جور نار
11 سنة بعد أحداث 14 جانفي … قصّة حبّ قيس وشعبه، تعاني من سوء التغذية !
نشرت
قبل 4 سنواتفي
من قبل
محمد الأطرش Mohamed Alatrash
هل ما وقع يوم 14 جانفي 2011 يمكن اعتباره ثورة؟ و هل حقّقت هذه الثورة المزعومة أهدافها؟ و هل تغيّر حال البلاد و العباد بعد المزعومة “الثورة”؟ هذا ما يجب الحديث عنه و لا شيء آخر بعد احدى عشرة سنة من الخراب و الدمار على جميع المستويات…فنحن إلى يومنا هذا نعيش المأساة…نعيش الانحدار…فاليوم أسوأ من الأمس…و قد يكون غدنا أسوأ من يومنا هذا… و الأمس أسوأ من أول أمس… و أول أمس أسوا من اليوم الذي سبقه…فلا شيء تغيّر غير نسق تدفّق أنفاسنا التي بدأت تختنق يوما بعد يوم…

نحن نعيش انحدارا رهيبا في مساحة الحريات و مساحة التعبير عن الرأي…والغريب أن بعضنا عاد إليه حنين التصفيق و الصراخ و لعق الحذاء…فصراخ وهتاف من يدافعون اليوم عن الجزء المتبقّي من منظومة 2019 و هو الجزء الذي انقلب على من كانوا معه، فاق كل هتاف و تصفيق من كانوا مع الزعيم بورقيبة والرئيس بن علي رحمهما الله…فما تعيشه تونس اليوم يفوق الخيال في حجم التقرّب و التودّد و التذلّل للحاكم…فالبلاد أصبحت شبيهة بإمارة أو مملكة أو ضيعة على ملك بعض الخواص…و الغريب أن أتباع الجزء المتبقّي من منظومة 2019 لم يستفيقوا إلى يومنا هذا من سكرتهم التي طالت بعض الشيء…فهؤلاء استقرّ بعقولهم أن من يحكمنا اليوم هو وحده من يمثل الوطنية و هو الوحيد من يقرر من يكون الوطني من غير الوطني…و هو من يوزع بطاقات الهوية الوطنية لمن يختاره هو…و من يرضى عنهم هو…
أي معارض لهذا الحاكم يجب معاقبته معنويا وجسديا عبر “القضاء العادل” أو دونه، او عبر الجماهير الفاقدة للوعي بمجرد ان يتهمه السادة الحكام بالخيانة و الخروج عن النهج الوطني…فخطاب التخوين والشيطنة أصبح خطابا وطنيا يوميا نستمع إليه في كل المنابر الإعلامية…وعبر هذا الخطاب الحاقد الغريب يحاول حكام اليوم و أتباعهم إسكات جميع الأفواه التي تعارض سياساتهم، و طريقة تسييرهم لشؤون البلاد والدولة…وعبر هذا الخطاب الذي يلتقطه أتباع حكامنا اليوم يقع اطفاء العقول و تحويلها الي كائنات بكماء… فمن ذا الذي سيغامر بمعارضة حاكم اليوم دون أن يكون عُرضة للتخوين و الاتهام بالعمالة و الملاحقة السياسية والقضائية و الشعبية…و الإقامة الجبرية و السجون؟
فشلت كل المنظومات التي تداولت على تسيير شؤون الحكم في هذه البلاد منذ خروج بن علي رحمه الله…وفشل كل من جلسوا على كراسي الحكم من المبزع وصولا إلى سعيد…و لا أحد نجح في محو صورة بن علي وبورقيبة من أذهان أغلبية هذا الشعب الذي عانى ما لم يعانه حتى في سنوات الاستعمار و الحماية، بل نجح جميعهم و دون استثناء في أمر واحد هو إحياء و إعادة الحنين في عهد “سعيد” إلى الماضي “السعيد” بكل ما كان فيه من خيبات… و من اعتداء على حقوق الانسان… و من تضييق على الحريات، فمنظومة ما قبل 14 جانفي لم تكن أبدا بالسوء الذي روّجوه عنها على جميع المستويات، فأوضاعنا الاجتماعية لم تصل أبدا هذا الحدّ من الانهيار و السقوط…و التضييقات لم تكن أبدا بهذا الحجم و هذا العنف اللفظي و المعنوي و البدني الذي تعيشه البلاد منذ 25 جويلية الماضي…فكل من كانوا يرفعون شعارات البدائل اصطدموا بواقع سياسي مخالف لتصوراتهم العرجاء…
هؤلاء الذين حكمونا منذ خروج من كانوا يريدون اسقاطه لعقدين، كانوا يتصورون أن الحكم و كراسيه هو مجرّد لعبة بسيطة، فتداولوا، و تطاولوا على كراسي الحكم، فكشفوا جهلهم الفظيع، و عدم قدرتهم على تغيير واقع كانوا يرونه سيئا، فجاؤوا بأسوأ منه و أردأ منه بأضعاف الأضعاف…هؤلاء نسوا جميعهم أن هذا الشعب يحنّ إلى استقرار كامل شامل…يريد العودة إلى ممارسة حياته الطبيعية بعد أن غطت أحداث 14 جانفي العجز الذي كانت البلاد تعانيه في مجال الحريات و التعبير عن الرأي و التعددية السياسية، هذا الشعب يريد العودة إلى الملاعب دون أن يتعرّض إلى أي مكروه…يريد العودة إلى ممارسة حياته الثقافية و الفنية، دون منغّصات و دون خوف من هجوم وندالي، أو من تتار هذه العهدة بجميع مكوّناتها الإسلامية و العلمانية بيمينها و يسارها…هذا الشعب يريد العودة إلى سهراته…إلى جولاته…إلى حفلاته الخاصة…إلى مقاهيه…إلى لعبة الورق…إلى نكاته و مقالبه…إلى مهرجاناته…إلى سعادته التي افتقدها منذ أن استوطن الحقد و الرغبة الجامحة في الانتقام و الثأر من الماضي عقول سكان الحاضر… و منذ سكن البحث عن الانتقام من الحاضر عقول سكان الماضي….
هذا الشعب خاب ظنّه في كل من جاؤوا بعد 14 جانفي، و هنا أيضا لا أستثني أحدا، فحتى من نجح في بعض متطلبات الحكم فشل في أغلبها…هذا الشعب كان ينتظر تشغيل من عانوا من البطالة…فمات قبل أن يسعد بتلك اللحظة…هذا الشعب كان ينتظر رفع المظالم التي عاشها بعضه ليسعد بلحظات صفاء وحرية بعيدا عن ظلم الحاكم و تقارير المخبرين…فزادت أوجاعه من ظلم أكبر و من ممارسات أفظع…هذا الشعب كان ينتظر عدلا في توزيع الاستثمارات والثروات…فلم يسعد بذلك بل تعطّلت كل موارد الرزق التي كانت، والتي أوقفها الوندال و التتار بحجة “نخدم و الا نحرّم”…هذا الشعب كان ينتظر أن يكون سيدا في وطنه يجوب البلاد طولا و عرضا، و يستمتع بشمس الوطن و نُزُله وشواطئه…فلم يسعد بيوم واحد من شمس الوطن الدافئة، بل احترق بشمس حقد من حكموه الحارقة…و أصبح غير مرغوب فيه في وطنه و بين أهله…
فماذا فعل حكام ما بعد دخول الليالي السود؟ لا شيء…غير إشعال نار الفتنة بين أفراد هذا الشعب…فما أخطأ فيه من تربعوا على الحكم بعد انتخابات 2011 هو نفسه ما أخطأ فيه الباجي في سنته الأولى حكما قبل حكم الترويكا…و هو أيضا ما أخطأ فيه من حكموا البلاد توافقا بعد 2014…و هو أيضا وبشكل أفظع ما نعيشه اليوم في ظلّ حكم من انقلب على شركائه في الحكم…جميعهم اصطدموا بواقع غير ما كانوا يتصورونه…و جميعهم جاؤونا بشعارات من بعض ما قرؤوه في كتب الفلاسفة، و بعض ما قرؤوه عن المدينة الفاضلة… فلم نر شيئا مما وعدوا به و ما بشرونا بمجيئه…فهم صدّقوا أكاذيب الفلاسفة…و روّجوا لتلك الأكاذيب في خطبهم و حملاتهم الانتخابية…فعمر مات…و ابن عبد العزيز مات…و لن يعيد التاريخ نفسه في أمرهما…فلا عمر سيولد من جديد، و لا ابن عبد العزيز سيظهر غدا…
جميعهم شعروا بدغدغة الكرسي فأعجبهم ملمسه وفخامته، فنسوا ما كانوا يصرخون به في كل خطبهم…فجميعهم قبل جلوسهم على الكرسي أشعرونا و أوهمونا بأنهم عمر الفاروق و لما جلسوا على الكرسي رأينا الحجّاج و من مع الحجّاج…ففي عهدهم و إلى اليوم يتآكل النسيج المؤسساتي و الاستثماري و لا أحد يهتمّ لأمره…و في عهدهم نزل مستوى الناتج الداخلي الإجمالي و لا أحد صرخ منبها للأمر…و في عهدهم نزل معدّل النمو الاقتصادي و جميعهم يتهامسون سعداء…و في عهدهم تضاعف الدين الخارجي و الداخلي بأضعاف الاضعاف و لا أحد منهم شعر بالخطر…و في عهدهم تجاوزت خدمة الدين مستوى ما كان عليه بأكثر من ثلاث مرّات و لا أحد منهم أوجد الحلول …و في عهدهم تضاعفت ديون الدولة أكثر من أربع مرّات و لا أحد منهم أطلق صفارة نهاية الاستراحة…و في عهدهم تقدّمنا في ترتيب مؤشر الجوع العالمي و لا أحد منهم انتبه إلى فظاعة ما قد نعيشه قادم الأيام…و في عهدهم بلغت نسبة الجوع حوالي العشرة بالمائة، و لا أحد منهم سيتصدّق غدا على فقير جاع…و في عهدهم تضاعف عدد العاطلين عن العمل ليصل إلى حوالي المليون عاطل منهم 300 ألف من خريجي الجامعات، و لا أحد منهم شعر بالغبن و الوجع…
و في عهدهم أيضا نشطت حركة الحرقة بشكل لا يصدّق و هرب حوالي 200 ألف شاب من جحيم البلاد إلى السواحل الإيطالية، مات منهم الآلاف غرقا في المتوسط، و لا أحد منهم بكاهم…و في عهدهم انقطع مليون تلميذ عن الدراسة، و لا أحد منهم تساءل عن مستقبل البلاد…و في عهدهم هاجر حوالي 40 ألف مهندس مختصّ و أكثر من ثلاثة آلاف طبيب إلى بلدان الضفّة الشمالية، و لا أحد منهم دقّ ناقوس الخطر…و في عهدهم مات المئات ظلما و عدوانا بسبب المحاكمات الظالمة دون جرم ارتكبوه، و لا أحد منهم أيقظ ضميره السكران بخمرة ثورة كاذبة…و في عهدهم زار أكثر من مليون تونسي المصحّات النفسية و لا أحد منهم انتبه لما يجري…و في عهدهم عرف شبابنا في مدارسنا و معاهدنا كل أنواع المخدّرات حتى “الكوكايين”، و لا أحد منهم شعر بخطورة ما يقع على أجيالنا القادمة…و في عهدهم ظلم الآلاف من موظفي الدولة فجمّد منهم الآلاف…و أعفي منهم الآلاف…و عُزل منهم الآلاف، و لا أحد منهم خرج شاهرا سيف رفع المظالم…و في عهدهم أصبح “العزري أقوى من سيدو”…و لا أحد منهم أعاد الاعتبار للدولة و من خدموها…
جميعهم لم يرأفوا بحال الوطن…فما يأتيه اليوم قيس سعيد …أتاه من حكم قبله…بشكل آخر وبطريقة أخرى…وما أتاه قائد السبسي رحمه الله أتته الترويكا…جميعهم تركوا الحبل على الغارب إرضاء لمن يعتصم أمام بيوتهم ويقلق راحتهم…جميعهم أغلقوا أفواههم أمام التخريب الممنهج للاقتصاد والبلاد…جميعهم تآمروا على البلاد حين أغمضوا أعينهم أمام الإضرابات العشوائية…وأمام غلق مواقع الإنتاج…وأمام تسوية الوضعيات الظالمة وغير العادلة…وجميعهم تعاملوا مع “بلطجة” النقابات بشعار “أخطى راسي واضرب”…
جميعنا…شعبا…وحكومات وأحزابا…منظمات ومؤسسات…سكان قصور ونقابات أساسية…خربنا وطننا بأيدينا…ونواصل التخريب اليوم بشكل أفظع بحجةّ أن خصومنا أخفقوا في إنجاز ما وعدوا به…فماذا أنجزتم أنتم حتى تحاسبوا من لم ينجز شيئا قبلكم…؟؟
فماذا حقّقنا يا ترى منذ دخول الليالي السود …؟ لا شيء، نحن فقط خفّضنا من سعر الإنسان التونسي بناء على شروط وطلب صندوق النقد الدولي…وأصبحنا نعيش الغربة في وطننا وبين أهلنا…وفي بيوتنا…وحكامنا اليوم يريدون منّا ألاّ نكتب عن فشلهم شيئا…وألا نكتب عن جهلهم في إدارة شؤون الدولة شيئا…هم يريدون منّا فقط أن نكتب عن البصل…والطماطم…وتحسين إنتاج العجول…والهدف الذي ألغاه حكم المقابلة…وصراخ “كرونيكارات” البؤس والدعارة الإعلامية في قنواتنا التلفزية…هم لا يريدون منّا أن نكتب شيئا عن برامجهم الواهية….وعن إصلاحاتهم الموجعة…هم يُغطّون عن فشلهم بإيقاف هذا…ووضع الآخر في الإقامة الجبرية…ويغطون عن وضع هذا في الإقامة الجبرية بالتلميح لأحداث لا أساس لها من الصحة….حياة حكامنا أصبحت كعرض “ستريب تيز” فكل قميص يغطي قميصا…وكل سروال يغطي آخر…فكل الأحداث تُصنع اليوم في وطني حسب الطلب…وحسب هتاف الأتباع والأنصار…حكامنا اليوم يشترون أتباعهم وهتاف أنصارهم ببكاء أتباع وأنصار خصومهم…ونسوا قولة “لو دامت لغيرك ما وصلت إليك”…
فالنظام السياسي الهجين في تونس اليوم وعبر سعيه الحثيث لخلق مناخ مشبع بالضبابية والغموض والبلاهة يدعم استمراره في تحقيق ما يرغب فيه دون أن يلتفت إلى ما يريده شعبه، هذا التصرّف أصاب الشعب في مقتل فتحوّل اغلبه الي مجرد كائنات تسعي في الدنيا لا تعرف الي اين ولا كيف، فالمهم هو البقاء وتحت اية شروط و أيّا كانت الوسائل فأكثر من مليون تونسي يفكّرون جديّا في الهجرة والهروب من جحيم هذا الغموض والخوف الذي أصبح يشعر به كل مواطن في تونس، والآلاف من العائلات تستدين وتبيع ما تمتلكه من فتات الدنيا لتمكّن فلذات أكبادها من ركوب بقايا قارب قد يعبر بها الى بلاد لا يعرفها، او يبتلعها البحر لتنضاف في قائمة من هلكوا هربا من جحيم أوطانهم…فالتصرّف غير المفهوم والغامض لحاكم تونس اليوم وتعاليه على الجميع دون أن ينجز أمرا واحدا لصالح هذا الشعب، هو ما سيؤدي مستقبلا إلى تدمير اية امكانية لتغيير الواقع السياسي الذي نعيشه، وهو الذي سيقطع الطريق أمام كل محاولة جديّة للمصالحة الشاملة التي تحتاجها البلاد، فأية نخب لا معني لوجودها دون جماهير تصغي وتتأثر بما يطرح عليها، والا فمن ذا الذي سوف يدعم ويدافع عن أية بدائل تنفع البلاد والعباد، هذا الخلل دفع بالنخب السياسية الأخرى أو من يحاول ايهامنا أنه من النخب السياسية بالبلاد الى واقع مضحك حدّ البكاء…فكل أصبح يغنّي على ليلاه…أشباه النخب هذه اصبحت تفرز خطابا واطروحات في غالبها ضد بعضها البعض، وتسعي كل جماعة منها الى تصالح وتقارب منفرد مع مالك هذا النظام السياسي الهجين للفوز بمكانة خاصة وبموقع قريب من الحكم…
فهل من صالح هذا الشعب وحاكمه أن تتوسّع الهوة بين بعض الشعب وحاكمه المنتخب …وهل من صالح هذا الشعب وحاكمه ان تتزايد اعداد الجياع…والعاطلين عن العمل…والهاربين من أرض الوطن؟ وهل من صالح هذا الشعب وحاكمه أن يكون الانتماء للحاكم قبل أن يكون الانتماء للوطن؟ وهل من صالح هذا الشعب وحاكمه إيصال الشعب إلى مقارنة الحاضر بالماضي دون تفكير في المستقبل؟ وهل من صالح هذا الشعب وحاكمه إقصاء جزء من هذا الشعب لصالح جزء آخر منه؟ وهل من صالح هذا الشعب وحاكمه أن تتواصل الأحقاد بين مكوناته السياسية ولا أحد يقبل بإطفاء الحريق قبل إتيانه على بقية الزرع والمحصول؟ وهل من صالح هذا الشعب وحاكمه أن نخوّن كل من يعارضنا، ونحاربه في زمن نحن في أشدّ الحاجة إلى كل من يعيش على أرض هذا الوطن؟ هل من صالح هذا الشعب وحاكمه أن نغذّي النعرات الإيديولوجية والسياسية يوميا بشيطنة هذا وتخوين الآخر؟ هل من صالح هذا الشعب وحاكمه أن نواصل إخفاء حقيقة أوضاعنا الاقتصادية على الشعب؟ هل من صالح هذا الشعب وحاكمه أن يحقد هذا على هذا؟ ألم يصرخ كل حكامنا يوما “أحبك يا شعب”…ألم يعلنوا في برامجهم وجولاتهم الانتخابية عن حبّهم لهذا الشعب…فأي حبّ هذا الذي نراه اليوم بين حاكمنا وشعبه…فهل يعقل أن يكره الشعب حاكمه؟ وهل يعقل أن يكره الحاكم شعبه؟ ألم يقرأ هذا وذاك أن الكره يولّد الكره…؟
أظنّ أن حاكمنا اليوم في حاجة أكيدة إلى التمكّن من فنّ إدارة بيته السياسي…فالحبّ بين الشعب وحاكمه لا يمكن أن يكون من طرف واحد بل وجب أن يكون متبادلا…فقصّة حبّ قيس وشعبه تعاني من سوء تغذية حاد ونفور هذا من ذاك…فالحبّ بين الشعب وحاكمه يتغذّى من تحقيق الوعود…ومصالحة الشعب مع الشعب كل الشعب إلا من أجرم في حقّ البلاد والعباد…فالحاكم لا يمكن أن ينجح بالاكتفاء بحبّ جزء صغير من الشعب…والبلاد لن تعرف الاستقرار والشعب منقسم حول حاكمه…فماذا لو احتضن الحاكم شعبه…كل شعبه…وماذا لو احتضن الشعب…كل الشعب حاكمه…عوض الوقوع في فخّ من يحرّضه على بعض شعبه…فسوء التغذية لا يعالج بالتجويع العاطفي ولا بالهجر…بل بالكلمة الطيّبة…واختصار المسافات…وعدم التعامل بعقلية تعدّد الزوجات سياسيا…ففي السياسة لا يعترف الوطن بغير زيجة واحدة…الشعب وحاكمه…وقد تصحّ قولة “تزوجوا فقراء يغنكم الله..” وهي قولة وليست حديثا كما يروّجه بعضهم…
تصفح أيضا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد الأطرش:
عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…
جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…
نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”
ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”
نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”
هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”
نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”
همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…
نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….
شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…
ملا ليلة كلبة…

جور نار
محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!
نشرت
قبل 7 أيامفي
1 يوليو 2026من قبل
محمد الأطرش Mohamed Alatrash
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمد الأطرش:
التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،
كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…
هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث
م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…
وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….
ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…
فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”
ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد القادر المقري:
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …

استطلاع
صن نار
-
غير مصنفقبل 7 ساعاتالقاهرة/بيكين: مؤتمر اقتصادي مشترك لتعزيز التعاون والاستثمار
-
صن نارقبل 11 ساعةفي زيارته إلى سوريا… دويّ انفجارات قرب إقامة الرئيس الفرنسي
-
صن نارقبل 12 ساعةبذريعة ملاحقة “جماعات إرهابية”: هل يعيد الأمريكان سيناريو فينزويلا… مع البرازيل؟!
-
رياضياقبل 12 ساعةكأس العالم: تلاسن بين “مبابي” ونائبة عنصرية من الباراغواي… قد يصل إلى القضاء!
-
عربيا دولياقبل يوم واحدجنوب كاليفورنيا: فوضى، حرائق، نهب واعتقالات بالمئات… في احتفالات ذكرى الاستقلال!
-
صن نارقبل يوم واحدردّا على مزاعم نتنياهو: لم تطلب قرى جنوب لبنان… أيّ انضمام إلى الكيان المحتلّ
-
صن نارقبل يوم واحد“هذه المرة” لأجل عيون ترامب: حكومة حماس تقبل بقرار حلّها!
-
سرديارقبل يومينحكاية… “مِشْنِي نَا”!
