تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 61

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

العمل في شريط الانباء كفنّي في المونتاج لا يتطلّب دراية كبرى في ذلك الفنّ بقدر ما يتطلب عنصرين هامّين لدى المركّب… العنصر الاوّل السرعة في الانجاز والثاني الدراية الكاملة بالبروتوكول الحكومي والحزبي للشخصيات التي يقع تصويرها ذلك اليوم والتي ستمرّ ضمن شريط الانباء…

عبد الكريم قطاطة

ولتوضيح عديد النقاط التي يجهلها جل المشاهدين دعوني افسّر لكم البعض منها … اوّلا لنتفق جميعا انه في تلك الفترة كانت الاحداث التي تُصوّر تهتم قبل كل شيء بنشاط رئيس الدولة اليومي سواء كان منها العادي حيث اجتماعاته بوزرائه وضيوفه وهي غالبا ما تكون على الساعة الـ11 صباحا بقصر قرطاج .. والرئيس له فريق تلفزي خاص به بالقصر ثم فرق تلفزية اخرى تابعة لقسم تصوير الاخبار مهمتها مواكبة اشغال الوزراء بدءا بالترتيب البروتوكولي لهم ..التصوير انذاك كان على شريط فيلمي وهذا يعني ان هناك عملية تحميض تتم بمخبر المؤسسة يوميا … دور المركّب وبالتنسيق الكلّي مع رئيس تحرير قسم الاخبار ان يقوم باختيار الصور المناسبة قيمة ومدّة لبثها في شريط الانباء على الثامنة مساء …

هذه العملية ليست بالهينة تماما، اذ لا يُعقل مثلا في اجتماع شعبي لرئيس الدولة ان لا تمُرّ صورته بمختلف اصناف الكادراج والتركيز خاصة على القريب منها حتى يُبرز الاختيار كاريزما الرئيس وهو المعروف والمشهود له بتأثير نظراته وحركات رأسه ويديه وقدرته الاسطورية على التغلغل بهذه الميزات في وعي ولاوعي المشاهد ..فخطاباته كانت ـ اكنت من محبّيه ام كارهيه ـ تخترق المشاهد وتشدّه موضوعيا بقدرة صاحبها (الزعيم بورقيبة) على الجذب والسحر والابهار ..هو بمثابة الممثل البارع في فن الخطابة الذي يُخضعك لصولجان براعته …

ثم على المركّب ان لا ينسى خاصة بعض الصور للماجدة وسيلة ولكن ورغم هيامه الاسطوري بها يجب الا تكون في حجم ومدّة حضور المجاهد الاكبر (نحبّك يا وسيلة ونموت عليك اوكي اما اللعب بعشانا لا) … ومع الماجدة حذار ان تمرّ منك صورة لها وهي تقدّ في روبتها او تتضيحك… لذلك الجيل هل شاهدتم مرة واحدة وسيلة تتزعبن؟؟؟ يستحيل لا خارج القصر و بالطبيعة لا داخله… حريم السلطان راهي … انها الماجدة الرصينة الجدية ..في كلمة (السلطانة) …دعوني هنا افتح قوسين … (تفوه على الدنيا التي تحصرنا في كهف الرصانة والجديّة الى حد العبوس… هذه النوعية هل عاشت حياتها؟؟… هل فهمت يوما ماهي متعة الحياة ؟؟ ما قيمة حياتنا اذا لم نعبث احيانا كالاطفال… نشطح معهم …نقهقه .. نغمس ارجلنا في الرمل على الشاطئ …نضرب ماء البحر باطراف اصابعنا… نخرج من معقّف البريستيج)… لهذه الاسباب وضعت الاشارة بين قوسين ..لأنّ حياتهم هي بين معقّفين اوّلهما (هو يصير ..؟؟)… وثانيهما (راك سي فلان او للة فلانة) …

طز والف بليون طز في كلمة سي وفي كل الالقاب التي تحرمني من قعيدة بالسروال العربي… في قهوة شعبية احتسي الكابوسان مع كل روادها من الڨاراجيست الى الاستاذ الجامعي … استمع الى الاول فاتعلّم منه بساطة ومتعة الحياة لانه من فصيلة بوزيد مكسي بوزيد عريان … واتحاور مع الثاني وكلّ همّي كان وسيبقى ان اقول له إن المثقف الحقيقي هو الذي ينزل الى الاخر فيقتسم معه حياته باسلوب مبسّط بعيدا عن مدارج الجامعة واؤكد له ان ذلك لن يُنقص من قيمته شيئا … واُعيده الى قائمة العظماء عبر التاريخ الانساني من انبياء وفلاسفة ومفكرين ليُدرك انّ عظمتهم مصدرها الاساسي الاختلاط بالعامة واستلهام عديد الدروس منهم .. الم يكن عمر بن الخطاب عظيما وهو يطهو بنفسه طعام تلك الجائعة بعد ان اشتكت له من امير المؤمين وهي لم تدرك وقتها انه امير المؤمنين ؟؟ ….ومع هذا الخليفة العادل الم يقل لداهية العرب عمرو بن العاص متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا ..في حادثة اعتداء ولد ابن العاص على واحد من عامة الناس ..؟؟؟ اليست العظمة الحقيقية ان نتفاعل مع الاخر دون النزول الى الابتذال ونرتفع معا الى مستوى جميل ؟؟…

في المونتاج يجب الحرص ايضا على تركيب صور اعضاء الحكومة حسب الاهمية البروتوكولية لمناصبهم … وهذا من اختصاص بعض المركبين فقط انذاك كان امهرنا “الملك”… هكذا يُلقّبونه اشتقاقا من اسمه (محمد علي الرويدي) اخذوا الروي واشتقوا منها كلمة ملك بالفرنسية… الا انه كانت تعوزه بعض تفاصيل تقنيات المونتاج الهامة كلحظة الربط بين مشهد وآخر… حيث يجب حتما حذف ثلاث صور احيانا من المشهد الاول الذي به بداية حركة راس الشخص حتى لا تقلق البصر عند المشاهدة … هذه جزئيات يُحسّها المشاهد دون ان يدرك السبب ولكن فنّي المونتاج يدرسها نظريا ثمّ يطبق حذفها متى جاءت في الصورة .. دون نسيان بعض التعليمات التي تأتي للمركّب من رئيس قسم التحرير والتي من ضمنها مثلا عدم تمرير اية صورة للوزير الفلاني في شريط الانباء لذلك اليوم ..كنت انظر الى رئيس التحرير واسأل ببراءة خبيثة (اشنوة كمّل السيّد؟) اي طيّرو ..

وتأتي الاجابات حسب نوعية رئيس التحرير اما بالصمت ..ما يعبركش ..او بالهمهمة دون تفكيك اسرارها ..او بابتسامة من نوع (اش عنا فيهم هذي تعليمات اكهو خويا عبدالكريم) …ثم يضيف اغلبهم: (نمشي نتهنّى ؟)… وهذا السؤال في ظاهره عادي وفي باطنه خوف على منصبه …لان مثل هذه التعليمات تأتي مباشرة من القصر الى رئيس مدير عام المؤسسة وهو بدوره يبلّغها الى رئيس التحرير والاكيد ايضا انه يختمها بـ (نتهنّى ؟؟؟)… اذ انّ عدم تنفيذ تعليمات القصر تعني دون ادنى شك ثلاث رؤوس تطير (الرئيس المدير العام ومدير التلفزة ورئيس تحرير شريط الانباء) … لذلك افهموا عيارة نمشي ونتهنّى هي من نوع (يعيّش خويا راهي خبزتي) .. وهي في الحقيقة “بريوشة” ولم تكن يوما خبز عياله لانّ مثل هؤلاء هم في جلّهم يتذللون من اجل الكرسي لا من اجل قوت العيال ..هم من اجل ذلك المنصب الحقير يشربون ماء الحياة بذلّة وجهنم بالكرسي اطيب منزل …

كما اسلفت سابقا وقع تعييني في قسم المونتاج بشريط الانباء استعداد للحدثين الهامين اولهما مؤتمر الحزب في سبتمبر 79 .. في مثل هذه الاحداث تشتغل ماكينة “الملأ” …الملأ كلمة وردت بشكل مطّرد في القرأن الكريم وهي تعني الحاشية …والتي عموما تكون من النوع السيء: ملأ فرعون ملأ ملكة سبأ … وحتى بعد ظهور الاسلام لم يختف هذا الملأ وبدأت ملامحه الاولى في عهد الخليفة عثمان ثمّ عاد في جل العهود بدءا من الدولة الاموية ووصولا الى يوم الناس هذا لتشتغل… فالبجبوج له ملؤه والغنوشي له ملؤه* والاخرون لهم ندماؤهم … الحاشية في سنة 79 ارتات ان تعمل هي ايضا من اجل حساباتها الضيقة ..

منذ تلك السنة بدأت حاشية القصر تعمل لحسابها قبل حسابات الزعيم …. اي بدأت الدسائس والنظرة الاستشرافية لما بعد بورقيبة ..بعض فصائلها ركّزت جوكاراتها على الاعلام ..عينت رئيسا مديرا عاما جديدا لدار التلفزة، سالم بوميزة ..عينت مديرا عاما للاخبار، عبدالحميد سلامة… واقالت بشكل غير رسمي مدير اذاعة صفاقس انذاك المرحوم محمد قاسم المسدّي وذلك بالادعاء انها في حاجة الى خدماته ضمن فريق شريط الانباء …دون تعيين مدير لاذاعة صفاقس حتى لا تفتضح نواياها …وانطلقت اشغال المؤتمر …كانت اجواؤه مشحونة جدا ولكن ما كان يمرّ للمشاهد العادي وكالعادة الهتاف للزعيم من الجميع والابتسامات البلاستيكية لكل الاخوة الاعداء ..الا ان بعض الصور التي تصل الينا كنّا نقرأ فيها التحايا المسمومة والوجوه الحقيقية لذئاب السياسة …

صدقا لا ازعم انني من البارعين في الاهتمام بما يجري …لانني كنت ومازلت اعتبر جلّهم من طينة قابيل وانّ هابيل الحقيقي هو الشعب … وظهرت نتائج المؤتمر وخسرت حاشية جوكارات الاعلام المعركة …عاد المرحوم قاسم المسدّي الى عرينه … وارتأت رئاسة المؤسسة ان تنقذ ماء الوجه بانتاج شريط وثائقي هام حول انتقال الجامعة العربية الى تونس بعد القطيعة مع مصر السادات ممضي اتفاقية السلام مع اسرائيل … وراس الهم دادة عيشة …من لهذا العمل غيرك يا عبدالكريم …؟؟؟ كان ذلك صبيحة يوم اثنين …والصبيحة تعني عندي في عملي بقسم مونتاج شريط الانباء الحادية عشرة صباحا كان لطف بيهم ربّي …طبعا وباتفاق كُلّي معهم …. ولكن في المقابل قد لا اغادر عملي قبل منتصف الليل احيانا …

صبيحة ذلك الاثنين وجدت مدير الاخبار عبدالحميد سلامة في انتظاري… اتاني بكمّ هائل من الاشرطة المصورة حول تاريخ الجامعة ومعاهدة كامب دافيد ومؤتمر اخر قمة ببغداد حيث وقعت القطيعة مع مصر (افريل 79) ومشاهد عديدة لتونس ماضيا وحاضرا… وطلب منّي انتاج شريط وثائقي للحدث حسب تصوُّري الفنّي سيقع عرضه على رئيس الدولة قبل بثّه للضيوف العرب في انطلاق قمة تونس …ثم اضاف اريده شريطا طويلا لا يقلّ عن الساعة والنصف …نظرت الى الاشرطة ومن خلال تجربتي في الميدان قلت له إن هذه الاشرطة لا يمكن ان نستخرج منها اكثر من ساعة على اقصى تقدير …ضحك مدير الاخبار وقال بنغمة فيها شيء من الاستعلاء ليذكّرني بأنه مدير قد الدنيا: (انا نعرف اش نقول سي عبدالكريم …اوكي يقولو عليك من خيرة المركبين وجاي فرشك من فرنسا .. اما حتى انا نعرف خدمتي) …

ولأنني لم اكن يوما حربوشة سهلة الابتلاع .. ولأنني لم اتمسّح يوما على قدم مسؤول … قطّبت حاجبيّ بشيء من الانفعال وقلت: احتراماتي ليك سي عبدالحميد …انا لا يمكن لي يوما ان اضع الصفارة في فمي وان اقوم بدورك كحكم في مباراة لكرة القدم (باعتباره كان قاضي ملاعب في فترة ما) … ولا يمكن لي ان البس ميدعة بيضاء لاقوم بدورك كاستاذ في مادة العربية…( وهو كذلك ايضا) … ولكن في المقابل ودون افتخار او زهو اقول لك ما جلبته لي من اشرطة لا يمكن ان نستخرج منها اكثر من ساعة على اقصى تقدير، وهذه ليست عنترية من جانبي بقدر ماهي تجربة …هل يمكن لك ان تعطي مترا من القماش الى خياط وتطلب منه جلبابا لسيّد طوله متران …؟؟ وقف مدير الاخبار واجما مصعوقا من سي عبدالكريم هذا الذي تجرّأ على منطقه وهشّمه ….احسست في نفس الوقت باعجابه بعلوّ حجّتي … طبطب على كتفي وقال: انا سمعت عنك الكثير وكلّي ثقة فيك … ساترك الاشرطة وسادعك تعمل ..لن اشك في نزاهتك ولا في كفاءتك …لكن لندعه رهانا بيننا… اذا صحّت رؤيتي ستتكفّل بخلاص عشاء فاخر في اي مطعم اختاره واذا صحّت رؤيتك اطلب ما تشاء وفي ايّ مكان ايضا هل تقبل الرهان ..؟؟ نظرت اليه مليّا وقلت له: اوّلا اعدك بانّي ساكون نزيها وصادقا في عملي ولن اسرقك في الرهان ..لم يتركني اتمّ وقال هذا واثق منه انا مرة اخرى اقول لك انا لا اعرفك ولكن المعلومات التي تصلني عنك تسير في هذا المسار … قلت له وثانيا ساكون عند وعدي وارجو ان تكون عند وعدك …مسك يدي بحرارة وصدق وقال: صاحبك راجل …

وانطلقت رحلتي مع الشريط …كل كفاءتي ومهنيّتي وضعتهما في ذلك الشغل …كنت كل ليلة عندما انتهي من عملي على الشريط وقبل ان انام اعانق وسادتي واتمتم كلمات لا يفهمها احد .. باستثناء وسادتي …انا من الذين يعشقون وسادتهم …قد نرمي رؤوسنا احيانا على صدر من نحب ..هي لحظات ممتعة الى درجة الذوبان .. التوهان … ننسى فيها الزمكان … ولكن للوسادة الشخصية لكل واحد منّا طعما خاصا .. انها الخليل او الخليلة التي لا تهجرك … هي.طوع لك وانت طوع لها …لن تملّ منك في كلّ حالاتك مبعثرا كنت… شايخ… فادد …حزين …طاير … تنسجم معك تعانقك… تواسيك … تناجيك … تناديك … تلاغيك …تفهم جد والديك … واتممت عملي …جاء مدير الاخبار وبدأنا المعاينة …طيلة 55 دقيقة و40 ثانية مدّة الشريط لم ينبس ببنت شفة ولا بنت سلفتها ولا بنت اخت راجلها …كان رصينا جدا في مشاهدته للفيلم ومتتبّعا جيّدا لكل منعرجاته … نظر اليّ بعد نهايته وقال: سي عبدالكريم برافو …انت فنّان …ونهض دون ان يسأل عن مدته ودون ان يعود للرهان …عاد بعد لحظات وقال: ماشي نهزوه للمعلّم يشوفو … توة نرجعلك …والمقصود الرئيس المدير العام للمؤسسة…

عاد بعد ساعة ونصف واعاد تهنئتي بعد أن لمس سعادة عرفه بالمنتوج ثمّ سالني: قداش هو المدة متاعو؟؟؟ اجبته بانه لم يصل حتى لساعة من الزمن …رفع يده إلى جبينه باشارة معناها (هذا حقّك، اطلب وادلّل) …قلت له: نقلتي الى صفاقس …وبنبرة كلّها اندهاش قال لي: اشنوّة ..؟؟ قلت له نقلتي الى صفاقس …ردّ: اشنية هذي نكتة ..؟؟ قلت له ربحت الرهان وانت وعدتني بالاستجابة لطلبي وهذا هو طلبي … جلس بجانبي وقال لي: تحكي بجدّك يخخي ؟؟؟ كيفاش هذي ؟؟ انت هنا الف واحد يتمنّاو بلاصتك ؟؟؟ اش ماشي تعمل في صفاقس …؟؟…

انذاك “نڨّزت”على السؤال الاخير وقلت له …لماذا لا يتم بعث نواة تلفزية هنالك تقوم بانتاج برامج شهرية تُعنى بالجنوب … كلّ ما في الأمر كاميرا وطاولة مونتاج والبقية انا من سيتكفّل بها وسيُحسب ذلك انجازا هاما للمؤسسة في هذه الفترة …كنت ادرك جيّدا انّ مسّ يد ايّ مسؤول من خلال هذه الزاوية ستعطيه شراهة القبول والمُضي في الامر ..المسؤول يهمه فقط ان يذكره الاخرون بتاريخ انجاز ما في عهده …هكذا سي عبدالحميد ستضع اقتراحي للرئيس المدير العام ولا اظنه يرفض ….صمت قليلا ثم قال: من جانبي ارى الامر معقولا …وساقترح الأمر علي رئيسي …شددت على يديه وقلت له الان … انا ربحت الرهان فليكن الاقتراح الان ….كنت كمن ينتظر سيارة اجرة جماعية ويراها على بعد امتار منه ولا يريد ان تفوته …قال لي: هكة يا سي عبدالكريم الان ..؟؟ قلت له الحديد لا يُطرق الاّ ساخنا …الآن الآن وليس غدا ….

نهض مغادرا كابينة المونتاج ثم استدار باسما وقال : اوكي الآن …انذاك كنت اهتف الى عيّادة …ايّتها الغالية … عبدالكريم لم يف بوعده بعودته اليك من فرنسا دون بنت الرومية ان تختطفه منك، بل اراد لك “بونيس” بحجم سعادة عمرك به ..سيكون الى جانبك بصفاقس سيعود الى حوشنا الجميل سيعود الى … ان شاء الله تربح ساقيتنا ..الى الكازينو وسيدي منصور… قبل ان تعبث بهما مخنقة السياب والـ”ان بي كا” …الى المائة متر في قلب صفاقس …الى بوشويشة وسوق الحوت والجزارين وسوق الربع والرمانة …الى نهج الباي وسفنج السيالة ورحبة الرماد … الى كل ذرة من تراب مدينتي تماما كما تحبون كل ذرة من تراب مدنكم اينما كنتم …كم هي عزيزة مدننا علينا هي عزيزة على روحنا على تنفسنا هي الطعم الشهي لنوستالجيا الحياة ….ماهي قيمة حياتنا دون نوستالجيا ما عشناه؟ ..انسان بلا نوستالجيا عندي اشبه بغصن ميّت متدلّ من شجرة …اشبه بجثمان غير محمول على الاكتاف بل محمول على (كرعين صاحب الجثمان) …

ربع ساعة عشت فيها القادم …كنت ارى نفسي وانا ادقّ باب الحوش ليلا لاقول لهم عدت الى قصري …كنت ارى نفسي وانا مع اولاد حومتي لاقول لهم ايّا وين السهرية الجاية …؟؟..كنت ارى نفسي وانا ادخل اذاعة صفاقس لا كزميل زائر من تونس بل كواحد منهم يحمل معه مشروعا …مولودا جديدا ..موقعا جديدا لهذه الاذاعة الفتية …كنت ارى نفسي كل احد اغطس في ارجل حمّادي العقربي وانا اشاهده في جوفنتوس العرب يكوّر بكلّ من يحاول التقرّب منه … انّه العبث الجميل وما اشهى العبث الجميل في الحياة …كنت وكنت وكنت ثم افقت ….ايّا سي عبدالكريم …بداية من الاسبوع المقبل انت في صفاقس …قالها ..نعم والله العظيم قالها …يا ربّااااااااااااااااااااااااااااااااااه …. يا امّااااااااااااااااااااااااااااااااااه …. هل تدركون ما معنى ان نعانق اشياء نحبّها …ما معنى ان نضمّها بكل شوق وتوق حتّى ولو كانت محفوفة بالشوك …هل تفهمون حليّم عندما يئنّ في اغنيته فوق الشوك مشّاني زماني …انه يحكي عن اشواك الحب وبكلّ شوق وتوق وحب ….

في تلك اللحظة التي اعلمني فيها سي عبدالحميد بالقرار الرسمي سمّوني ما شئتم ….الاّ ان اكون انا ….مهبول …فرخ …معتوه ..باصص؟ …حلال عليكم …كلّ ما ادري انّني لا ادري … ….

ـ يتبع ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*تنويه: النص مكتوب في سبتمبر 2017

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار