تابعنا على

جور نار

8 أخبار لا تروق لعامّة التونسيين…

… لأنهم ميّالون إلى تلذّذ طعم الإحباط !

نشرت

في

هذا النص لا علاقة له بالسياسة، لأن السياسة تنتج آثارا ميدانية تتأذّى منها الشعوب ظرفيا لكنها تنهض من بعدها دائما، أو عكس ذلك تُتيح نتائج إيجابية تُبنى عليها مراكمات كبرى بما يفيد الناس ويصنع رفاهها وبهجة حياتها…

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

لا وجود لسياسة أزلية دائمة أو رفاه أبدي أو بؤس لا ينتهي. كما  لا وجود لسياسيين ينجون بسهولة من محاسبة التاريخ القاسية. فالسياسة زائلة لا محالة والسياسيون بائدون حتى وإن توهّموا أنهم فيها خالدون، وإلا لظلّت سبيطلة Sufetela مفترقا فلاحيا وتجاريا متطورا وراقيا يطيب فيها الاستحمام والاستجمام وتصدّر أجود أنواع الزيوت نحو روما، ولظلت بلاريجيا مقرا للاقامة الملكية النوميدية بفيلاتها الفخمة وبيوت استحمامها الخاصة ومسرحها وفسيفسائها…

بل لهذا النص علاقة فقط بالمزاج التونسي العام، مزاج التونسيين وتعاطيهم مع ما يحدث في بلادهم ونزوعهم الفطري إلى التشحّط والتخبّط والتغبّن والتفنّن في إبراز مساوئنا ومواطن ضعفنا وتأبيد الإقامة في مربّع “السكّر ما ثمّاش والروز ما لقيناش والخبز  بالصف والقهوة بفلوسنا وما شريناش…”.

أريد التوقّف عند بعض الأخبار التونسية المُبهجة التي تقفز عليها القنوات والإذاعات رغم كونها تنعش الروح نسبيا وتُعيد بعض الأمل إلى أصحابه الشرعيين وتُقلّص ولو قليلا من مساحات اليأس المخصّب والكساد المُكدّس في كل الزوايا والثنايا.

لكن قبل ذلك، أدعوكم بلطف إلى التمعّن في هذا الموقف الذي عشتُه شخصيا بشكل تلقائي تماما والذي يصلح حسب تقديري لأن يكون تمرينا أكاديميا في دروس علم النفس الاجتماعي.

يتمثل هذا الموقف في مكالمة هاتفية صباحية وردت عليّ من صديق عزيز لا نتبادل بيننا التحايا بشكل تقليدي (يُسمّيني رئيس وأدعوه عميد، يقول لي حيّاك الله، فأجيبه “سوّي ترتيب” على الطريقة الشرقية، الخ…) وكنت حينها  بصدد سقي بعض الشجيرات الناميات وإيقاد نار موازية لإعداد شاي أحمر لا يستقيم أي نشاط فلاحي بدونه. بادرني صديقي قائلا “كيف حالك الآن يا رجل؟” قلتُ : “يعيشك حضرة العميد، والله أنا الآن في وضع أُحسد عليه حقا”. أجابني مُسرعا وملتاعا “أعلاش اللطف، أشبيه صاحبي، لاباس ماهو ؟ !! “. صحّحتُ ما ظن أنه استمع إليه وأَقسَم لي بأنه استمع إلى “أنا في وضع لا أحسد عليه”. صدمتني الحكاية وبقيت أقلّبها لأنها دالّة وطريفة في نفس الوقت… إلى أن هاتفني صديق آخر، فأعدت معه نفس التجربة فكانت نفس النتيجة تماما في أدق تفاصيلها. أستحضر هذه الحكاية في علاقة بميلنا الطبيعي إلى استحضار “السلبي” و”الفاجع” قبل المُبهج والمُفرح دائما.

____الخبر الأول : رئيس الجمعية اليابانية للإقتصاد والتنمية في إفريقيا يؤكد على أهمية انطلاق المشروع التونسي الياباني المتمثل في مخبر لإنتاج الكواشف السريعة للحمل بتونس سنة 2023  .

وما يبرر الاهتمام بهكذا مشروع هو مجهود من سعى إليه والطاقة التشغيلية التي سيوفّرها واعتراف “الخبرة العلمية والتكنولوجية اليابانية” بالكفاءة التونسية ومهارة التقنيين التونسيين (وهو ليس بالأمر الهيّن مطلقا) إضافة إلى كونه سيجعل من تونس بوّابة تفتح على الأسواق الإفريقية الشاسعة (55 % من طاقة إنتاجه موجّهة نحو إفريقيا) وكذلك إمكانية أن يشمل المشروع إنتاج حقائب مكتملة لتصنيع الكشوفات المبكرة عن الأمراض بصورة عامة.

____الخبر الثاني : تمكّن شركة فوسفات قفصة من تصدير شحنتين من الفوسفات نحو إسبانيا وإيرلندا انطلاقا من ميناء صفاقس التجاري.

هذا الخبر في حدّ ذاته يُمتِعُ لأنه يحاول فسخ سجلّ الأخبار المحبطة والمدمرة للأعصاب من قبيل تعطل حركة قطارات نقل الفوسفات على الخط الحديدي رقم 13 أو دخول اعتصام أعوان الحظائر لمعمل المظيلة 2 عامه الثالث…

____الخبر الثالث : مجموعة الصناعات الجوية والفضائية التونسية “جيتاس” تمثل تونس في الصالون الدولي للطيران والفضاء باريس LE BOURGET (جوان 2023)

صالون “ليبورجيه” الفرنسي هو أكبر معرض طيران في العالم ويشهد سنويا مشاركة أكثر من 2500 شركة مختصة في المجال، وشاركت تونس عبر جناح بمساحة 100 متر مربع في القاعة الرئيسية للمعرض بحضور أكثر من 20 شركة عضو في المجموعة التونسية، ويُذكر أن صناعة مكوّنات الطائرات في تونس اليوم تمثل أكثر من 80 مؤسسة وتوفّر ما يُناهز الـ 17 ألف موطن شغل مباشر وتساهم بنسبة تفوق 3 % من الناتج الداخلي الخام.

____ الخبر الرابع : تمكّن فريق طبي تونسي من زرع قلب نابض في صدر طفل يعاني قصورا قلبيا

الخارق في هذا الإنجاز الطبي الباهر يتمثل في نُبل وشهامة عائلة تونسية تبرعت بقلب ابنها الذي كان في حالة موت سريري، لفائدة طفل آخر أُجريت عليه عملية جراحية ناجحة بمستشفى الرابطة على يد كفاءات طبية تونسية لم تُغرها آلاف اليوروات والدولارات خارج أرض الوطن. (هي في الواقع مُتعٌ كثيرة في متعة واحدة).

الخبر الخامس : 8 جامعات تونسية تحسّن ترتيبها في التصنيف العالمي

تمكّنت 8 جامعات تونسية عمومية هي جامعة منوبة، وجامعة تونس المنار، وجامعة صفاقس، وجامعة المنستير، وجامعة سوسة، وجامعة قابس، وجامعة قرطاج وجامعة تونس من تحسين ترتيبها  العالمي في تصنيف  “تايمز هاير ايديوكايشن” الذي يشمل 1799 مؤسسة للتعليم العالي في 104 دولة.

دون أن ننسى أن جامعاتنا تتنافس ضمن هذه المناظرة مع جامعات عريقة مثل جامعة أوكسفود البريطانية وجامعة هارفرد الأمريكية وجامعة كامبريدج البريطانية وجامعة ستانفورد الأمريكية وجامعة ماساشوستس الأمريكية المحتلة للمراكز الأولى دوليا. كما تجدر الإشارة إلى أن جامعة تونس المنار احتلت المركز الأول تونسيا ومغاربيا والمركز 976 عالميا.

الخبر السادس : أنس جابر تُتوّج ببطولة نينغبو الصينية المفتوحة للتنس

تقديري أن هذه الفتاة التونسية جدا تصنع صورة عذبة لتونس وللتونسيين لم  يقدر عليها جميع وزراء السياحة المتعاقبين منذ الاستقلال.

حدّثني صديق زار العاصمة لندن مؤخرا وعنّ له أن يحتكّ باللندنيين الأوفياء لتقليد ارتياد المشارب بعد انتهاء حصص العمل المسائية، احتسى ما تيسّر له ولمّا همّ بتسوية الحساب قالت له صاحبة المحلّ بأن التشريعات الجديدة تفرض على الحرفاء تسديد استهلاكهم بواسطة البطاقة البنكية لا بواسطة الأموال نقدا، وهو السائح الذي لا يملك حسابا بنكيا قارا هناك. دار نقاش بينهما وأفهمها بأنه تونسي أتى إلى هناك لزيارة كريمته المهندسة… قالت له : ما دمت تونسيا ومن نفس جنسية تلك الفتاة الرائعة التي أمتعتنا في ويمبلدون لعبا وأخلاقا… أنت مُعفى تماما من الدفع هذا المساء !!!

الخبر السابع : المصنع التونسي “إسمنت قرطاج” ينتزع عقدا بتصدير  مليون طن من الإسمنت نحو السوق الأمريكية.

 ما هو إيجابي في هذه  الصفقة أن مردودها سيعود بالفائدة لا على الشركة المعنية فحسب وإنما على ماليّتنا العمومية كذلك، خاصة أن المادة التي سيتم تصديرها هي الإسمنت (وليس الكلينكر الأقل ثمنا في السوق العالمية) وأن الطلبية الأمريكية قابلة للترفيع بعد سبتمبر بــ 500 ألف طن إضافي.  

الخبر الثامن : أمين معلوف سكرتيرا دائما للأكاديمية الفرنسية

الروائي أمين معلوف ليس تونسيا ولكنه عربيّ لبناني ابن هذه التربة وملحها … وتوصّل إلى تحقيق مُنجز رمزي تاريخي (ليس بوسع من هبّ ودبّ حتى من الفرنسيين أنفسهم) أعتز به شخصيا لأنه يزيدني اقتناعا بأن ثقافتنا العربية لا تنتج التخلف والعنف فحسب وإنما تُفرز أيضا رجالا ونساءً يُناطحون الآخر فوق ميدانه. بالإضافة إلى أن عديد الباحثين والدارسين التونسيين لمعوا في الساحات الجامعية العالمية بفضل اشتغالهم على مؤلفات هذا الأمين غير المألوف كثيرا محليا ودوليا.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار