تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 63

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

وحان الوقت المقرّر لبث اوّل انتاج مولود لنواة الانتاج التلفزي بصفاقس… تربّعت والعائلة لمشاهدة الحدث… كنت انذاك انتظر بكل زهو وسعادة وارتباك الساعة الصفر… ولم تأت تلك الساعة الصفر واصبحت انا ذلك الصفر الموضوع على يسار العدد… لا دم يسري في اوردتي… بهتة فظيعة وخجل افظع… بعضي يمزّق بعضي…

عبد الكريم قطاطة

ما ابشع ان نعيش الخذلان… ما ابشع ان نلوك الفراغ… ما ابشع ان نريد الصراخ ولا ينطلق اللسان… ما ابشع ان يبكي داخلنا دون دموع …. (غمّيت راسي) وتمرقدت… كان الف سؤال يدور بداخلي… هل فشلت يا عبدالكريم في اوّل تجربة مهنيّة في حياتك كمخرج ..؟؟ لا لجنة متابعة البرنامج عبّرت عن اعجابها بذاك المولود… مالذي حدث ؟؟؟ لماذ وقع حجب البرنامج دون ايّ تفسير ؟؟… الهذه الدرجة يحتقرون صاحب العمل… ؟؟؟ ولم استفق من بعثرتي الداخلية المبعثرة الا وانا اطرق صباحا باب المدير… لم ار قبل ذلك ايّ وجه… لكأنّي مجرم شنيع الفعلة يتحاشى انظار الاخرين… بل يومها وددت لو امسكوني بجريمة ما واسدلوا على وجهي تلك الخرقة السوداء حتى لا أرى ولا اُرى…

لست ادري تفاصيل ما حدث ذلك الصباح وانا اخرج من حوشنا حتى وصولي الى باب مكتب المدير… كان هنالك ضباب على عينيّ كي لا ارى شيئا ولكن الافدح الضباب الداخلي الذي عشته… كان كل همّي ان ينقشع… فتحت الباب ولا اتذكّر حتى ان سلّمت على المدير يومها ولكن اتذكّر جيّدا انّني ودون مقدمات سألت: علاش ما تعدّاش برنامجنا ..؟؟ نظر اليّ سي قاسم المسدّي وقال: اقعد ارتاح… كان يحسّ بأنّ في كل حرف من سؤالي (علاش ما تعدّاش برنامجنا) كومة متنقّلة من الوجع …هو يعرفني جيّدا لذلك قال (اقعد ارتاح)… هو يعرف انّ الراحة وقتها يستحيل ان تجد منفذا لي قبل معرفة السبب…. ثمّ اضاف …شربت قهوتك ..؟؟ لم انتظر لحظة واحدة واردفت بكثير من الالم والغضب: يبارك فيك سي قاسم ..علاش ما عداوش البرنامج؟…

لم يجرؤ على النظر اليّ وقال بصوت نصف هامس ونصف متألّم: ما تعدّاش وماهواش ماشي يتعدّي ..وهذي امور تتجاوزني وتتجاوز برشة ناس … لهجته الجدّية والحازمة نزلت على مسمعيّ كصاعقة… كاعصار مدمّر … كـ”تسونامي” خيبة … اجابته عندي كانت ضافية ولم تكن شافية بل هي اشبه بالنكبة … ان يقول تلك امور تتجاوزني وتتجاوز برشة ناس … تعني عمليّة وأد لحلم كم هو كبير … سألت: من وراء القرار؟ …لم ينظر اليّ… كان يوهمني بأنه مشغول ببعض الملفّات على طاولة مكتبه ..وكنت الاحظ انّه يقلّب نفس الورقة عشرات المرّات دون ان يقرأ كلمة واحدة منها… كان يُخفي وجعه هو ايضا … قال ردّا على سؤالي: ما نعرفش… وكنت واثقا انّه يعرف…

نهضت من مقعدي كجندي يحاول ان يلملم آثار هزيمته ويمشي على جراحه، طمعا في ايهام نفسه بأنه خسر معركة ولم يخسر حربا… قلت له: اوكي وبعد؟ … انذاك رجاني بأن اهدأ لأنّ له ما يضيف… جلست على مضض… وقتها اشتهيت ان اكون من اولئك الذين يتسلّون بقضم اظافرهم … انا اكره ذلك جدّا ولكن في تلك اللحظات العسيرة وددت ان اقضم ليس فقط اظافري بل انملة من كل اصبع ضغطت على زرّ من ازرار طاولة المونتاج (وانا “زعمة زعمة”اتفنن في اتقان تلك العملية، ما فائدة ان تتقن اناملك شيئا ما ثمّ يُرمى بما صنعت في قمامة الارشيف دون رجعة؟) … نظر إليّ سي قاسم وقال: شوف خويا عبدالكريم توّة اللي صار صار… وانت قادر على كل التحدّيات سواء كنت هنا او هنالك…

قطّبت جبيني باستغراب وقلت: آش معناها ؟؟ اعاد سيناريو التجوال في ملفّاته وقال:معناها تونس … صمتّ للحظة وجيزة وقلت بسخرية: آش معناها تونس ..؟؟ عاد ليلبس جاكيتة المدير وقال: الادارة العامة تحبّك ترجع لتونس … وانت كادر (اي اطار) ومؤسسة التلفزة في حاجة الى خدماتك وخاصة لكفاءتك …. (هكّة هوما في جلّهم كمديرين ينفخولك في صورتك بكلمات رنانة من نوع كفاءتك ومهاراتك وانت ما عندناش منك برشة، ويوصلو حتى للواجب الوطني وموش يعجبك تولّي في قائمة اصحاب الخيانة العظمى اذا ما تقبلش موقفهم )…اما يحبو تحت من يمرد. وقتها وبكل … سمّوه ما شئتم غرورا عنادا اعتدادا مفرطا بالنفس .. مخّي تسكّر… قُضي الامر واُغلق باب التعقّل عندي .. وبالكاد كنت نسمع في المدير وهو يقلّي: وما نحبكش تجاوبني توّة نعرفك متأزّم … امشي خوذ ثلاثة اربعة ايام راحة وبعد ارجعلي نحكيو …

نظرت اليه وقلت له اوكي ..خوذها من توّة ومانيش متأزّم زادة …لن اعود للعمل في تونس العاصمة ولو كلّفني ذلك فقدان وظيفتي …ربّي يعينك ..وغادرت دون انتظار اي ردّ منه… وللامانة تركني اغادر دون الحاح او ما اسمّيه انا حصار المسؤول في ايّة ادارة وبطرق فوقية آمرة وهو يريد اقناع الموظّف بشتّى الوسائل بمنطقيّة القرار تنفيذا لأوامر السلط العليا … لم اذق قطرة خمر واحدة في حياتي …ولكن يومها وددت لو اسكر بالخمرة حتى الثمالة …الزطلة انذاك كانت محرّمة رغم انّ البعض من آبائنا واجدادنا (وابي واحد منهم) كانوا يغرسون خفية نبتة الخشخاش وهي من المزطلات انذاك …

(يوم كبرت قليلا ـ في سن التاسعة ـ شلّقت بوجود نبتة الخشخاش في ركن منزو من جناننا… فسألت الوالدة عنها وقالت لي انّها نبتة برّية تنمو وحدها وهي عديمة الفائدة …لكنّ اجابتها لم تنطل عليّ… سالتها: اذا كانت برّية ولا فائدة منها لماذا لا يقلعها ابي عند قلع الحشائش؟… عيادة رحمها الله فهمت انّ المنجل وحل في القلّة … وحتى تستبق القادم امرت الوالدة باسلوبها الليلي الوالد ان يتخلّص منها ونهائيا … وانّى لرجل انذاك ان يلوي العصا في يد زوجته عندما تستغل نقاط ضعفه ليليّا ؟؟؟ حتّى سي السيّد (بقوتو وصولجانو) يكذب على نفسه وعلى اترابه لو اقرّ بعكس ذلك … اشبيكم راهي الوسّادة وما ادراك … لذلك تنهار الصولجانات امام التهديد بوسائد خالية مع زوجات بارعات في مسك الصولجان من حيث يجب مسكه … وسامحوني على هذي التخريجة الماسطة ولكن صدقا ذلك كان واقع جلّ الرجال في ذلك الزمن …الان… فيهم وعليهم…)

وانا اخرج من مكتب سي قاسم وددت ان اغطس في زطلة غامرة …لا عشقا لها بل هروبا من الوحش الكاسر الذي كان يسكنني …وحش الشعور بالخذلان …لم اشأ يومها رؤية ايّ كان واستحلت سائق سيارة اجرة دون ركّاب ودون اجرة ..امتطيت سيارتي (الزمردة الحمراء) واذا كان ابو نواس قد وجد الحلّ عندما قال: (عاج الشقيّ على رسم يسائله .. وعجت اسأل عن خمارة البلد) … فانا عجت اسأل عن هذا القدر الذي المّ بي ولكن خاصة عن الاقدار التي تنتظرني … قضّيت يومها اطوف من طريق الى طريق وكأني عون توبوغرافيا اسائل كل محطة ..كل حجر ..كل شجر …لماذا ….؟؟؟ ثمّ ماذا …؟؟ ومع كل نقطة كيلومترية اتجاوزها اشعر بداخلي يتضخّم عنادا وكسوحية راس ..لن اعود الى تونس العاصمة .. انا لن اعود اليك …مهما استرحمت دقّات قلبي ..تلك كانت واحدة من الاغاني التي يرددها داخلي وانا اهيم على وجه الطرقات … ذلك كان موقف العقل والقرار فيّ ولكنّ المقطع الذي طغى علىّ عاطفيّا لم يكن الا لحليّم …موعود معايا بالعذاب يا قلبي .. ولا بتهدا ولا بترتاح في يوم يا قلبي يا قلبي …

وها انا في صباح اليوم الموالي امام مكتب المدير اطلب من سكرتيرته الاذن بالدخول …وجدني سي قاسم امامه وبابتسامة مفبركة قال ..تي اشنوة صاروا الثلاثة ايام ..؟؟ موش تفاهمنا ترتاح شوية وبعد نحكيو؟… جلست وقلت له بكل حزم لا يدع له اطلاقا مجالا للتحاور : شوف سي قاسم موقفي راهو موقف مبدئي …انا مانيش بيدق امس يبعثوني رسميا لصفاقس، غدوة يقولولي ارجع لتونس، وبعد غدوة يبعثوني لرجيم معتوق …انا ما غلطتش ومهما كانت اسباب ايقاف نواة الانتاج التلفزي وما يهمنيش اشكون وراها، مستحيل نرجع للعمل بتونس العاصمة… ولمعلوماتكم وهذه عرفتها بعد 7 نوفمبر، ان حاشية الرئيس بورقيبة مثلما ارادت بعد انطلاق بث اذاعة صفاقس ايقافها بداعى المصاريف الزايدة ولم تفلح… والفضل يعود للمرحوم عبدالعزيز عشيش في اقناع الرئيس بجدوى اذاعة جهوية اعلاميا جهويا اوّلا ثم اقليميا و اعني بذلك تاثيرها على الشقيق في ليبيا …نجحت نفس الفئة الوسواسة الخناسة والتي تكنّ لنا حبّا رهيبا في عدوانيته تجاهنا والمتواصلة لحد كتابة هذه الاسطر…. نجحتْ هذه المرة في اقناع بورقيبة بايقاف نواة الانتاج التلفزي ولنفس الاسباب و يضيفون: يخخي اما ابجل النواة في صفاقس او في المنستير ؟؟

لاعد بكم الى حواري مع سي قاسم قلت وباصرار تام: “هذا موقفي امس واليوم وبعد ثلاثة ايام وبعد ثلاثة قرون …وانا نعرف اش نقول ومسؤول علّي نقولو وما تخليش روحك لسان دفاع عنّي… انا اتحمّل كلّ تبعات قراري ولو ادّى ذلك الى رفتي من المؤسسة … انا يوميا نجي للاذاعة لأني موظف بمؤسسة وعليّ حتما ان اسجّل حضوري… ابلغْهم بموقفي وسانتظر قرارهم وساتقبّله بكل رحابة صدر “… وقتها تأكد سي قاسم نهائيا انّني حازم قطاطة موش عبدالكريم قطاطة … قال لي بكل هدوء: ما نعقّدوهاش …امشي ارتاح ويعمل الله …احسست وقتها بأنه متعاطف معي ولكن ما الحلّ … ؟؟

بقيت اسبوعا كاملا وانا امارس كارثة الذهاب يوميا الى الاذاعة مع مطلع الساعة العاشرة صباحا … نعم كان الذهاب الى مؤسسة يرمقك فيها البعض بشفقة والبعض بسخرية كارثة ..فلا عيون الشفقة تريحك ولا عيون السخرية حتى لا اقول الشماتة تريحك … ولكن كان عليّ ان اتحمّل سياط تلك النظرات … قد اكون افلحت في ابداء موقف اللامبالاة امامهم ولكن نظراتهم كانت تُخلّف بعض الكدمات والجروح بداخلي … اذ كيف لذنب من لاذنب له ان ينظر اليه الاخر بعين السخرية …ثم اما كان عليهم ان يعرفوا انّ ايقاف نواة جهوية للانتاج هو صفعة لاذاعتهم ولمدينتهم قبل ان تكون صفعة لصاحب المشروع …هكذا نحن في جلّنا ننتبه لصغائر الامور وننسى الاعمق فيها .. نحن لا يمكن ان نكون ملائكة نعم …ولكن اليس علينا ان لا ننزل الى خندق ودرك الشياطين ..؟؟

ينقضي الاسبوع الاول من الشوماج المفروض عليّ … بطالتي كانت ثقيلة جدا زمنا وفكرا وروحا … هو اسبوع واحد فقط ولكنه بحجم قرن من الزئبق … في يوم اثنين من بداية الاسبوع الثاني ما ان ولجت مدخل الاذاعة حتى همس لي الحاجب …(سي قاسم يحبّ عليك) … ووجدتني بمكتبه …اهلا سي عبدالكريم ..ايّا اش عملت ..؟؟؟ سؤاله استفزّني جدا ..الى درجة انّي كنت على ابواب مغادرة المكتب دون الردّ عليه …الا انّ شيئا ما بداخلي قال لي الهدوء يا كريّم الهدوء …. وبحسّه المرهف فهم انّ هنالك غضبا بداخلي من جرّاء سؤاله فاستطرد بسرعة … حبيت نقللك ايّا اش نعملو ….. وقتها احسست بالسؤال الغمامة الذي قد يحمل غيثا.. فاجبت: اللي تشوفو باستثناء العودة الى تونس …

ابتسم وقال: “انت قبل كنت في التلفزة تعمل في بعض الريبورتاجات في الحصص الثقافية مع سي خالد التلاتلي ومع خليفة شاطر …وحتى في فرانسا كيف كنت تروّح في العطلة متاعك عملت خواطر الظهيرة هنا في اذاعة صفاقس” ..قلتلو ..نعم وهو كذلك ..قال لي: انت جاي من فرنسا واكيد ملمّ بالاغنية الغربية وانا عندي برنامج يقدّم فيه عبدالجبار العيادي حول الاغنية العالمية واسمو انغام السابعة اش قولك تخدمو معاه …. ؟؟؟ الفكرة استهوتني بسرعة ..اولا لأنّ البطالة اشنع ما يمكن ان اعيشه وانا الذي ما كنت بطالا يوما .. ثم ولعي باباطرة الاغنية العالمية شجعني على القبول … قبلت الاقتراح حتى دون السؤال عن هذا الحل ..هل هو اقتراح شخصي منه …؟؟ هل هو باتفاق مع رئاسة المؤسسة …كان داخلي يدفعني دون اي تردد او احتراز للقبول ..البرنامج كان يوميا من الساعة السابعة مساء الى الثامنة ليلا ….

التقيت بالزميل عبدالجبار وعرفت انّه متعاون خارجي ومولع بالاغنية الغربية … وبدأت الرحلة المشتركة معه …كنت استمتع جدا باختياراتي الغنائية والتي كان يقاسمني فيها عبدالجبار… الموقف لست ادري مجاملة او اقتناعا …وتلك كانت اوّل محطّة للقائي بنوعية معيّنة من مستمعي اذاعة صفاقس ..فئة تعشق الاغنية الغربية ..كان هناك تجاوب منذ الحلقة الاولى ..كنت صوتا جديدا لا غير ..لكن يبدو انّه لقي تجاوبا مع اذن المتلقّي ..قلت صوتا جديدا فقط لأن جانب الفكر او الموقف كان محدودا جدا …اذ لا يتجاوز التعريف باغنية ما او بصاحبها وفي احيان قليلة بمضمونها اذا كانت من النوع الهادف … في تلك الفترة كان زميلي عبدالجبار متعاونا خارجيا …وهذا يعني في نهاية السبعينات بعض الدنانير التي لا يتجاوز محصولها الشهري 90 د، وعند حذف الاداءات تصوروا ماذا يتبقّى في جيبه …

ارتأيت وقتها ان اناقش الامر مع سي قاسم حول ما يمكن ان يحدث لموعد السابعة ولزميلي عبد الجبار …قلت له بكلّ ايمان: انا لم آت هنا لاقضي على مدخول شهري بسيط لمتعاون كم هو في حاجة لما يتقاضاه ..هل هنالك حلّ آخر في الشبكة يُرضي الجميع …؟؟؟ قال لي حاليا لا … ولكن هل ترضى ان تكون في برنامج يومي من العاشرة صباحا الى منتصف النهار ويُعنى بالاهداءات الغنائية …. نظرت اليه وقلت …توة هذا تسميوووه برنامج اذاعي فيه اهداءات …توة هذا موش تخلّف اذاعي ..؟؟ قال لي انا معك ولكنّه حاليا وفي الاذاعات الثلاث (تونس وصفاقس والمنستير ) هو البرنامج الضارب رقم واحد . وتوة فيه منجي عزالدين وحسناء بن صالح ادخل معاهم وشوف .. قلت هل استطيع ان اغيّر فلسفته تدريجيّا ..؟؟؟ قال لي وبكل صدق وتشجيع كامل: اعمل فيه اللي تحب… كارت بلانش …

وقبلت وتركت موعد السابعة الى صاحبه ودخلت في تجربة كم هي فريدة من نوعها وكم هي جزء هام من اقداري… كان ذلك في ديسمبر 1979 … انه من البريد الى الاثير …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار