تابعنا على

جور نار

يَا قَوْمِ إِنّي بَرِيءٌ مّمّا تُشْرِكُون…

نشرت

في

ما حكايتنا نحن العرب مع صناعة الاصنام؟ هل لأن أجدادنا كانوا يعبدونها أم ماذا؟ ألم نقرأ الدرس من التاريخ…ألم نشاهد جميعا كيف أسقطت العديد من الشعوب آلهتها التي صنعتها؟ فلماذا نواصل اليوم صناعة اصنام نحن على يقين أننا سنخرج غدا لنسقطها ونحطمها إن أخطأت وأفسدت في الأرض والعرض؟ هل أصبح هذا الشعب في حاجة إلى ثورة حقيقية تعيد الروح لهيبة دولة فقدت وعيها لأكثر من عقد من الزمن، وهل أصبح هذا الشعب في حاجة إلى ثورة حقيقية تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، وتعيد البعض إلى أحجامهم الحقيقية؟

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

أغلب من جاؤوا بعد تلك التي أطلقوا عليها اسم “ثورة” ولم تكن بثورة بل كانت انقلابا مقنّعا أتى على الأخضر واليابس، ولم يصلح حال العباد ولا حال البلاد، وعاشت البلاد معهم أسوأ عشرية ويزيد من تاريخها…ولا تزال تعيش أفظع ما يمكن أن تعيشه في ظلّ انقلاب على الانقلاب…أعود لأقول أغلب من جاؤوا بعد 14 جانفي ومن انقلبوا عليهم يوم 25 جويلية لا يختلفون عن بعضهم البعض، فلا أحد منهم أصلح وضعا واحدا من أوضاع البلاد، أو غيّر حالا واحدا من أحوال العباد، جميعهم جاؤوا فقط بحثا عن كتابة أسمائهم وأمجادهم (إن وجدت طبعا) في سجلات تاريخ البلاد، هم فقط يبحثون عن تحقيق بعض مآربهم من جاه ونفوذ ومجد مغشوش…فما عانته أو ما يزعم البعض أن البلاد عانته خلال حوالي الستة عقود قبل وصول هؤلاء إلى الحكم، لا يضاهي ما فعله الحكام الجدد بالبلاد والعباد خلال هذه الفترة الوجيزة من بطش وتخريب وإحباط ويأس وتفقير وتجهيل وتحطيم وتفرقة واستبداد بالرأي وقطع للأرزاق وتهديم لكل ما تمّ بناؤه…

أعود لأسأل كما سألت في عديد المقالات هنا سابقا، إلى متى يغرق هذا الشعب في أوهام وأساطير وتخاريف وخطب حكامه الحماسية الجوفاء؟ إلى متى لا ينظر بعين الواقع ولو لمرة واحدة؟ لماذا لم نتعظ بتاريخ الشعوب والحكام وخيباتهم…؟ ألم يفعل عبد الناصر رحمه الله ذلك وأغرق شعبه في الخطب الرنانة محاكاة لما تفعله “الستّ” بأغنيتها الجديدة كل أول خميس من كل شهر، ألم يكن عبد الناصر يطرب لهتاف وصراخ جمهوره المعجب بخطبه كما كانت أم كلثوم التي اصبح أحد المعجبين بها أشهر من بعض وزراء عبد الناصر في ذلك الوقت، فقد ذاع صيت مجنون أم كلثوم المدعو الحاج سعيد الطحان بما يتفوّه به اثناء حفلاتها فهو صاحب أشهر جملة فى حفلاتها “عظمة على عظمة يا ست”، و” تاني والنبي يا ست أنا جايلك من طنطا…” ألم يعش عبد الناصر نفس السكرة وألم يسكر بنفس الخمرة… فغرق في الوحل وفي بحر هتاف وخمرة أتباعه، فخيّب ظنّ أتباعه من المصريين والعرب أجمعين، وغرقت أحلامهم في بحر أوهامه وأوهامهم…ألم يقم صدام رحمه الله بتوريط شعب العراق وشعوب العرب في أوهام كلفتهم غاليا بخطبه الحماسية الناسفة…ألم يدمّر القذافي رحمه الله بلده بوهم عنوانه “طز”…لماذا لم نتغيّر كما تغيّر كل من هم حولنا…لماذا نصرّ على العودة إلى صناعة الأصنام والأوهام؟

لماذا صدّقنا أكاذيب حكامنا وسقطنا في فخّ خطابهم؟ لماذا انسقنا وراء أوهام كلامهم العذب الذي يقطر عسلا مرّا لا يطاق …لماذا هرولنا وراءهم ظنّا منّا أنهم جاؤونا بالخلاص…لماذا نجحوا في ايهامنا بأنهم صناع زمن جديد…زمن الخلاص من أوجاعنا…زمن إسعاد أطفالنا…زمن رفع مظالمنا…زمن العدل والحرية…زمن الأمن والأمان…زمن الحياة الكريمة…زمن تحقيق الأمنيات والوعود…زمن الخروج مما نحن فيه…زمن تحقيق أحلامنا وأحلام صغارنا…زمن القضاء على التفرقة والتهميش…زمن القضاء على الفقر…زمن القضاء على البطالة…فماذا اكتشفنا في حقيقة الأمر…؟؟ اكتشفنا أنه زمن الخديعة…زمن الأحقاد…زمن الانتقام من كل قديم…زمن القضاء على الخصوم والتنكيل بهم…زمن الاستبداد الحقيقي…زمن الأنا ولا أحد غيري أنا…زمن من ليس معي فهو ضدّي ومن هو ضدّي مكانه السجن…زمن عن أية ديمقراطية تتحدثون…زمن لا أحد يشاركني الحكم…زمن “اشرب والا طيّر ڨرنك”…

نحن اليوم في ورطة ولن نخرج منها بالسهولة التي يتصوّرها البعض ولن نخرج منها أيضا بفرض أمر واقع…نحن اليوم بما نعيشه ونأتيه نعيد الحياة لقصّة هابيل وقابيل …فالحقد أصبح شعار المرحلة…وضرب الخصوم أصبح خبزنا اليومي…وتخوين بعضنا البعض أصبح خطابنا صباحا مساء ويوم الأحد…نحن اليوم أمام مشهد أعادنا لماض سحيق، فورثة نظرية وفكر وثقافة قابيل هم الذين يرفعون اليوم راية ضرب الخصوم ويستعدون الجميع ويستهدفون من يعارضهم بكل الأسلحة المتاحة وغير المتاحة، ويريدون بذلك الاستحواذ على كل مفاصل الحكم للاستبداد به…وأتباع وورثة الفكر “الهابيلي” نسبة لهابيل هم اليوم من يرفعون راية التجميع والجميع مع الجميع والكل للوطن ومع الوطن راية إصلاح حال البلاد والعباد، دون إقصاء لأحد ودون اجتثاث لأي كان…إلا من أجرموا في حقّ البلاد والعباد…

ارتفع منسوب الحقد في البلاد إلى درجة الخوف من أن يتحوّل هذا الحقد إلى فتنة تذهب بنا إلى حيث ذهبت في العديد من الدول العربية المنكوبة بما يسمونه “الربيع العربي”… فعوض أن نلتفت إلى معالجة أمهات القضايا اكتفينا بشحن أتباعنا وقواعدنا حقدا على خصومنا…فكل حكومات ما بعد 14 جانفي وصولا إلى يومنا هذا هي حكومات فاسدة، نعم فاسدة باتباعها لسياسات غير منطقية وغير إصلاحية وغير حكيمة…فلم نخرج من وجع التضخّم…ولم ننجح في القضاء على الفساد …ولم نسعد يوما بالتخلص من العجز في الميزانية…ولا أحد من حكامنا نجح في كبح جماح الأسعار…وقد يستمر ارتفاعها إلى ما لا نهاية له، الأمر الذي سيجعل كل تونسي يفكّر في الخروج متخفّيا للتسوّل…لكن التسوّل اين وممن؟ والجميع في الحال سواء…فحكوماتنا كتم الله أنفاسها لم تترك لنا بابا واحدا من أبواب التسوّل مفتوحا…فالتونسي اليوم بين نارين …نار الموت جوعا وحسرة واحباطا…أو نار الهجرة عبر المتوسط ليصبح غذاء لحوت سيأكله من بقي من أغنياء البلاد على قيد الحياة…

كل هذا يقع في هذه البلاد وبعض “صُناع الاصنام” لا يزالون تحت تأثير خمرة ليلة الخامس والعشرين من جويلية…هؤلاء يغنون “هل رأى الشعب سكارى مثلنا” في تحدّ صارخ لبقية الشعب المنكوب…هؤلاء يتحدّون الجميع بفرض أمر واقع من مولاهم الذي صعد بأصوات خصومهم الذين استعداهم وابعدهم عن طريقه…هؤلاء لا يعلمون أن هذا الشعب لا حاجة له بخمرتهم ليسكر…ولا لخطب مولاهم ليصبح مسطولا…بل هو في حاجة فقط إلى خبز في متناول ما في جيبه…ومستقبل أجمل لأبناء نجوا من محرقة المتوسط…أتباع صانع التغيير الثاني لا يشعرون بالخطر الذي بدأ يطل برأسه على هذه البلاد، ولا يزال بعضهم يحلم بالمستبد العادل فمنذ متى كان المستبد عادلا؟ همّهم الوحيد كيف يتخلصون من خصومهم، فلما جاءهم من خلّصهم من خصومهم “خرّوا له شاكرين حامدين ” هؤلاء مستعدون للتعايش مع الاستبداد إن حلّ ركبه…وإن تحوّل صانع التغيير الثاني إلى مستبد…هؤلاء لم يعوا لحدّ الساعة ان تبعات الاستبداد أخطر علينا وعلى أجيالنا القادمة من الاستبداد إن تعايشنا معه وتأقلمنا مع مخرجاته…هؤلاء مستعدون فعلا لصناعة مستبد على مقاس حقدهم على خصومهم…

الأخطر من كل هذا عودة بعضنا إلى صناعة “الاصنام” وعبادتها، فقبل انقلاب الخامس والعشرين من جويلية كان لكل الأحزاب صنمها الذي لا يهان ولا يقال له “لا” ولا يشار له حتى بالبنان…حتى جاء صانع الانقلاب الذي شاركت في صناعته كبار الأحزاب فخرّ له الجميع ساجدين قابلين حامدين شاكرين مناشدين مفاخرين بما يمليه وما يأمر به وما يقرره وما يأتيه حتى وإن ضربهم على قفاهم…والغريب أنه لا أحد يغامر اليوم بانتقاد مولاهم أمام اتباعه، فلو أخطا وفعلها احدهم فستثور ثائرة الأتباع وقد يجمعون الحطب الإعلامي والفايسبوكي ويحرقون كل من تسوّل له نفسه الأمارة بانتقاد مولاهم سيد الاسياد…هؤلاء هم من كانوا قبل الخامس والعشرين من جويلية يعبدون إلها آخر…عفوا يتبعون قائدا آخر …وكانوا قبل ذلك أيضا مع قائد آخر وقبلها أيضا…ألا يحقّ في هؤلاء قول الله في الآية 74 من سورة الأنعام “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ”…

فوالله أنا أيضا بريء مما يشركون ويتبعون…فأنا لا أعبد ما يعبدون…فقط أنا وأمثالي لأوطانهم يعشقون وعن مستقبل أجمل لأبنائهم يبحثون…وعن أمن واستقرار بلادهم يخافون…فهلاّ استيقظتم من غفوتكم يا من للأصنام تصنعون وتعبدون؟

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار