تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 60

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

وحان يوم العودة النهائية الى تونس … كان من الصعب عليّ ان انتقل على سيارتي من باريس إلى مرسيليا بمفردي … فرخصة سياقتي يعود تاريخها الى سنة 73 بعد 11 ساعة فقط من التدرّب على السياقة ثمّ (امسح مات) بعدها … لم اضع يدي على ايّ مقود فكيف لي ان اغامر بسياقة سيارة ؟؟؟

عبد الكريم قطاطة

لم تطل حيرتي حيث اقترح عليّ احد الزملاء التونسيين الدارسين لهندسة الفيديو بنفس معهدي التكفّل بالمهمة، على ان أوفّر له مصاريف تنقّله ذهابا وايابا باريس تونس وتونس باريس عبر ميناء مرسيليا … وكان ذلك …تلك كانت المرّة الوحيدة طيلة حياتي التي اسافر فيها بحرا … مكرها لا بطل.. الم اقل لكم انّه بقدر عشقي الجنوني للبحر بقدر خوفي المرضي منه؟؟؟ وحتى اجمّد ذلك الخوف الرهيب بداخلي حرصت على اخذ اقراص منوّمة ممّا مكّنني من اغماض عينيّ، والاستسلام الى نوم ليس كالنّوم بميناء مرسيليا لم استفق بعده الاّ في ميناء حلق الوادي …

عند الوصول بدأت متاعبي المهولة مع السيارة …رفضت وبعناد كبير ان يشتغل محرّكها … رصاتلي ندزّ فيها انا وبعض المتطوعين وحشمتي على وجهي … الله الله عليك يا سي الطوالة جايب كرهبة من فرنسا ومن اوّل يوم تشمّر على سواعدك (غير المفتولة طبعا) وعرقك شرتلّة …_ غادرت الميناء صحبة زميلي المهندس الذي تولّى أيضا سياقة السيارة من تونس الى صفاقس وبالتحديد الى مقرّ سكناي بساقية الدائر حيث حوشنا الجميل .. ولكم ان تتخيّلوا المشهد …سيارة تلمع لمعانا تتبختر في ازقة رملية وتقبع ليلا امام حوش متداع للسقوط …كم هي سريالية تلك اللوحة … ولتقريب المشهد فقط تصوروا الاميرة ديانا في طمبكها قبل ان يفتك بها من رفض علاقتها بذلك العربي تصوروا ديانا (تحبك في الشعير في محبس) … او تغسل في دوارة العيد وخوفها الكبير من جهلها بفنون تنظيف الفحتة طلاّقة النساء …

فرح العائلة كان دون حدود ..الوالد كعادته كان مزهوّا بابنه (اللي في نظرو ولّى موش فقط راجل بل سيد الرجال اشبيكم راهو جاب كرهبة من فرانسا)… خاصّة وهي اوّل بل الوحيدة التي امتلكها واحد من سكّان الحوش .. لذلك كان يدعو الجميع لزيارتها والتبرّك بها في زهو ودلال دون حياء ..امّا عيّادة فكانت دوما من الفصيلة التي تشهق صمتا بفرحها …هل تفهمون جيّدا ما معنى ان يشهق الواحد منّا صمتا بالفرح … انّه الوجوم الجميل الذي لا حراك فيه ظاهريّا والذي تتشابك فيه كل الشرايين داخليّا في حركة مرور مزدحمة جدّا ..كلّ شريان فيها يريد ان تكون له الاسبقية والتمتّع بالسبق ليجنّح .. ليصرخ.. ليبكي بفرح … ليقول يا ربّاه … الا انّ انانية كلّ شريان للظفر ببطولة السباق للحصول على ذاك السبق الصحفي تسّد عليهم ابواب البوح من جراء ازدحامهم … فتبقى الشهقة حبيسة الصّدر …

في الغد صبّحنا والملك لله وكان عليّ ان اتعامل مع زمردتي بما اتذكّر من قواعد السياقة … شغّلت المحرّك وندهت .. ويعد 20 مترا وانا احاول ان اعكس المقود لآخذ منعرج الخروج من الجنان الى الزنقة الرئيسية وجدتني ادخل في الطابية … وكم هي كثيرة نعم الطوابي علينا …اذ باستثناء “استئجارها” من لدن سكان غير مرغوب فيهم تماما (العقارب) والتي تتعدد في حجمها واصنافها وتُعتبر من اقرب الجيران الينا خاصّة عندما تخرج ليلا تتمشّى وتتبختر بيننا اينما كنّا … العقارب في حوشنا من الفصيلة الجريئة جدا في تعاملها معنا ..اكاد اكون الوحيد الذي لم تسع يوما لتقبيله من نوادرها المؤلمة ان الوالد رحمه الله بعد ان ذهب الى بيت الراحة (يعمل بيشار، هكذا كانوا يقولون عن تعامل الفرد مع بيت الراحة …بيشار ؟؟؟ وفقط … لا اعرف لا معنى ولا سرّ اختيار هذه الكلمة والتي عُوّضت الان بـ “بيبي”)…

عند عودته بعد البيشار تمكّنت بيه صيفة عقرب … قنفود على حالها … وهرع الى الثوم يأكله كما لو كان يأكل قطعة فقّوس… عندما وصل الى المستوصف ساله الممرّض ماذا فعلت حتّى تنقذ نفسك من قبلة العقرب المسمومة اخبره بذلك الانتيبيوتيك الثومي …اثنى عليه وقال له …هاكة اللي جابك للصواب … من نوادر مؤنستنا دوما العقرب عافاكم الله انّه كانت لي ابنة عمّ تستعد لزواجها …الا انّ اهل عروسها لم يُوفوا بوعودهم في حكاية الشرط …والشرط انذاك اتفاق بين العائلتين المتصاهرتين حول الجواهر والملابس والمواسم التي يتكفّل بها العروس لعروسته … يومها كانت ابنة عمّي رحمها الله غاضبة جدا من اهل عروسها الذين اخلّوا ببعض تفاصيل الشرط ..فما كان منها الا ان انهالت عليهم بالدعاء وكانت آخر دعواها (يعطيهم عقرب) … ودعوتها طلعت دخان للسماء واجابتها العقرب لتوّها وعطاتها حسابها …

عودة لمزايا الطوابي التي هي حيّ النصر لآل عقرب وهو الاستثناء هي المعبد الهام والجميل لسلطان الغلّة ..انذاك كان سطل الهندي يُباع بخمسة مليمات ..ونبدا نقّرق بالشاري …واليوم اصبح الهندي ارفع ثمنا من الموز … اووووووووووووووووف من الدنيا وعمايلها … والحقيقة اووووووووف منّا ومن عمايلنا …. قضينا على كلّ الطوابي وتربّضت الغابات وغاب بريقها وانتفت رائحتها الى الابد …كم لا نُقدّر نعم الاشياء الا بعد فقدانها …

يوم سياقتي للسيارة بعد 6 سنوات صوما عن السياقة كان فضل الطابية عليّ كبيرا …داهمتها بجهل منّي في استعمال المقود فقابلت هجمتي بروح رياضية ولامست سيارتي بكل لطف وهي تهمس: (موش من ثمّة يا ولد موش من ثمّة)… هذه العبارة ذكرتني بحكاية واقعية لصديق ذهب لأوّل مرة في حياته الى دار خناء علني وكان ان وجد نفسه مع بائعة هوى مالطية… ولأنه لأوّل مرّة دخل فيها قعباجي… فما كان من تلك بائعة الهوى الا ان استغربت جهله وصاحت …موش من ثمّة موش من ثمّة … وما كان منه الا ان ردّ عليها موش مشكلة يا مدام البرّ الكلّ جايينو ..تقولشي فلاّح ماشي يميّل جنانو …

اعود بكم الى تلك الحادثة مع الطابية لاقول لكم انّها كانت المرّة الوحيدة في حياتي التي فقدت فيها السيطرة على المقود يعني ضربة الزلوع … عدّلت المقود وغادرت المكان ..في مرحلة اولى كان اللقاء بالاصدقاء في بيتنا الدائم حانوت الحلاق بو احمد ..وبجانبه سي المبروك الحمّاص رحمه الله وهو ينظر الى ابنه كُريّم بسيارته الجديدة بكل فخر واعتزاز… بعد ذلك كان التوجّه الى اذاعة صفاقس في محطّتي الثانية …في تلك الفترة لم اكن اعرف من الزملاء في اذاعة صفاقس سوى فئة قليلة… المدير قاسم المسدّي رحمه الله والزميل الهادي المزغني اللذين اعرفهما من فترة زمالة بالتلفزة التونسية عشناها معا منذ 1972 قبل نقلتهما الى صفاقس… والزميلين مختار اللواتي (زميل دراسة بالحي الزيتوني، 15 نوفمبر حاليا) والزميل عبدالمجيد شعبان الذي كان يدرس ويشتغل بشكل مواز في معهدي كقيّم ..وبعض الاسماء القليلة من الذين كانوا يعرفونني من خلال عملي بالتلفزة التونسية وظهور اسمي على الشاشة كمركّب افلام …

من ضمن هؤلاء كانت ابتسام الغطاسي انذاك …لقيتها اوّل مرة بمكتب الزميل الهادي المزغني ..انا اعرفها منذ كانت تلميذة وكانت ناشطة جدا ومغرمة بالمحاضرات والشعر … يوم التقينا قدّمني لها الهادي المزغنّي وكانت فرصة لتدعوني لمشاركتها كضيف في حصتها العاب وانغام مع ابتسام …كانت هنالك بيننا تقاطعات فكرية وفنّية متينة تحوّلت في ما بعد الى صداقة متينة جدا مع عائلتها وللقصّة بقايا في ورقات لاحقة ..دعوني اقل وبكلّ الم الدنيا وبايجاز ..كيف لاذاعة مثل اذاعة صفاقس ان تتخلّى عن واحدة من افضل المنشطات في البرامج الثقافية في الاعلام التونسي: ابتسام المكوّر ..؟؟ وكيف لاذاعة مثل اذاعة صفاقس ان تتخلّى عن واحد من افضل القامات العربية في الميدان الصحفي… زميلي الكبير جدا عبد المجيد شعبان ؟؟؟؟…..صدقا جريمة كبرى في حقّهما وفي حقّ اذاعة صفاقس …وللحديث حتما عودة …

مدّة اطلالتي لم تدم بصفاقس… اذ بعد ان زرت كلّ الاقارب وفي مقدمتهم عائلة خالي اي عائلة خطيبتي (ووين نحطّك يا طبق الورد) كان عليّ ايضا ان اعود الى العاصمة لترتيب بيتي بنهج كندا وللاستعداد لتسلّم مهامي الجديدة بمؤسستي التي غادرتها مركّب افلام وعدت اليها مخرجا … بداية قمت باحضار ملفّ كامل لهذه الوضعية المهنيّة الجديدة حتى تتمّ معادلة الديبلوم في وزارة التعليم العالي بما يتوافق مع ما يوازيه في الجامعة التونسيية … ديبلومي في المعهد الفرنسي هو مواز لست سنوات تعليم عال في الجامعة الفرنسية …الا انّ سيادة الجامعة التونسية استكثرت علينا هذه الدرجة المعترف بها دوليّا واشترت ديبلوماتنا بالصولد ولم تمكنّي انا وزملائي المهندسين الذين تخرّجوا في نفس دفعتي الا من اربع سنوات جامعية …

لكنّ الاغرب انّي وجدت نفسي مرسّما كمهندس لا كمخرج …اي وقع اعتباري كواحد من زملائي المهندسين ودزّ يخطف …. وبقدر ما اغتبط لي زملائي في اختصاصهم واعتبروا ذلك خطأ من نوع ربّ ضارة نافعة باعتبار انّ المهندس انذاك يتمتّع بامتيازات مادّية هامّة جدا مقارنة بسلك المخرجين… بقدر ما عادت اليّ طباعي العنيدة ورفضت رفضا قاطعا القرار ..اي ضحك على الذقون هذا … ايّة علاقة لي بسلك المهندسين وانا الذي لا اشمّ شيئا في ميدان انا اجهل الجاهلين فيه …ثمّ المشكلة اساسا بالنسبة لي مشكلة مبدأ… انا غادرت مؤسستي لاحرز على ديبلوم عال في المونتاج و في وسط الطريق ارتأت ادارة معهدي رسميا على إثر مذكّرة من اساتذتي أن احوّل وجهتي الى الاخراج فكيف لي ان اقبل باختصاص لا ابجدية لي فيه …وهل كان المال يوما محدّدا لاختياراتي ..؟؟؟

رفضت رفضا قطعيا الامر وطالبت عبر عشرات المراسلات باعادة النظر في وضعيتي وتمكيني من حقّي الذي لا نقاش فيه …المراسلة الاولى كانت في شهر افريل 1979 ولكن الاستجابة لم تتمّ إلا سنة 1990 .. 11 سنة من عمري وانا جاثم في النقطة الصفر معنويا وماديا …. عمر الشاقي باقي ومازال مازال …هنا وللامانة التاريخية عملية حصولي على حقّي كانت بتدخّل من صديقين لن انسى جميلهما في ذلك… اوّلهما الزميل والصديق صلاح معاوية والذي شغل في تلك الفترة منصب رئيس مدير عام الاذاعة والتلفزة التونسية.. علم بالامر فدعاني الى مكتبه ودعا الزميل مختار الرصاع الذي كان يحتلّ انذاك منصب مدير التلفزة واوصاه بالتعجيل في اصلاح الوضعية، معتذرا عن عدم رجعية مفعول العملية لأن ذلك ليس بمقدوره ….شكرا سي صلاح شكرا سي المختار …

عندما عدت الى مؤسستي بعد عطلة دامت شهرا كاملا … ارتأت الإدارة ان اشتغل بقسم شريط الانباء حيث تنتظر تونس احداثا هامة في الخريف لعلّ اهمّها انعقاد مؤتمر الحزب الاشتراكي الدستوري (وفاء وتقدم) في شهر سبتمبر… ومؤتمر القمة العربية في نوفمبر بعد انتقال الجامعة العربية لتونس اثر معاهدة كامب دافيد وانعقاد قمّة بغداد نوفمبر 78 وقرار القطيعة مع مصر السادات… الحدثان هامان جدا بالنسبة للدولة التونسية انذاك… اذ انه داخليا بدأت تتشكل داخل الحزب الاشتراكي لعبة التحالفات وخارجيا على تونس ان تحتضن الاشقاء العرب وهي المعروفة بوسطيتها وحكمتها ..ولهذا كان على جميع الاطراف ان تجنّد خيرة الطاقات لتامين هذه الاحداث المنتظرة ووجدتُني في قسم شريط الانباء مع ادارة جديدة للاخبار يرأسها السيد عبد الحميد سلامة ومع رئيس مدير عام جديد للمؤسسة السيد سالم بوميزة …

كنت بالنسبة لهم الرجل الثقة والرجل الكفاءة … وبدأت مرحلة هامّة في حياتي على قصرها …مرحلة تميّزت بالتّعرّف وعن قرب على ماكينة الحزب اعلاميا وعلى المناورات التي اودت برؤوس البعض واهانت البعض الاخر ومن حسن الحظ اعادت للبعض منهم الاعتبار … عالم وسخ قذر الى حد القرف …لعلّ اهمّ ما علّمني ان رجال السياسة وبيادق اعلامهم هم كالقردة في الغاب اذا تشاجروا افسدوا الزرع واذا تصالحوا اكلوا المحصول ويبقى الشعب المسكين الضحية …تذكّروا هذه القاعدة جيدا للمفكّر جورج اوريل حتّى نتاكّد معا انّ ما حدث في عهد بورقيبة من صراعات القردة لا يختلف في شيء عن صراعات الشامبانزي بعد 14 جانفي …اليست السياسة وكما قال انيس منصور هي فنّ السفالة الانيقة ..؟؟؟ قلت انّ المرحلة كانت هامة جدا لأنّ نهايتها شهدت منعرجا تاريخيا في حياتي الاعلامية ..منعرج الاقدار …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار