تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم .. الورقة 81

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

من خلال ما عشته سنة 87 وفي تجربتي مع عصابة الايام الجميلة في جريدة الاعلان ثمّ من بعدها ومع نفس المجموعة في جريدة الاخبار، ساحاول ان الخّص تجربتي وقناعاتي التي سكنتني ومازالت تسكنني مع الصحافة المكتوبة في حلّها وترحالها …

عبد الكريم قطاطة

قبل الخوض في تجربتي مع اصدقائي في جريدة الايام والاعلان والاخبار ثم انفرط عقدنا بعد هذه التجارب الثلاث (رغم محاولة عبدالقادر المقري لمّ الشمل في الجريدة الالكترونية جلّنار وفينا من استجاب وفينا من خيّر الابتعاد)، لابدّ ان اشير إلى انّ ولعي بالصحافة المكتوبة ابتدأ منذ مطلع السبعينات… كنت ساهمت ببعض المقالات في جلّ العناوين تقريبا (الصباح، الصدى، الراي العام، الشروق…) وكانت في أغلبها مقالات نقدية للاعمال التلفزية او السنمائية ..ولانّ القانون الاساسي لمؤسسة الاذاعة والتلفزة التونسية يمنع ايّ موظف فيها من المساهمة في الصحافة المكتوبة بمقال مّا مهما كان محتواه الا بترخيص مُسبق من الادارة العامة، التجأت انذاك للكتابة باسماء مستعارة، لعلّ اكثرها تداولا (ابن الزيتون)…

وجاءت التجربة الرسمية الاولى في جريدة ترأسها المرحوم محمد مصمولي وكانت تحمل كعنوان “الهدف”… وبدعوة منه وهو الزميل المنتج الاذاعي والتلفزي الذي يحظى بتقدير كبير من ادارة الاذاعة والتلفزة، تمتعتُ بالحصانة ..واذكر جيّدا انّ اوّل مقال لي كان حول زيارتي الرسمية للمغرب سنة 1974 كواحد من بعثة التلفزة التونسية لتغطية نشاط الزعيم بورقيبة في القمة العربية تلك السنة بالرباط… الا انّ عمر جريدة الهدف كان قصيرا جدا فعدت بعدها الى الكتابة باسماء مستعارة … وجاءت سنة 1982 سنة تعرّضي لايقافي الاوّل وابعادي عن المصدح… فاغتنمت تلك الاحداث لارسل مقالا طويلا حول عمليّة الايقاف احتلّ صفحة كاملة بجريدة البيان وكان العنوان (زوبعة باذاعة صفاقس).. وكانت تلك مناسبة ليتعرّف عليّ رئيس تحرير البيان نجيب الخويلدي، خاصة انّ المقال احدث تفاعلات غير مسبوقة من المستمعين الذين اصبحوا قرّاء ..اذن من الطبيعي ان امثّل للجريدة رقما هاما امام الكمّ الهائل من ردود الافعال ..

وتوالت الحوارات ليس فقط في جريدة البيان بل في عديد الجرائد الاخرى… لانّه وبمفهوم البيع والشراء عبدالكريم (ولّى اسمو يجيب) وهي نفس المنهجية الان في سائر الاذاعات …حتى ولو كان العديد من منشطيها هم سقط المتاع… (وقت تتكلّم مع احد المسؤولين وتقللو يا ولدي شنية هالشلايك اللي جبتهم يقلك اسمهم يجيب …وقيّد على هذي اللوبانة المُرّة) … نرجعو وين كنّا ..يوم فكّر نجيب في التكفّل برئاسة تحرير جريدة الايام فكّر في اسماء لا اعرف الكثير منها وعنها وفكّر في عبدالكريم ..وربّما ايضا لانّ (اسمو يجيب)… وكانت تجربة الايام والتي مازلت اؤمن بانّها افضل تجربة صحفية في ذلك الزمن لسبب اراه مهمّا جدا في العمل الصحفيّ ..

ما ميّز جريدة الايام انذاك انّ جلّ الاقلام ان لم اقل كلّها لم تكن دجاج حاكم .. كان لكلّ قلم اسلوبه نعم …ولكن الرابط المشترك بيننا اننا فكريا كنّا نرفض ايّ تدخّل سلطوي، سواء كانت سلطة التحرير وصاحب الجريدة او سلطة النظام … لذلك كان التآلف مع قرائنا كبيرا ورائعا … في المقابل عيون الرقابة كانت تترصدنا… ويوم حاولت السلطة الضغط على الجريدة وعلى خطها التحريري قدّمنا استقالتنا الجماعية وكنت انا من قام بتحرير نصّ الاستقالة (زعمة زعمة زعيم العصابة) …

وما كادت تنتهي علاقتنا مع جريدة الايام حتى اغتنم المرحوم نجيب عزوز مدير جريدة الاعلان الفرصة ليتمكّن من اصطيادنا نحن عصابة الايام ..الاعلان انذاك كانت اسبوعية وكانت متخصّصة في جلّ صفحاتها للاشهار … ولكن كانت هنالك صفحة تحت اسم (آلو الاعلان)… الو الاعلان كانت تمثّل عمودا فقريا لقرّاء هذه الجريدة… ومن يكون محرّر “الو الاعلان” غير ذلك القلم الانيق الفينو لصاحبه الانيق الفينو المرحوم جمال الدين الكرماوي؟ ..وحتى اقدّم بطاقة تعريف جمال اقول هو لاعب كرة قدم فنّان في الملعب التونسي… وهو عازف فنان لآلة الغيتار… وهو قلم فنان في صياغة الكلمات ..هل فهمتم لماذا قلت عنه فينو ؟؟ السيد نجيب عزوز قرّر ان يصبح صدور جريدة الاعلان مرتين في الاسبوع ..الجمعة كما كانت وبرئاسة جمال الكرماوي وعبد الحميد الرياحي وفريقهما ..والثلاثاء وهي المولود الجديد برئاسة نجيب الخويلدي ومعه نصف عصابة الايام …

وهنا آتي الى حقائق قد لا يعلمها نعظم القرّاء ..التنافس بين الاقلام الصحفية كان ومازال مشحونا بنرجسية مرَضية احيانا …جلّنا لا يعترف بقلم افضل منه ..اي نعم ..البعض منّا مازال كيف يكتب اربع كلمات غدوة يقلّك حسنين هيكل ما يلعبنيش ..هذا عيب من عيوبنا ومازال متفشيا حتى الان سواء في الصحافة المكتوبة او المسموعة او المرئية ..هنالك اقلام متميزة نعم ولكنّ البقية نحن مجتهدون لا اكثر … دعوني ابدا بمحاسبة نفسي وبعيدا عن التواضع الكاذب ..من انا امام محمد الماغوط عربيا وحتى محلّيا امام محمد قلبي رحمه الله او الطاهر الفازع باللغة الفرنسية ؟؟… قد اكون اخترت اسلوبا في الصحافة المكتوبة مغايرا للسائد وذلك عندما اتبعت اسلوب المنشط الاذاعي في كلّ ما كتبت لحدّ الان ..لكن لم ولن ادّعي يوما انيّ جهبذ من جهابذة الصحافة المكنوبة… بل وبكلّ صدق ايضا كنت استمتع جدا بكتابة جمال الكرماوي ونجيب الخويلدي والاكتشاف عندي وقتها والذي اعتبرته دوما حطيئة الصحافة المكتوبة، عبدالقادر المقري ..علاوة على كلّ افراد عصابة الايام لانهم وكما ذكرت لكلّ اسم منهم لون خاص شكلا ومحتوى …

التجربة مع جريدة الاعلان لم تعمّر طويلا ايضا خاصة بالنسبة لي لسببين… اولهما اني اتفقت مع مدير الجريدة على ان تتكفل مطبعته باصدار كتابي الاول (ملاحظات مواطن عادي جدا)…وهو تجميع لمقالاتي التي صدرت في جريدة الايام وفي جزئها الاول والذي لم يتبعه جزء ثان… وذلك على حسابي الخاص مع الترفّق في الثمن ..السيد نجيب عزوز كان يكنّ لي تقديرا خاصا ووافق على طلبي دون شروط ولم يشأ حتى الحديث معي في ثمن الطباعة… وفعلا صدر الكتاب ..وكانت الصدمة ..لم يكن كتابا بل كان شبيها بكنّش كبير .. نعم صُدمت جدا بتلك النسخة التي تشبه كلّ شيء الا الكتاب ..

يومها بالتحديد تركت مكتب الجريدة بصفاقس الذي كنت اشرف عليه والذي سبق ان كان لجريدة الايام ودائما تحت اشرافي… ووجدتموني في مكتب مدير الجريدة حاملا الكتاب المسخرة ..سي نجيب رحمه الله رأى في عينيّ الحزن والالم فأدار ازرار الهاتف ليستدعي ابنه المشرف على المطبعة …نظر اليه بحدّة وقال ..هذا قدر سي عبدالكريم عندكم ؟؟… لم ينبس ابنه ببنت شفة ..وعاد سي نجيب يحملق في شبه الكتاب وامر ابنه بالمغادرة ..ثم اعتذر لي وقال: حتى فرنك ما تدفعو وان شا الله تسامحنا …ولكن بقيت كلّما نظرت إلى تلك العملية التي شوهت بعض الصفحات، اشعر بألم لم يفارقني ولمدّة ..

الحدث الثاني الذي جعلني اتّخذ قرار مغادرة جريدة الاعلان كان قاصما .. في سنة 1987 وقعت المحاكمة الشهيرة للنقابي المرحوم الحبيب عاشور ..كان من ضمن الاسماء التي تعمل مع الاعلان من صفاقس الشاب انذاك عماد الحضري ..عماد مافيا متاع اخبار ومتابعات ..حيوية ونشاط لا يتوقف ويلعب مع الشيطان يغلبو .. يوم المحاكمة والتي كانت بصفاقس تابع عماد اطوارها لحظة بلحظة ولم يغادرها الا بعد ان توصّل بوسائله الخاصة بنصّ الحكم (موش قلتلكم مافيا؟)…وحوالي السادسة مساء هاتفت الجريدة لنكون اوّل من يعلن في الغد وفي الصفحة الاولى وهو يوم صدور الجريدة لحسن حظنا، عن الحكم في قضية الحبيب عاشور ..انه سبق صحفيّ (قدّ الدنيا وضواحيها)… وهرعنا في الصباح الباكر ننتظر وصول الجريدة لكشك المرحوم النوري العفاس ..

وكانت الصدمة الثانية القاصمة والقاضية… لا وجود لايّ اثر لا في الصفحة الاولى ولا في الصفحة 5555 …(باهية هذي 5555) … طبعا امام هذا الحدث الجلل توقعت انه جاء امر فوقي بعدم نشر الخبر المنفرد ..هاتفت المدير فقال لي … نسأل ونرجعلك ….وتاخّر عن العودة لي.. ولم اطق صبرا اعدت الطلب فأجابني: (اعتذر لك ولعماد، وقعت عملية اهمال وسهو… هذا كلّ ما حدث) …انا عُرفت عند كلّ من عرفني انّي لا اثور بسرعة ولا اردّ الفعل بسرعة …اذن اشنوّة الدواء ؟؟ كابيسان في جرّة كابيسان والروايال منتوليه مغمّسا بحلوتي المعتادة كلمّا دخّنت سيجارة ..جلستي مع الخبر الطامّة الذي لم يُنشر ووقعه عليّ، دامت اكثر من ساعتين ..وعلى الساعة العاشرة تماما اعدت مهاتفة المدير لاعلمه رسميا بانتهاء العلاقة بيني وبين الاعلان ..لم اتركه يعقّب ..وانصرفت الى الشارع ابث له همّي ..كيف لجريدة محترمة ان تُهمل مثل هذه الاشياء وما ذنب عماد الحضري الذي سكن المحكمة وكواليسها يوما كاملا ليحصل على نصّ الحكم ؟؟

عدت الى مكتبي بعد ساعات من الطواف في شارع الضباب لاجد به الكاتبة الخاصة لمدير الجريدة التي نكنّ لها جميعا التقدير والاحترام( السيدة سليمة عبدالواحد) والتي ارسلها السيد نجيب لتثنيني عن قراري … ابتسمتُ ابتسامة ساخرة وقلت لها (يبدو انّك لم تتعرّفي بعد على عبد الكريم الخايب ..انا عندما اتخذ قرارا ويكون الحقّ بجانبي لن اتراجع) ..فهمَتْ انّي عنودي وراسي كاسح وخايب بالحقّ خايب …فقالت لي: (والحلّ؟)… انقضضت على تلك اللحظة الفارقة وقلت لها لن يُغلق مكتب الجريدة ..سيتكفّل به عماد ولن تندموا ..وكان ذلك… وانتهت التجربة مع الاعلان …

بعدها نفس مجموعة الايام ثم الاعلان انتقلت الى جريدة الاخبار ..لا اعرف عنها الكثير وحتى مديرها السيد بن يوسف لم اقابله بتاتا وكلّ ما اعرف عنه انه عسكريّ التكوين …ولكن وللامانة مع جريدة الاخبار كنت اتقاضى وفي راس كلّ شهر “كاشيات” مقالاتي وبانتظام… وهنا لابدّ من التذكير بانّي لم اشترط ولو مرّة واحدة في حياتي في الصحافة المكتوبة مقدار الاجر ..بل واضيف، باستثناء الاعلان والاخبار كلّ الجرائد التي كتبت فيها كتبت دون مقابل ولو فلس ولو صوردي منقوب… نعم دون مقابل… ولكن شريطة ان لا يُخضعوا مقالاتي للمقصّ…

وهنا لابدّ ان اتوجّه بتحية للصديق والزميل عبدالباقي بن مسعود الذي كان يشرف على القسم الرياضي في جريدة الصريح… اذ حررتَ مقالا حول لوبي الاعلام محليا وعربيا الذي اسسه سليم شيبوب كي يكون المدافع الشرس عن الترجي… للامانة، المقال كان “احرش” اي نعم احرش… وعبدالباقي كما تعلمون مكشّخ ولكن في نفس الوقت احترم مبدأ عدم تشغيل المقصّ معي… فخاطبني هاتفيا معتذرا عن عدم استطاعته نشر المقال… وللامانة ايضا قمت بارسال نسخة منه للزميل عادل بوهلال بجريدة اخبار الجمهورية فنشره حرفيا . وطبعا ما كان منّي الا مقاطعة الصريح نهائيا…

تجربتي تعلمت في ما تعلّمته منها ولم اتعلّم الاّ القليل… تعلّمت مقولة يوسف شاهين (الفنان يجب ان يكون اذكى من مقصّ الرقابة) ..بلغة اخرى، تسبّ شيبوب مثلا دون ان يمسك عليك تهمة السبّ وهذا حدث بيني وبينه وفي برنامجي الاذاعي سنة 2002 اذاعة بالالوان … وقد أبلغني احد المتعاونين معه في عالمه بردّ فعل ولد شيبوب بعد ان حمل له اولاد الحلال تسجيلا لما قلته فيه .. قال لي: (سليم بعد ما سمع التسجيل يقطّع في شعرو ويقول صحّة ليه ما خلاليش منين شدّو ولد …تييييييييييت) …هاكي هي بالضبط اللي جات في بالكم …

ملاحظة: ورقة اليوم من المفروض ان تصدر يوم الثلاثاء* ..عملتلكم بونيس وسبقتها يومين …رجاء وقت نوخّر شوية ما تقرقروش عليّ ..خللي شويّة عليكم وشويّة …..دوويو موش عليّ …شوية عليكم زادة امّالا كيفاش يستقيم الشيء .. اشنوة الشيء تقولو انتوما ؟؟ ولا شي ولا شي ولا شي ..يرحم عظامهم قداش خلاونا حويجات جماعة ما قبل 25 جويلية… وحتى اكون امينا حتى جماعة ما بعد 25 جويلية …

ـ يتبع ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* باعتبار التاريخ الأوّل لنشر هذا النص

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار