمه من رصيده في الاجازات السنوية والسلام)…

اشنوة معناها؟ تقولشي مجرم خطير يجب ان يوضع في غوانتنامو وتحت حراسة مشدّدة زادة… تتذكروا اني في ورقة ما، قلتلكم علاقتو بيّ منذ خلافنا معا يمكن تلخيصها في (قاتلك قاتلك) ؟؟.. هاكي هي … اذن هذا يعني انّ المدة الماضية كانت استراحة محارب فقط… بل والانكى انّ احد الزملاء اسرّ لي بانه توعّدني بالقول (والله اللي ما نخرّجو من الاذاعة قبل التقاعد)… للامانة وقتها لم اردّ الفعل بتاتا الم اقل لكم انّ الايمان العميق يمنحنا السلام الروحي؟… بل عندما اسرّ لي احد الزملاء بقسمه ذاك ضحكت وقلت له بالحرف الواحد: الله وحده هو من يُحيي ويُميت… وقررت وابتعادا عن مزيد من المشاحنات وتعكير الاجواء ان اتقدّم برخصة مرض لمدّة شهر علّني اُريح واستريح… وكان ذلك…

نعم لم اكن مريضا ولكن تعاطف الطبيب الذي هو يوما ما، كان احد مستمعيّ وواكب مسيرتي بهضابها وسهولها، لم يتأخّر لحظة واحدة في مدّي بتلك الرخصة المرضية لمدة شهر كامل… بل وابى بشكل بات ان يأخذ منّي ايّ ملّيم مقابل كشفه… وسلّمت الشهادة الطبية للمصلحة المالية والادارية تجنبا للقاء مديري في تلك الظروف… ولبثت في منزلي لا اغادره الا لشرب قهوة سريعة والعودة اليه… وفي اليوم الثالث من اعتكافي فوجئت بجرس المنزل يدقّ… خرجت لاستطلاع الامر فاذا به رجل محترم يقدّم لي شخصه كطبيب مرسل من ادارة اذاعة صفاقس للقيام بما يسمّى الفحص المضادّ حتى يقوم بعده بكتابة تقريره الطبي لادارة اذاعتي… ضحكت بكلّ هدوء وقلت له تفضّل وقم بعملك… كان صوتي الداخلي يقول (اكتب يا حسين انا متيقن من النتيجة)…

وتوجهت ادارة اذاعة صفاقس بمراسلة لرئاسة المؤسسة مرفوقة بتقرير الفحص المضادّ وكانت النتيجة ان رفضت المؤسسة رخصة مرضي وإن منحتني الحقّ في 13 يوما خُصمت مما تبقى لي من عطلتي السنوية وكذلك خصمت 17 يوما من مرتّبي الشهري… قبلت القرار بصدر رحب وقلت في نفسي وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير ولكم… والحمد لله بفضل صبر عائلتي وتآلف البعض من اهلي واصدقائي لم ابت وعائلتي ليلة واحدة وفي كلّ ازماتي مع مديري الاذاعة، دون عشاء… وصبرت على كلّ المحن… لكنّ مديري رحمه الله وغفر له واصل سلوكه معي ودائما من صنف قاتلك قاتلك… ومما زاد ألمي وحزني انه وعندما انتقلت عيادة الى جوار ربها يوم 30 مارس 2004 هو لم يكتف فقط بعدم زيارته لي لتقديم التعازي بل كلّف البعض بتسجيل اسماء كل من يحضر موكب العزاء… هم كانوا في نظره خونة له وانصارا لعبدالكريم …

ولعيّادة طبعا حضور مؤكّد في ورقتي القادمة… ايماني العميق بالله وبقضائه واقداره وبكل امانة كانت رافدا لصبري في فقدان عيادة رحمها الله… ولكن ألمي بعد فقدانها اوعز لديّ رغبة شديدة في اطلاع رئيس المؤسسة على كلّ ما عانيته… فكان ان قررت ارسال مكتوب لرئيسها انذاك اعلمه فيه بكلّ ما حدث مع مديري منذ توليه ادارة اذاعة صفاقس بحلوها ومرّها… والله يشهد على انّي لم اكذب عليه اطلاقا… واكّدت له انّي رئيس مصلحة الانتاج التلفزي على الورق فقط… وأن كلّ مكاتيب المدير لوحدة الانتاج التلفزي لا تصلني البتّة بل كان يرسلها لرئيس المصلحة التقنية… الاعداد التي يضعها رئيس المصلحة للمنضوين تحت مسؤولياته سواء المتعلقة بمنحة الانتاج او بالاعداد المهنية لم اعد مكلّفا بها… بل الادهى انّ اعدادي المهنية ومنذ كنت اشتغل في المؤسسة الأم في بداية السبعينات ورئيسي المباشر سي ابراهيم الغضاب اطال الله عمره شاهد على ما ساقول… اعدادي لم تنزل يوما عن 100 بالـ 100 .. لكن الآن ومنذ تعكّرت علاقتي بمديري سي عقير، اصبحت اعدادي المهنية من هواة الهبوط ودون باراشوت… الى ان وصلت الى 80 بالـ 100…

المكتوب كان طويلا ومطوّلا ولكن اردت من خلاله ان اقول لرئيس المؤسسة مادمت لا اقوم بايّ عمل في مصلحة الانتاج التلفزي فما الفائدة من وجودي هناك؟ اليس الاجدى تعيين زميل في مكاني حتى تستفيد الوحدة منه؟ واقسم بالله اني كنت صادقا في ذلك… للامانة ليست لي ايّة فكرة عن كيفية تعامل الرئيس المدير العام مع مراسلتي تلك… ولكن فوجئت يوما بالزميل والصديق صادق بوعبان يكلمني هاتفيا ويطلب منّي ان اقبل رجاءه والمتمثل في تدخله بيني وبين مديري كواسطة خير لرأب ما تصدّع… وقال انه مستعدّ للمجيء إلى صفاقس للقيام بهذه المحاولة شريطة ان يتلقّى موافقتي… الزميل الصادق بوعبان عرفته منذ عملنا معا في جريدة الأيام وعرفته كمنشط في اذاعة المنستير وعرفته عندما اشتغل بالمؤسسة الأم مديرا لقناة 21 ثم للتلفزة الوطنية الاولى… ليس بيننا سوى الودّ والاحترام وبيننا ايضا تقاطعات في عديد الافكار والمواقف…

ضحكت ضحكة مختصرة وصمتّ قليلا… فاردف خويا الصادق بالقول: (انا نعرفك ونفهمك اما اشنوة خاسرين كيف نعملو محاولة صلح؟ انت صديقي وسي عبدالقادر صديقي وانا نحبّ نصلّح بيناتكم)… قلت له (خويا الصادق رغم اني مانيش متفائل برشة بالنتيجة متاع القعدة، اما مرحبا بك طلبك غالي)… واتفقنا على اليوم والتوقيت… وجاء ذلك اليوم وشرفني زميلي الصادق بزيارته وكان اللقاء الثلاثي… نعم تمّ ذلك اللقاء ولكن ما تمّ بعده وفي نفس اليوم غيّر مجرى الاحداث تماما ..

يااااااه على اقدار الله ..نعم، قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاّ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا (سورة التوبة آية 51) …. لا تقلقوا كثيرا غدا باذن الله تتواصل الحكاية في الورقة 112… قولوا عاد ما نحبكمش ترا…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

صن نار