تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 73

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

سنة 1984 شهدت احداثا عديدة …اوّلها سنّ عادة الاحتفال بعيد ميلاد اذاعة صفاقس بسهرات خاصة بالحدث بشكل مباشر وفي جلّها دون انقطاع … وكان عليّ ان ابحث في كلّ مرّة وانا المشرف عليها اعدادا وتنشيطا عن اطباق مختلفة فانا لا اميل الى الدجاج عموما فما بالكم بدجاج الحاكم…

عبد الكريم قطاطة

ومن هذه الزاوية كانت سهرة 8 ديسمبر 84 مثلا تحمل عنوان (ضحك ولعب وجدّ وحبّ) وكما يشير العنوان اردتها متنوعة ضيوفا ومحتويات … علّق عليها بعض الزملاء في الصحافة المكتوبة (جريدة الايام وبتاريخ 17 ديسمبر 84) بالآتي: “هي سهرة شدّت سمّارها الى السادسة صباحا وخطأ عبدالكريم فيها انّه رفض ان يسير على دروب عبّدتها آلاف الاصوات قبله، ثمّ انّه اراد ان تكون سهرة للجميع في اذاعة الجميع فجمع في الاستوديو عيّنات مختلفة من الناس الذين يؤلفون المجتمع، وجعل من الاستوديو الضيّق بيتا لسهرة عائلية فيها حرارة وعذوبة وتلقائية وابتسامات تخرج من الاعماق”…

سنة 84 كذلك شهدت تغييرا في سدّة الحكم في ادارة اذاعة صفاقس حيث انتهت مهمّة السيّد التيجاني مقني على راس ادارتها وعُيّن السيّد محمد عبد الكافي مكانه … زميلي محمد عبدالكافي رحمه الله اعرفه منذ كنت اعمل بالتلفزة التونسية… كان مراقبا للبث التلفزي وكنت التقي به كلّما عملت بشريط الانباء بالقاعة التقنية للبثّ المباشر… حيث اعمل من جانبي على متابعة الاشرطة الاخبارية التي اقوم بمونتاجها ويعمل هو بشكل دوري مع عدد اخر من مراقبي البث، للسهر على حسن بث البرامج في مرحلة اولى وتقديم تقرير لرؤسائه حول فترته تلك في مراقبة البث …

بالكاد تنحصر هنالك معرفتي به … لكن وعند اشرافه على اذاعة المنستير كمدير لها، كان وكما اسلفت يحث المنشطين في تلك الاذاعة على الاستماع لعبدالكريم ومحاولة القيام بانجاز برامج تنتهج منهجه … وللامانة وهذا ما اسرّ لي به شخصيا عند فترة صفائنا التي جاءت بعد زوابع، كان يفعل ذلك لا لسواد عينيّ بل لحثّهم على التجديد والخروج من خانة ما يطلبه المستمعون … خاصّة والصحف بمختلف خطوطها التحريرية كانت تشيد بتجربة الكوكتيل ممّا اهّله واهّل منشّطه لاحتلال المرتبة الاولى في الاستفتاءات التي تُجرى نهاية كل سنة … والذي اعتبرت من زاويتي وبكلّ صدق انّه بالاساس تتويج لمستمع جديد تفاعل وفعل وكسّر قيد الخمول والسلبية … قد اكون ساهمت بقسط ولو يسير بجهدي وبثوابتي …ولكن كنت ومازلت اؤمن بأنّ ايّ انتاج لا يكون فيه رجع صدى من المتلقّي هو انتاج فاشل ولا دوام له …

سنة 1984 شهدت ايضا حدثا اعتبره من اهمّ محطّات حياتي … كنت منذ صغري مولعا لحدّ الوله بالكتابة …انا ابن شعبة الآداب وانا تلميذ لقامات في مادة العربية بدءا بمعلّمي في الابتدائي المرحوم علي الشعري وصولا الى استاذي في المرحلة الثانية من التعليم الثانوي شعبة آداب الكبير سي محسن الحبيّب اطال الله عمره … كنت مشروع جدول صغير وكان اساتذتي روافد لهذا الجدول… ولم افوّت ايّة فرصة لافكّ قيود قلمي من الاسر … لذلك كانت لي محاولات لا تعدو ان تكون خربشات مراهق في بدايتها ثمّ تطوّرت مع تقدّم السنوات الى مقالات صحفية بداتها مع الزميل محمد مصمولي في مجلّة الهدف ثمّ مع عديد العناوين الصحفية …لم تكن كتاباتي منتظمة وكانت كوكتيلا هي ايضا من المواضيع لعلّ اهمّها النقد التلفزي وباسماء مستعارة، اذ انّ القانون الاساسي يمنع منعا باتا ذلك… وحتى الكتابة في مواضيع اخرى تتطلّب ترخيصا خاصا من رئاسة المؤسسة … الاّ انّي تعاملت مع الكتابة على طريقة يوسف شاهين وهو يتحدث عن الرقابة … هو يقول: على الواحد منّا ان يكون اذكى من الرقابة واذا اوقعته الرقابة يوما في شراكها فالعيب فيه وليس فيها …

في اكتوبر 84 هاتفني الزميل نجيب الخويلدي الذي كانت تربطني به زمالة وصداقة ليقول لي (نحب نشوفك في اقرب وقت في تونس)… وكان ذلك … كلّ ما اعرف عنه انذاك انّ علاقته كرئيس تحرير لجريدة البيان انتهت .. يوم اللقاء كان ثالثنا رجل بدين اسمر بشوش قدّمه لي بالاسم واللقب فقط ثم طفق يحكي عن مشروع صحفي جديد يحمل كعنوان “الايام” … للامانة قال فيّ يومها وامام هذا الرجل البدين الاسمر برشة كلام سمح ….فعلّقت عليه فقط بالقول (ما يغركش يا سي محمد ـ مدير الجريدة ـ راني خايب برشة ومشاكلي زادة) … قهقه رئيس التحرير نجيب الخويلدي والمدير محمد زين العابدين، وشرعنا في الجدّيات …اسرّ لي يومها خويا نجيب بالاسماء التي ينوي التعامل معها في هذا المولود الجديد والتي اعرف البعض منها واجهل اغلبيتها واتفقنا على ان اقوم بتامين صفحة اسبوعية متعددة الاغراض تحمل عنوان (ملاحظات مواطن عادي جدا)… للامانة ايضا لم يتقدم ايّ منهما بأيّ شرط لا في نوعيّة الكتابة ولا في شكلها … وللامانة ايضا لم نتناول الجانب المادي اطلاقا … ولمعلوماتكم لم اقبض مليما واحدا عن كلّ ما كتبته في جريدة الايام …

وجاء يوم 5 ديسمبر 1984 ليصدر اوّل عدد من جريدة الايام عندما فتحت الجريدة كأي قارئ فوجئت اوّلا باسماء عديدة نكرة ولكن فوجئت بنوعية جديدة في التعاطي الصحفي … يمكن حوصلة انطباعي الاوّلي في (هو جيل جديد من الاقلام) لعلّ اهمّ ما يميّزها اختلافها الكلّي في طرح المواضيع …كانت هنالك بصمة خاصة بكلّ قلم …فاذا كنت اعرف اقلاما كالهادي السنوسي ويوسف رزوقة والمنذر القلعي علاوة على نجيب طبعا، فانا اكتشف ولاوّل مرة اسماء من فصيلة عبدالقادر المقري والزمزاري والبديري والواد واصغرنا وليد التليلي وهو طالب انذاك وغيرهم … يومها كانت تحية التقديم والتعريف بالمولود الجديد كما يلي: (قراءنا الاعزاء مرحبا بكم هذا هو العدد الاوّل لجريدتكم ° الايام ° وسواء اقتنيتموها يوم الاثنين او يوم السبت فالامر سيّان، لانّ ما تحتويه بين طيّاتها يبقى صالحا للمطالعة والاستفادة كامل الاسبوع… وكما يقول المثل وراء كل عظيم امراة فانّ وراء كلّ عمل جيّد رجالا ارهقوا انفسهم وتصبّب عرقهم طويلا حتّى يقدموا لكم باقة يانعة واطباقا شهية من الغذاء الفكري المفيد، ترفل جميعها في حلّة قشيبة كأنّها عروس في ليلة زفافها وقد راينا في هذا العدد الاوّل ان نقدّم اسرة التحرير حتى يتواصل الترابط الروحي بينكم وبين كل فرد فيها) …

الزميل محمد الهادي البديري هو من تكفّل بتقديم الاسرة وهذا ما كتبه عنّي: (عبدالكريم قطاطة اشهر من نار على علم في مناطق الوسط والجنوب… له مؤهلات اذاعية حملته الى راس قائمة المنشطين وعندما يتحدث اليك تشعر بحرارة الكلمة وصدقها اما كتاباته فسوف تكتشفونها في جريدتنا) … في جريدة الايام وبعد ما عشناه معا من حلو الايام ومرّها رغم اننا لا نعادي ولا نجامل .. اكبر كسب كان بالنسبة اليّ التعرّف على اسماء اعتبرتها وما زلت اعتبرها قامات في العمل الصحفي الناضج الواعي والممتع ….ودون ادنى شك يتصدّر هذه القائمة الكبير عبدالقادر المقري … يومها في العدد الاول كان تقديمه كالآتي (له خاصيات جرير والحطيئة مجتمعين قلمه لا يرحم خصوصا اذا تعلّق الامر بنقد البرامج التلفزية والاذاعية وهو يطمح للزجّ بجميع المذيعين والمذيعات في غياهب النسيان حتى يستريح من اخطائهم وتخلويضهم)…. وصدقوني عندما اقول لكم انّ صديقي الغالي جدا عندي هو اعمق واجمل وارقى من ذلك بكثير …قدّور هو ضمير حيّ وقلم ينبض بعشق الجمال والحق والانسان …اما عن اسلوبه فيكفي ان اقول انه اسلوب مقري لا شبيه له…

في جريدة الايام كانت لنا اجتماعت دورية … تحتدّ فيها النقاشات … نختلف … ولكن كانت هنالك تجربة ديموقراطية حيث يخضع اي فرد منها الى منطق الاغلبية بمن في ذلك رئيس التحرير والمدير … كنّا حقّا انموذجا لاعلام صحفي مكتوب بديل … اذكر مرة اني ارسلت مقالا فوقعت صنصرته فكان المقال الذي يليه بعنوان (طز في نجيب الخويلدي) … اقرؤا ردّه على مهاجمتي له (الايام غرة جانفي 1985): “انا حزين متعب من الاتهام الذي وجّهته لي يا عبدالكريم… كنت قاضيا ومدّعيا عاما ومستشارا واصدرت الحكم ورفعت الجلسة… انا اعرف عبدالكريم واعرف افكاره وجرأته واحببت فيه الثورة والغضب وكتب لي يوما بعد ان ظلموه في اذاعة صفاقس وكنت بجريدة كذا … كتب بعنف وجمال وسخط وقوة ولم اجد الا الركوع امام كتابة رائعة فيها فن كثير والغام كثيرة ايضا… وقامرت بالكرسي الذي كنت اجلس عليه وظهر المقال وانتهت تجربتي مع تلك الجريدة…

ولما قدمنا طلبا للحصول على تاشيرة الايام كان عبدالكريم اوّل من فكّرت فيه ليكون واحدا من الذين” سيعلنونها حربا في عمر حرب البسوس ضدّ الشرّ ضد الظلم ضد الامتيازات ضد الوصوليين واشباه الرجال… ولاني اعرف ان الكتابة هي فلذات كبد، اقول دائما لزملائي ليست لي الجرأة لحذف ولو كلمة واحدة فانا لست جزارا واعرف ان الكلمات تولد في الروح … كلّ ما في الامر انّ مقالك حوّلته لزميلك الهادي السنوسي باعتباره المشرف على الصفحات الرياضية الا انه رفضه … وامام تمسكي به تحوّل الى صفحة اخرى بها اركان اخرى وهنا تصرّف احد الزملاء فيه حتى يحافظ على كل اركان الصفحة… هذا كل ما حدث وادّعي انّي صادق والله يشهد على ما قلت”…

ويختم نجيب بالقول: “عبدالكريم اريدك ان تفهم شيئا واحدا لعن الله رئاسة التحرير فالعنها معي … تبّا لهذا المركز فادعُ معي عليه بالهلاك… انا لم اطمع ولو يوما واحدا ان اكون مسؤولا لاني عاجز ان اسيّر نفسي فمن اين لي القدرة على تسيير الاخرين… انا اكفر بالكراسي وسي فلان وبالسكريتيرة والحاجب وبكل اشكال المرضى بالدعوة والنفخة والاريفيزم فهل تراني قادرا ان اكون مسهولا ناجحا … ربي يسامحك يا عبدالكريم”…

كان الحبّ اقوى خاصة والايام تتألّق بتعلّق متابعيها الذين اعتبروها حدثا اعلاميا فريدا من نوعه … ولي مع الورقات والايام القادمة عودة لجريدة الايام …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار