تابعنا على

جور نار

يَا قَوْمِ إِنّي بَرِيءٌ مّمّا تُشْرِكُون…

نشرت

في

ما حكايتنا نحن العرب مع صناعة الاصنام؟ هل لأن أجدادنا كانوا يعبدونها أم ماذا؟ ألم نقرأ الدرس من التاريخ…ألم نشاهد جميعا كيف أسقطت العديد من الشعوب آلهتها التي صنعتها؟ فلماذا نواصل اليوم صناعة اصنام نحن على يقين أننا سنخرج غدا لنسقطها ونحطمها إن أخطأت وأفسدت في الأرض والعرض؟ هل أصبح هذا الشعب في حاجة إلى ثورة حقيقية تعيد الروح لهيبة دولة فقدت وعيها لأكثر من عقد من الزمن، وهل أصبح هذا الشعب في حاجة إلى ثورة حقيقية تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، وتعيد البعض إلى أحجامهم الحقيقية؟

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
<strong>محمد الأطرش<strong>

أغلب من جاؤوا بعد تلك التي أطلقوا عليها اسم “ثورة” ولم تكن بثورة بل كانت انقلابا مقنّعا أتى على الأخضر واليابس، ولم يصلح حال العباد ولا حال البلاد، وعاشت البلاد معهم أسوأ عشرية ويزيد من تاريخها…ولا تزال تعيش أفظع ما يمكن أن تعيشه في ظلّ انقلاب على الانقلاب…أعود لأقول أغلب من جاؤوا بعد 14 جانفي ومن انقلبوا عليهم يوم 25 جويلية لا يختلفون عن بعضهم البعض، فلا أحد منهم أصلح وضعا واحدا من أوضاع البلاد، أو غيّر حالا واحدا من أحوال العباد، جميعهم جاؤوا فقط بحثا عن كتابة أسمائهم وأمجادهم (إن وجدت طبعا) في سجلات تاريخ البلاد، هم فقط يبحثون عن تحقيق بعض مآربهم من جاه ونفوذ ومجد مغشوش…فما عانته أو ما يزعم البعض أن البلاد عانته خلال حوالي الستة عقود قبل وصول هؤلاء إلى الحكم، لا يضاهي ما فعله الحكام الجدد بالبلاد والعباد خلال هذه الفترة الوجيزة من بطش وتخريب وإحباط ويأس وتفقير وتجهيل وتحطيم وتفرقة واستبداد بالرأي وقطع للأرزاق وتهديم لكل ما تمّ بناؤه…

أعود لأسأل كما سألت في عديد المقالات هنا سابقا، إلى متى يغرق هذا الشعب في أوهام وأساطير وتخاريف وخطب حكامه الحماسية الجوفاء؟ إلى متى لا ينظر بعين الواقع ولو لمرة واحدة؟ لماذا لم نتعظ بتاريخ الشعوب والحكام وخيباتهم…؟ ألم يفعل عبد الناصر رحمه الله ذلك وأغرق شعبه في الخطب الرنانة محاكاة لما تفعله “الستّ” بأغنيتها الجديدة كل أول خميس من كل شهر، ألم يكن عبد الناصر يطرب لهتاف وصراخ جمهوره المعجب بخطبه كما كانت أم كلثوم التي اصبح أحد المعجبين بها أشهر من بعض وزراء عبد الناصر في ذلك الوقت، فقد ذاع صيت مجنون أم كلثوم المدعو الحاج سعيد الطحان بما يتفوّه به اثناء حفلاتها فهو صاحب أشهر جملة فى حفلاتها “عظمة على عظمة يا ست”، و” تاني والنبي يا ست أنا جايلك من طنطا…” ألم يعش عبد الناصر نفس السكرة وألم يسكر بنفس الخمرة… فغرق في الوحل وفي بحر هتاف وخمرة أتباعه، فخيّب ظنّ أتباعه من المصريين والعرب أجمعين، وغرقت أحلامهم في بحر أوهامه وأوهامهم…ألم يقم صدام رحمه الله بتوريط شعب العراق وشعوب العرب في أوهام كلفتهم غاليا بخطبه الحماسية الناسفة…ألم يدمّر القذافي رحمه الله بلده بوهم عنوانه “طز”…لماذا لم نتغيّر كما تغيّر كل من هم حولنا…لماذا نصرّ على العودة إلى صناعة الأصنام والأوهام؟

لماذا صدّقنا أكاذيب حكامنا وسقطنا في فخّ خطابهم؟ لماذا انسقنا وراء أوهام كلامهم العذب الذي يقطر عسلا مرّا لا يطاق …لماذا هرولنا وراءهم ظنّا منّا أنهم جاؤونا بالخلاص…لماذا نجحوا في ايهامنا بأنهم صناع زمن جديد…زمن الخلاص من أوجاعنا…زمن إسعاد أطفالنا…زمن رفع مظالمنا…زمن العدل والحرية…زمن الأمن والأمان…زمن الحياة الكريمة…زمن تحقيق الأمنيات والوعود…زمن الخروج مما نحن فيه…زمن تحقيق أحلامنا وأحلام صغارنا…زمن القضاء على التفرقة والتهميش…زمن القضاء على الفقر…زمن القضاء على البطالة…فماذا اكتشفنا في حقيقة الأمر…؟؟ اكتشفنا أنه زمن الخديعة…زمن الأحقاد…زمن الانتقام من كل قديم…زمن القضاء على الخصوم والتنكيل بهم…زمن الاستبداد الحقيقي…زمن الأنا ولا أحد غيري أنا…زمن من ليس معي فهو ضدّي ومن هو ضدّي مكانه السجن…زمن عن أية ديمقراطية تتحدثون…زمن لا أحد يشاركني الحكم…زمن “اشرب والا طيّر ڨرنك”…

نحن اليوم في ورطة ولن نخرج منها بالسهولة التي يتصوّرها البعض ولن نخرج منها أيضا بفرض أمر واقع…نحن اليوم بما نعيشه ونأتيه نعيد الحياة لقصّة هابيل وقابيل …فالحقد أصبح شعار المرحلة…وضرب الخصوم أصبح خبزنا اليومي…وتخوين بعضنا البعض أصبح خطابنا صباحا مساء ويوم الأحد…نحن اليوم أمام مشهد أعادنا لماض سحيق، فورثة نظرية وفكر وثقافة قابيل هم الذين يرفعون اليوم راية ضرب الخصوم ويستعدون الجميع ويستهدفون من يعارضهم بكل الأسلحة المتاحة وغير المتاحة، ويريدون بذلك الاستحواذ على كل مفاصل الحكم للاستبداد به…وأتباع وورثة الفكر “الهابيلي” نسبة لهابيل هم اليوم من يرفعون راية التجميع والجميع مع الجميع والكل للوطن ومع الوطن راية إصلاح حال البلاد والعباد، دون إقصاء لأحد ودون اجتثاث لأي كان…إلا من أجرموا في حقّ البلاد والعباد…

ارتفع منسوب الحقد في البلاد إلى درجة الخوف من أن يتحوّل هذا الحقد إلى فتنة تذهب بنا إلى حيث ذهبت في العديد من الدول العربية المنكوبة بما يسمونه “الربيع العربي”… فعوض أن نلتفت إلى معالجة أمهات القضايا اكتفينا بشحن أتباعنا وقواعدنا حقدا على خصومنا…فكل حكومات ما بعد 14 جانفي وصولا إلى يومنا هذا هي حكومات فاسدة، نعم فاسدة باتباعها لسياسات غير منطقية وغير إصلاحية وغير حكيمة…فلم نخرج من وجع التضخّم…ولم ننجح في القضاء على الفساد …ولم نسعد يوما بالتخلص من العجز في الميزانية…ولا أحد من حكامنا نجح في كبح جماح الأسعار…وقد يستمر ارتفاعها إلى ما لا نهاية له، الأمر الذي سيجعل كل تونسي يفكّر في الخروج متخفّيا للتسوّل…لكن التسوّل اين وممن؟ والجميع في الحال سواء…فحكوماتنا كتم الله أنفاسها لم تترك لنا بابا واحدا من أبواب التسوّل مفتوحا…فالتونسي اليوم بين نارين …نار الموت جوعا وحسرة واحباطا…أو نار الهجرة عبر المتوسط ليصبح غذاء لحوت سيأكله من بقي من أغنياء البلاد على قيد الحياة…

كل هذا يقع في هذه البلاد وبعض “صُناع الاصنام” لا يزالون تحت تأثير خمرة ليلة الخامس والعشرين من جويلية…هؤلاء يغنون “هل رأى الشعب سكارى مثلنا” في تحدّ صارخ لبقية الشعب المنكوب…هؤلاء يتحدّون الجميع بفرض أمر واقع من مولاهم الذي صعد بأصوات خصومهم الذين استعداهم وابعدهم عن طريقه…هؤلاء لا يعلمون أن هذا الشعب لا حاجة له بخمرتهم ليسكر…ولا لخطب مولاهم ليصبح مسطولا…بل هو في حاجة فقط إلى خبز في متناول ما في جيبه…ومستقبل أجمل لأبناء نجوا من محرقة المتوسط…أتباع صانع التغيير الثاني لا يشعرون بالخطر الذي بدأ يطل برأسه على هذه البلاد، ولا يزال بعضهم يحلم بالمستبد العادل فمنذ متى كان المستبد عادلا؟ همّهم الوحيد كيف يتخلصون من خصومهم، فلما جاءهم من خلّصهم من خصومهم “خرّوا له شاكرين حامدين ” هؤلاء مستعدون للتعايش مع الاستبداد إن حلّ ركبه…وإن تحوّل صانع التغيير الثاني إلى مستبد…هؤلاء لم يعوا لحدّ الساعة ان تبعات الاستبداد أخطر علينا وعلى أجيالنا القادمة من الاستبداد إن تعايشنا معه وتأقلمنا مع مخرجاته…هؤلاء مستعدون فعلا لصناعة مستبد على مقاس حقدهم على خصومهم…

الأخطر من كل هذا عودة بعضنا إلى صناعة “الاصنام” وعبادتها، فقبل انقلاب الخامس والعشرين من جويلية كان لكل الأحزاب صنمها الذي لا يهان ولا يقال له “لا” ولا يشار له حتى بالبنان…حتى جاء صانع الانقلاب الذي شاركت في صناعته كبار الأحزاب فخرّ له الجميع ساجدين قابلين حامدين شاكرين مناشدين مفاخرين بما يمليه وما يأمر به وما يقرره وما يأتيه حتى وإن ضربهم على قفاهم…والغريب أنه لا أحد يغامر اليوم بانتقاد مولاهم أمام اتباعه، فلو أخطا وفعلها احدهم فستثور ثائرة الأتباع وقد يجمعون الحطب الإعلامي والفايسبوكي ويحرقون كل من تسوّل له نفسه الأمارة بانتقاد مولاهم سيد الاسياد…هؤلاء هم من كانوا قبل الخامس والعشرين من جويلية يعبدون إلها آخر…عفوا يتبعون قائدا آخر …وكانوا قبل ذلك أيضا مع قائد آخر وقبلها أيضا…ألا يحقّ في هؤلاء قول الله في الآية 74 من سورة الأنعام “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ”…

فوالله أنا أيضا بريء مما يشركون ويتبعون…فأنا لا أعبد ما يعبدون…فقط أنا وأمثالي لأوطانهم يعشقون وعن مستقبل أجمل لأبنائهم يبحثون…وعن أمن واستقرار بلادهم يخافون…فهلاّ استيقظتم من غفوتكم يا من للأصنام تصنعون وتعبدون؟

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار