تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 64

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

الخيبة التي لا تُولّد شرارة الانتفاضة تعني الموت … والحلم الذي لا تحدّي فيه هو كحلم مهزوم نخرته النكبات واستسلم للخرف ..

عبد الكريم قطاطة

هكذا كنت اردّد مع عبدالكريم الآخر وانا اغادر حوشنا لأعانق اوّل مرّة مصدح من البريد الى الاثير، خيبة فشل النواة التلفزية وقبرها، وتحدّي الواقع الاعلامي الباهت انذاك… اذن لابدّ من رؤية اخرى ومستمع آخر ورسالة… في تلك الفترة كان هناك اسمان فقط شغلا الناس اذاعيا… المرحومان صالح جغام ونجيب الخطاب وقبل دخولي دنيا التنشيط كنت من ضمن مستمعيهما وباعجاب… كانا مختلفين جدا وكانا دوما متنافسين جدا في الخفاء والعلن… عندما عدت من باريس بعد اتمام دراستي في العلوم السمعية البصرية اصبحت استمع اليهما باذن ناقدة وفهمت من خلال دراستي معنى الاختلاف لديهما… كان نجيب ممتعا جدا وكان صالح مقنعا جدا… والتنشيط علميا هو الذي يحقّق المعادلة بين الامتاع والاقناع… وكانت الثغرة التي عملت من خلالها على تحقيق تلك المعادلة…

هذه كانت النقطة الاولى في استراتيجيّة عملي… الثانية تتعلّق بالمستمع التونسي في تلك الفترة… هو امّا سلبيّ للغاية بطبعه او مفقود تماما لأنه مغيّب اراديّا من لدن السياسة الاعلامية حتى تتجنّب اخطار وجوده كفاعل وشريك في المشهد… اي (فكّنا من بلاه)… وهذا كان بالنسبة لي تحدّيا كبيرا حتّى اجر السلبي جرّا الى ساحة اعمال الفكر اوّلا، والى تحطيم جدران الكهف ليخرج الى النور… هذا من جهة، ثمّ اجبار اباطرة الاعلام على حلحلة مواقفهم وبتدرّج قد يصل بهم يوما الى الخضوع لواقع اعلامي آخر…

المفصل الاخير الذي خطّطت له هو الرسالة… انا ترسخت لديّ قناعات من خلال تكويني المعرفي من ناحية وحسّي الوطني من ناحية اخرى، انّ السلطة الرابعة هي ديكور باهت اذا لم يكن المنضوون تحت لوائها اصحاب موقف واصحاب رسالة … ومن ثمة كنت ومازلت اعتبر الحياد كذبة كبرى والاعلامي الذي لا موقف له هو اشبه بـ”روبو” يعبث به من يشاء عندما يضغط على زرّ من ازراره كي ينفّذ فقط ما يريد الضاغطون عليه من مواقف… وهو ما نسميه الان اعلام الاجندات… كنت ومازلت اومن بأن لا اجندة الا للوطن وللانسان.. وفي هذه النقطة بالتحديد لا فُضّ فوه الكاتب المغربي المزلزل محمد شكري وهو يتحدث عن مهمة الكتابة والكاتب فيقول: {انّ مهمة الادب الاساسية كما اعتقد هي الاستنكار والاحتجاج والتمرّد على كلّ واقع مسكون بالبؤس والعفونة والاستغلال البشع}…

اليست هي ايضا مهنة ورسالة الاعلامي ..؟؟؟

عندما اقترح عليّ المرحوم قاسم المسدّي المساهمة في برنامج من البريد الاثير سعدت جدا بتلك المساحة اليومية من العاشرة صباحا الى منتصف النهار… سعدت لا لتوقيتها او مدّتها او معدّل بثها اسبوعيّا… بل لانّها مساحة اذاعية متخلّفة جدا في مضمونها… اذ ماذا يعني ان نبقى ساعتين يوميّا فلان يُهدي اغنية لفلانة و فتاة تُهدي اغنية لأمها وهي تقطن معها تحت سقف واحد .. ايّة جدوى في ذلك ..؟؟ ايّة رسالة .؟؟؟ والغريب ان تلك الاهداءات في الاذاعات الثلاث وفي نفس التوقيت … الان ستفهمون اكثر معنى سعادتي .. كنت كذلك الفلاح الذي يجد نفسه امام ارض خصبة ولكنّها جدباء لا تنتج شيئا ..اليس عليه ان يشمّر على ساعديه للحرث والزراعة …؟؟؟ في انتظار مطر اوّلا وحصاد ثانيا … وعلى هذا الفلاح ايضا ان يعرف ماذا وكيف ومتى يزرع .. حتى تتحقق معادلة الامتاع والاقناع …

في من البريد الى الاثير بدأت خطوتي الاولى ولمدّة شهر كامل اقدّم تحيّتي ومعها قصيدة شعر لنزار قباني فقط واترك الاستوديو لمنجي وحسناء لتقديم اغاني الاهداء ..كنت اجسّ النبض …ومنذ الاسبوع الاوّل بدأ الغيث النافع يهلّ على زرعي ..شعر القباني والقاء عبدالكريم (ضرب) وبريد المستمع بدأ يتكاثر … بعد ذلك الشهر ادمجت اوّل ركن لصحافة الموقف في البرنامج وكان (قرأت سمعت شاهدت)… ضرب هو ايضا رغم الليونة والهدوء في تعاليقي حتى لا اثير قلق المراقبين واولاد الحلال… من داخل الدار ومن خارجها وتكاثر تكاثُر البريد . ثمّ جاءت دعوتي للمستمع للفعل التشاركي ..لاخراجه من قمقم المستهلك واخترت له ابسط السبل: انتقاء حِكم او مقولات واسميت الركن (كلمات من ذهب)… ثم تلته اركان اخرى لمزيد تفعيل دور المستمع في انتاج البرنامج…

ثم جاء دوري لاكون بجانب هذا المستمع في محيطه في بيئته في بيته وانا اتنقل اسبوعيا كل احد لزيارته على عين المكان ولتسجيله كعضو فاعل بصوته ..بكيانه ..بمشاعره ..بآماله وما اجمل الآمال ..وبآلامه وما اجمله وهو يئن امام المصدح انينه الصادق …. الركن انذاك (مع احباء البرنامج على عين المكان) ..وهو ركن اتاح لي زيارة معظم مناطق تونس التي لم اكن اعرفها من قبل واتاح للمستمع ان يوصل صوته … اليس ذلك حقّه المشروع ..؟؟ ما قيمة الاذاعة دون حضور فعلي لمستمعيها …قلت فعلي واضيف فاعل ..لان المستمع الذي يكتفي بالحضور الباهت الماسط موجود وسيبقى موجودا اذا لم يأخذ المنشط بيده كي يرتفع به الى الاجمل والارقى… ولكن انّى لمنشّط ماسط وباهت وفارغ ان يرتفع بالمستمع ..وتلك هي معظم حالات منشّطي هذا الزمن الاحرف …. ضحك وتهنهين واستعراض عضلات ببعض الكلمات الفرنسية في حين ان جُلّهم لا يفرّقون بين les héros et les zéros الابطال والاصفار ، وهم ينطقونها في صيغة الجمع باللغة الفرنسية …

لنعد الى خرفاننا كما يقول المثل الفرنسي …كاينّي صعّبتها شويّة بهذا المثل الفرنسي على هاضوكا المنشطين اللي عمرهم ما كانوا منشطين …واللي البعض منهم دخلو بقفة زيتون او بالرمّان لبعضهن … هذي هاكة العام عملت زلزال كيف حكيت عليها ..ونساو اولاد الحلال اني استثنيت الزميلات الشريفات … ولي عودة لها عند اوانها لأني تعودت كذلك ان اقولها واُمضي ولا امضي…راجعين يا هوى ملوّث راجعين…هوى اعنيها وليست هواء …

تلك كانت استراتيجيتي في العمل ضمن برنامج من البريد الى الاثير .. تحسيس المستمع بعدم جدوى اغنية للاهداء والتقليص من وجودها مرحليا والقيام بعدعام واحد باستفتاء مع مستمعي البرنامج حول ضرورة بقاء ركن الاهداءات من عدمه ..وكان اوّل رهان اربحه .. المستمع ينادي بنسبة 90 في المائة بالغاء الاهداءات تماما وفسح المجال لاركان ومحتويات اخرى اكثر جدوى …وتضاعف بريدهم عشرات المرات… وكان بريدهم كما اسميته انذاك امانة حقا … اذ والله شاهد على ما اقول لم يطّلع ايّ كان على محتوى رسائل مستمعيّ ..ايّ كان ..علاقتي بالمستمع على مستوى الثقة تجذرت بشكل غريب … المستمع اصبح يعتبر المنشّط جزءا من حياته فيسقط عليه كلّ ما ينقصه في محيطه ..هو الاستاذ …هو الاب هو الاخ … هو الصديق …هو الحبيب ..هو الزوج … اي هو المفقود في الواقع المعيشي ..نعم …وهذا طبيعي جدا في غياب اي فرد من هؤلاء الذين ذكرتهم …انذاك سيُسقط على منشطه المفضل ذلك الدور بل ويتجاوز ذلك (وهي حالة لم يفهمها العديدون) المستمع وخاصة المرأة بفعل ظروفها الاجتماعية والبيئية التي حرمتها من عدّة اشياء… سيصبح المنشط بالنسبة اليها يقول الشعر فيها ولها وحدها ..كل الاغاني في الحصّة هي مهداة لها وحدها .. اي سيصبح المنشط عالمها الجميل في عالم لم تعش فيه يوما الجمال ..

ومن هنا جاءت غيرة العديدين من بعضهن البعض ..المرأة في مثل هذه الحالات تصبح لبؤة تغار بشدة على قرينها … لكن ما لا يعرفه الكثيرون من مستمعيّ ان بعض الرجال هم ايضا يغارون ..اما من المنشط على زوجاتهن ..وهذا اراه معقولا .. حتى ان بعضهم، وهذه حالات علمت بها منهم، كاد يُنهي حياته الزوجيّة نظرا إلى تعلّق زوجته المفرط بمنشطها …وذات يوم جلسا لمناقشة امر الطلاق فطلبت الزوجة من زوجها بكل رجاء ان يستمع مرة واحدة الى ذلك المنشط… فاذا به يُصاب هو ايضا بادمان العشق … وانتهى الخلاف… والقصص لا تعدُّ ولا تُحصى في هذا الامر ..

ومن جهة اخرى هنالك من المستمعين من يغار من المستمعات في حبّهن الغامر للمنشّط ويعتبرون انفسهم مهضومي الجانب عندما يقرؤون او يسمعون اشياء من النساء من نوع (هاكة متاعي وحدي) .. يوما ما، دخل واحد منهم على الخاص ليُعبّر لي عن غضبه من مثل هذه الظواهر بالقول (حتى احنا عندنا باي فيك ومتاعنا زادة)… تحدثت عن هذه الامور من اجل التوثيق… اولا لاني لست دون جوان ولا كازانوفا ولا جيجي لاموروزو . ولم ارد البتة التباهي بهذه الاشياء . ولكن ما اردت ان اوصله لكم هو الآتي: ليس هناك ايّ سرّ في تعلّق المستمع بمنشّطه… هذا لن يحدث الا اذا تحققت معادلة الامتاع والاقناع واذا كان المستمع شريكا في البرنامج واذا كان للبرنامج رسالة سامية… رسالة في سطورها حب الوطن ..حب الانسان ..الدفاع عن المظلومين والتحالف وبصفة لا تجادل مع الجمال ضد القبح ومع الحب ضد الكراهية ..انذاك فقط يتعانق الانسان مع الانسان حتى وان لم يره يوما في حياته ..وهل هنالك اجمل من عناق الانسان للانسان … اعانقكم ودون عقد …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار