الإنسان ابن بيئته لكنه كذلك ابن مطالعاته و مشاهداته و متابعاته ، فما نسمعه أو نقرأه أو نشاهده يؤثر حتما في حياتنا و في تمثلاتنا للوجود… و كل كتاب أو شريط أو خبر أو حتى أغنية لا بدّ و أن يغيّر و لو قليلا من حدود تفكيرنا و نظرتنا لما حولنا… و لعل ما شاهدته هذا الأسبوع جدد عندي هذا اليقين و جعلني أتأمل واقعنا و أتملى تفاصيله و جعلني خاصة أتحسر على وضعنا في تونس فأين نحن مما شاهدته رغم أنه لا يندرج ضمن الأفلام الخيالية ! ؟
<strong>عبير عميش<strong>
الشريط الأول الذي شاهدته هو مقطع قصير نزّله على موقع الفايسبوك أحد التوانسة المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية و تحديدا بمدينة فينيكس بأريزونا و قد رافقنا فيه من مقر سكناه إلى إحدى المغازات القريبة.. المذهل في الفيديو أن التاكسي التي استقلها كانت سيارة دون سائق نعم سيارة دون سائق طلب قدومها عن طريق تطبيقة إلكترونية..
انطلق الشريط من لحظة انتظار السيارة التي توقفت لتقله صحبة مرافقه ثم امتطاها لتصل به بعد حوالي ثماني دقائق إلى المكان المقصود الذي سجله طبعا على شاشة إلكترونية موضوعة أمامه
كان الطريق مرسوما أمامه و أمامنا و نحن نتابع خط سير العربة و القيادة الإلكترونية الرصينة و احترام علامات المرور و إشارات الطريق..
كان الفيديو ممتعا و مؤلما في نفس الوقت فآلاف الكيلومترات التي تفصلنا عن الولايات المتحدة الأمريكية مكانيا تفصلنا عنها زمانيا و حضاريا أيضا
كنت أشاهد الشريط و أنا أتخيل طرقاتنا و عرباتنا و طريقة سيرنا و عدم احترامنا لبعضنا البعض أثناء القيادة..
كنت أشاهد الشريط منبهرة بجمال الشوارع و نظافتها و استقامتها و متألمة من حال شوارعنا و ما فيها من أوساخ و أدران و همجية و غياب أرصفة و انعدام عناية و كنت أتساءل ما الذي ينقصنا لنصير بلدا متقدما و لتكون شوارعنا نظيفة ! ؟ هل المشكل في الحكومات أم في الشعوب؟؟
قبل أن أشاهد ذلك الشريط قضيت ثلاث ساعات انتظار في إحدى بلديات هذا الوطن من أجل استخراج مضمون ولادة و الحصول على نسخ مطابقة للأصل لبعض الشهادات
ثلاث ساعات يقضيها الفرد في الشمس و في وضع صحي غير مستقر من أجل إجراءات لا مغزى لها.. كمٌّ رهيب من الأوراق ندفعها للإدارات لتُلقى لاحقا في علب الأرشيف و ليطلب منا أن نستظهر بمثيلاتها بعد سنة واحدة حتى لا يتجشم الموظف عناء البحث عنها أينما حشرت….
في عهد السيارات الذاتية القيادة مازلنا في تونس غير قادرين على رقمنة الإدارة و تعصيرها عبر معرف وحيد يتضمن كل المعلومات عن المواطن أو طالب الخدمة مهما كانت الإدارة المقصودة و مازلنا نستعمل أطنانا من الأوراق تكلف وقتا ثمينا مهدورا و أموالا و خسائر بيئية و جهدا و طاقة بشرية…
في تونس لدينا شباب ذكي مفكر مبدع مبتكر تتخاطفه كبريات الجامعات الأجنبية و الشركات العالمية فلم لا نعطيه فرصة و لم لا نفتح أبواب المستقبل أمام الطاقات المبدعة و الأفكار الخلاقة؟ ؟
كلنا نذكر ذلك الروبوت الذي استعملته وزارة الداخلية لمراقبة مدى التزام الناس بالحجر الصحي ايام الموجة الأولى للكوفيد في 2020.. و لكن من منا يعرف أن مصمم هذا الروبوت تونسي و أن الشركة تونسية (Enova ROBOTICS) لصاحبها المهندس أنيس السحباني و هي الشركة الوحيدة في القارة الأفريقية المختصة في صناعة الروبوتات الذكية المختصة أساسا في مجال الحماية والأمن و كذلك في القطاع الطبي…
من منا يعرف أن مشروعا صناعيا ضخما بقيادة الشاب بوبكر السيالة سيخرج إلى الأسواق في المدة القادمة أول سيارة تونسية تعمل بالطاقة الشمسية ، سيارة تونسية 100٪ من حيث الهندسة و التصميم و الهيكل و النظام الاكتروني؟ و هي سيارات مخصصة لخدمات النقل السريع و النقل داخل المدن…
إن ّمشكلة تونس ليست في عقول مهندسيها ولا أطبائها ولا مخترعيها بل في عقول سياسييها الذين تفننوا في النقاشات البيزنطية و ألهاهم الصراع على الكراسي و المناصب عن مصالح المواطنين و القوانين التي تهدمهم ، و كذلك في إدارتها المتكلسة و بيروقراطيتها العقيمة…
الشباب هو عدة الحاضر و ذخيرة المستقبل عماد كل أمة و سر نهضتها و بناة حضارتها و نبض الحياة في عروق الوطن و لكننا في تونس نتفنن في خنقه و وضع العراقيل في طريقه و إضاعة وقته حتى يهج من وجوهنا و يغادر بلدنا نحو فضاءات أرحب تتفتق فيها طاقاته و قدراته… ثروتنا الحقيقية تغادر و لا تنتفع منها البلاد
هذه الطاقات آن لها أن تبرز و تأخذ حقها في الظهور و تشارك في صياغة قوانين جديدة ترغب الشباب في البقاء في بلاده و خدمتها و تطويرها حتى لا نتحسر و نحن نقارن وضعنا بأوضاع البلدان المتقدمة و نشاهد تخلفنا بأم أعيننا…
الشريط الثاني الذي شاهدته كان لحفل تأبين و توديع الفنان الفرنسي جان بول بلموندو الذي أشرف عليه الرئيس ايمانويل ماكرون على أنغام جوق الشرف للجيش الفرنسي و بحضور عدد كبير من السياسيين و الفنانين.. وداع وطني و شعبي يليق بأيقونة أعطى كثيرا لفرنسا و أمتع الفرنسيين فبادلوه عطاء بعطاء… كان مشهدا رائعا و حفلا مؤثرا بقيمة بيبيلBébel
حفل جعلني أتساءل أيضا أين نحن من كل هذا و ما مكانة فنانينا في عيون الدولة؟ ما قيمة الفن و الفنانين في تونس خاصة في السنوات العشر الأخيرة ؟؟ حتى المثل التونسي ” عاش يتمنى في عنبة، مات علقوا له عنقود” ماعادش خالطين عليه في زمن لا يطال فيه الفنانون لا العنب و لا العناقيد… زمن يفتقدون فيه للتغطية الاجتماعية و الرعاية الصحية و لا يجدون حتى ثمن العلاج أحيانا… فكم من مبدع توفي دون أن يجد سريرا في مستشفى لائق و كم من مثقف أطرده الملاك من البيت و كم من فنان و شاعر و رسام … لم يجد غير عائلته لتعيله و تقف بجانبه
كيف تعاملت الدولة و وزارة الثقافة مع العازفين و أصحاب الفرق الموسيقية و منشطي دور الثقافة و متعهدي الحفلات و غيرهم أثناء أزمة الكورونا فجاع من جاع و مات من مات …
الفنانة القديرة نعمة مثلا قبل وفاتها لم تكن تتقاضى الا 200 دينار منحة من وزارة الثقافة لا تحصل عليها إلا بعد مماطلة و تسويف و كأنها تطلب صدقة و أمثالها كثيرون
و كأني بالجميع قد نسي دورهم و أثرهم فكم أضحكونا و كم أمتعونا و كم أطربونا فماذا وجدوا غير الجحود و النكران!!؟
أ ليست الراحلة دلندة عبدو ” محل شاهد” حقيقي على إهمال الدولة لمبدعيها.. و لم تشفع لها هناني و جريدة و غيرها من الأدوار لخلاص فواتير المستشفى و لا لحفل تأبين يليق بمسيرتها..
انظروا إلى قبور فنانينا و كيف هي حالها فإن لم تتعهدها الأسرة فلا مصير لها غير الإهمال.. من منا يعرف أين دفن خميس ترنان أو علية أو علي الرياحي أو حتى نعمة و زهيرة سالم ؟
مَن مِن وزراء الثقافة و مسؤوليها اعتنى ببيوت الشعراء و الكتاب و الفنانين و ضم فيها حاجياتهم و إرثهم و تراثهم و جعلها مزارا لمحبيهم؟؟ .. من يدلنا على منازل أحمد حمزة و محمد الجموسي و علي بن عياد و محمد العروسي المطوي و الميداني بن صالح و محمود المسعدي و صليحة و شبيلة راشد ؟؟
أينما تتجول في بلدان العالم تدخل بيوت الفنانين و المشاهير و تجول في أرجائها و تلقي نظرة على مقتنياتهم و أدواتهم المحببة و ملابسهم الأثيرة و ما خطوه بأناملهم و ما حصلوا عليه من هدايا و جوائز و شهائد تقدير … قصر أحمد شوقي و بيت عبد الحليم حافظ في مصر ، منزل سالفادور دالي في قادش باسبانيا و بيت انشتاين في برن العاصمة السويسرية و غيرها كثير و قبور الفنانين و أضرحة المبدعين هي مزارات تجذب آلاف السياح سنويا… قيمة حضارية لشعوب تعرف كيف تصون مثففيها و تحافظ على صورتهم في عيون عشاقهم أما في تونس فلا ذكرى و لا ذاكرة لا للأحياء و لا لمن اختارهم الله لا حماية لأعمالهم و لا قوانين تنظم الملكية الفكرية فتنصف المبدعين و أسرهم…
بل أكثر من ذلك لا نهتم الا بالتفاهة و التافهين فنتسابق على نشر أخبارهم و تداول صورهم
سنوات ضوئية تفصلنا عن هذه البلدان في كل المجالات
فمتى تشفى بلادنا و يسترجع جسدها المريض عافيته و تلحق بركب الحضارة ؟؟؟
بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…
والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … و هاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.
وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.
في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.
و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.
وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…
و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.
وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.
لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!
أسال تصريح لاعبنا الدولي حنبعل المجبري حول تأخر تونس وحول استغراق شعبها في الحلم بدل الفعل، حبرا كثيرا وقد تردّدت بعض الشيء قبل الكتابة في الموضوع..
لكنّ ما استفزّني هو استنقاص البعض من مواطنة اللاعب بحجة أنّه يعيش خارج البلاد (وكأنّ الوطن جغرافيا لا ذاكرة، وكأنّ المواطنة بطاقة إقامة لا جرح يسكن القلب) ومصادرة حقه في الكلام والنّقد، ومطالبتهم له بالسكوت عن الإخلالات، وهل أودى بنا إلى التهلكة غير الصمت والمهادنة والأغلبية الصامتة والسير حذو الحائط؟ و عندما يتجرّأ أحد المواطنين مهما كانت صفته ليوجّه لوما أو نقدا أو ليحدد مَواطن الخلل تُصوَّب نحوه السهام ويصير هو المذنب ؟؟
إنّ ما قاله حنبعل ليلتها ليس شتما أو استنقاصا من شأن البلاد أو إهانة لها بقدر ما هو صرخة من الداخل، من عمق الانتماء لا من خارجه ولحظة صدق مع الذات ومحاولة شُجاعة لفهم أسباب التعثّر، وتشخيص موجع لحالة تتجاوز المستطيل الأخضر إلى مربّعات الحياة كلّه …
حنبعل لم يقل إن تونس فاشلة، بل قال إنها متأخرة ، والفرق بين الكلمتين كبير.. الفرق بين الكلمتين مسافة فعل وأمل … التأخر يعني أنّ الطريق لم يغلق بعدُ، وأنّ الّلحاق ممكن، لكنّ ذلك يفترض شرطًا أساسيّا هو الاعتراف بالمشكلة والإسراع بالحلول الحقيقية لا الترقيعيّة … ومشاكل تونس بالجملة تحتاج منا فعلا وفعلا وفعلا … فليس بالأحلام و الأماني الطيّبة تُبنى الأوطان. المعضلة الحقيقية في تونس هي في العقلية التي تدير الرياضة والإدارة والتعليم والنقل والصحة وكلّ المؤسسات ..
المعضلة الحقيقية هي في طريقة التفكير وفي كيفية تبرير العجز إذ تُرفع شعارات الصبر، ويتحدث المسؤولون عن الظروف و المؤامرات و الإرث القديم و”حطّان العصا في العجلة ” .. ويُطلب من المواطن أن يتفهّم وينتظر، و“يزيد يصبر شوية” …
إنّنا في تونس لا نبحث عن حلول عملية وناجعة للفشل بل نغرق في التحاليل والخطب الرنانة ونعوّض الفعل بالجدل.. نحلّل أكثر مما نخطّط وننتقد أكثر مما ننجز .. تونس ليست متأخرة لأن أبناءها عاجزون، بل لأنها ما زالت أسيرة عقلية تُجيد الكلام وتخاف الفعل و تدمن التباهي والعيش على أمجاد الماضي دون أن تمرّ إلى تحمّل المسؤولية والاقتداء بالأسلاف
في تونس نحلم أكثر ممّا نعمل، ونتكلّم أكثر ممّا نحقّق و نُتقن التنظير في المقاهي ووسائل التواصل، ونفشل في أبسط أشكال التنظيم في الواقع. نطالب بالنتائج دون أن نتحمّل أثمانها، فلا نقبل بالانضباط ولا باحترام الوقت ولا بالجدية، ولا بالتكوين، ولا بالمحاسبة ..
نريد الوصول دون عناء الطريق، ونغضب حين لا يصل القطار … تكلّم حنبعل المجبري _كما تكلّم حنبعل برقة قبل قرون ، حين رأى الخطر قادمًا من الدّاخل قبل أن يأتي من الخارج _ فقال يوم المباراة إنّ الطريق صعب، وإن التأخّر ليس قدرًا بل نتيجة…. لكن قرطاج، الجديدة كما القديمة، لا تحبّ من يفسد عليها وهم الاطمئنان وتخشى ممّن يُذكّرها بأن الزمن لا ينتظر المتردّدين …
منذ قرون طويلة لم يسلك حنبعل القائد المحارب، الطريق الآمن و تجرّأ على عبور ما قيل إنّه غير قابل للعبور مرددا عبارته الشهيرة “إمّا أن نجد طريقًا… أو أن نصنعه”، في رفض تام لمنطق الانتظار والاستسلام والعجز … واليوم حنبعل اللاعب المحارب يفعل الشيء نفسه فيرفض الحسابات والبقاء الآمن و يكفر بعبارة “ليس بالإمكان أفضل ممّا كان”.
و إذا كان حنبعل برقة قد كشف لتونسيّي ذلك الزمان أن الخطر الحقيقي لا يأتي دائمًا من وهن القوّة المادية والجسدية بل من العقل الذي يقبل الخضوع، فإنّ حنبعل المجبري يذكّرنا بأن الخطر الحقيقي على تونس اليوم ليس في ضعف الإمكانيات، بل في ضعف الجرأة على تسمية الأشياء بأسمائها ..
لهذا أزعج كلام حنبعل الكثيرين لأنه كسر مرآة الوهم التي اعتدنا أن نُجمِّل فيها أنفسنا. لأنه _ بحرارة الروح _ قال ما لا يرغبون في قوله و ذكّرنا بأننا نُكافئ الصّامت ونُعاقب المتكلم وأنّنا نُمجّد الرداءة إذا لبست ثوب الوطن، و نُخوِّن النقد بدل أن نُصغي إليه..
كلام حنّبعل يوم الخسارة عرّى بعضا من حقيقتنا وأشار إلى مكامن الدّاء، ولن تتقدّم تونس وأهلها إلاّ يوم تواجه مشاكلها بصدق، وتمتلك شجاعة النظر في المرآة دون غضب، وتكفّ عن معاداة الصراحة، وتعتبر النقد فرصة لا خيانة.
بين فيضانات 2018 وفيضانات 2026، تغيّرت التواريخ وتبدّلت الحكومات، لكن المشهد بقي ذاته: أمطار غزيرة، طرقات غارقة، أحياء معزولة، ضحايا و مفقودون ، زيارات ميدانية و خطابات مطمئنة…
والإشكال أن هذه الكوارث ليست بلا إنذار. فالأرصاد الجوية تحذّر عادة قبل 24 ساعة أو أكثر، والمعطيات العلمية حول التغيرات المناخية باتت واضحة، ومع ذلك تواصل الدولة التعامل مع الفيضانات بمنطق ردّ الفعل لا بمنطق الاستباق. وكأن المطلوب دائماً أن تقع الكارثة أولاً، حتى يبدأ التحرك بعدها. بعد فيضانات نابل 2018 شاهدنا جميعا يوسف الشاهد رئيس الحكومة آنذاك في تنقل ميداني إلى المنطقة المنكوبة وجلسات عمل و تيليتون لجمع التبرعات .. وقرارات ووعود … وهاهي نابل وما جاورها تُنكَب من جديد.
وُعِد التونسيون حينها بمراجعة البنية التحتية و إصلاح الطرقات و بناء الجسور و تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار وتنظيف الأودية وإرساء نظم إنذار مبكر… لكنّ تلك الوعود كانت في أغلبها شعارات مناسباتية. فالأودية ظلّت مهملة، والبناء الفوضوي تمدّد، وشبكات التصريف لم تكن ضمن أولويات السلط لا الجهوية ولا الوطنية… كما غابت التصورات الفعالة لإدارة المخاطر الطبيعية. ورغم التوقعات الجوية بالتغييرات المناخية وبتأثر السواحل التونسية بالمنخفض الجوي، فإن النشرات الجوية لم تتجاوز حدود الخبر ولم تتحول إلى إنذارات وقرارات وقائيّة، وكأن حماية الأرواح مسألة ثانوية مقارنة بالخوف من “التهويل” أو من تبعات القرارات غير الشعبية.
في مثل هذه الأوضاع، يصبح التصرف الأسلم هو ذاك الذي يقدّم الإنسان على كل اعتبار… ولذا نزل قرار تعليق الدراسة بردا وسلاما على المواطنين فالخسائر المادية يمكن تعويضها، أما الأرواح فلا… و لكنه رغم ذلك يبقى قرارا منقوصا إذ لم يراع وضع الموظفين و العملة، وكأنّ الأزمة لا تعنيهم أو لا تؤثر فيهم أو كأنّ قدرتهم على المجازفة مفترضة سلفًا. فالفيضانات، في الواقع، تكشف تمييزًا ضمنيّا بين فئات المجتمع. فالتلاميذ تُعلَّق دروسهم حمايةً لهم أمّا الموظفون والعمال فيطلب منهم الحضور والعمل مهما كانت حالة الطرقات، ومهما بلغ الخطر، ومهما كانت وسائل النقل مفقودة أو مهدِّدة للحياة.
و لئن كان المواطن يتحمّل جزءا من المسؤولية في ما يقع بعدم احترامه للتحذيرات والقوانين واستسهاله البناء في مجاري المياه وعلى ضفاف الأودية، وبمساهمته في انسداد قنوات تصريف مياه الأمطار بسلوكاته اليومية الملوّثة، إلاّ أنّ هذه المسؤولية لا يمكن أن تكون شمّاعة تعلّق عليها السلطة إخفاقها وتهاونها. فالمواطن هو انعكاس لصورتها و أعمالها وهي التي تتحمّل المسؤولية الرئيسية وذلك بالتخطيط والوقاية والإعلام الصادق والردع وتطبيق القانون على الجميع .. فلا يحق للدولة تحميل الضحايا وزر سياساتها المرتبكة وتقصيرها في التعامل مع مثل هذه الوضعيات… حيث أن التعامل مع الفيضانات بعقلية الأمس لم يعد مجدياً، فما كان يُعتبر “أمطاراً غير معهودة” صار واقعاً متكررا وخطيرا وهذا يقتضي الإسراع في إعادة تصميم شبكات التصريف، ودمج التغير المناخي في السياسات العمرانية، والاستثمار الجدي في الوقاية بدل الاكتفاء بالترقيع بعد كل كارثة.
وبهذا الفهم لا يمكن أن نعتبر هذه الفيضانات قضاء وقدراً ، بل نتيجة خيارات وتأجيلات وتراكمات. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا نزلت الأمطار، بل لماذا نفشل دائما في حماية الناس منها رغم علمنا مسبقا بنزولها ؟ وحتى متى يتواصل هذا الفشل؟ في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الشعبوية التي ترافق كل كارثة طبيعية في تونس، والتي تحوّل المأساة إلى مشهد سياسي أكثر منها قضية إنقاذ وإصلاح. فيصير المسؤول هو الخبر وتطغى صورته وتحرّكاته وخطاباته على صور المنكوبين وأحوالهم وتحجبها ، فمع كل فيضان أو فاجعة، يتكرّر السيناريو نفسه: زيارات ميدانية متأخرة، جولات في الأحياء المنكوبة، صور وفييوهات، تربيت على الأكتاف، عبارات تعاطف جاهزة من قبيل “نحن معكم” و“الدولة لن تتخلى عن أبنائها” و”الكلنا نعانيو” … دون أن تتبعها حلول جذرية…
و يمكن اعتبار أنّ ذلك التعاطف يدخل في خانة ترسيخ فكرة قبول الفشل والرضى بالأمر الواقع بدل المحاسبة والإصلاح وتقديم حلول حقيقية وفعالة .. ينسى المسؤول أو يتناسى أنّ المنكوبين، لا يحتاجون إلى من يربّت على أكتافهم بقدر ما يحتاجون إلى دولة تمنع عنهم الكارثة قبل وقوعها…. وإذا كان الإعلام في مختلف دول العالم الديموقراطي يقوم بدوره الحقيقي زمن الكوارث، فإن الإعلام التونسي ما زال دون المطلوب، إذ يكتفي بملاحقة الكارثة بدل أن يسبقها، فيصبح ناقلا للمأساة وموثِّقا للفشل بصور الغرق وشهادات الضحايا ونداءات الاستغاثة ومشاهد الدمار في الطرقات و الأحياء والمباني… بدل أن يساهم في إنقاذ الأرواح عبر بث التحذيرات المرتكزة على تحاليل علمية دقيقة (بلا تهويل أو تهوين) و عبر استضافة خبراء حماية مدنية وأرصاد جوية وهندسة وبيئة، لإرشاد الناس إلى الأماكن الآمنة و كيفية التعامل مع ذروة التساقطات.
وللإعلام أيضا دور أساسيّ في مثل هذه الوضعيات يتمثل في مقاومة الشعبوية. فبدل تضخيم صور الزيارات الرسمية والتعاطف اللغوي ، عليه أن يطرح الأسئلة المهمّة حول مدى الاستعداد للتدخلات وطبيعة الآليات الموضوعة على ذمة المواطنين، وأن يبحث عمّا أُنجز منذ الكارثة السابقة، وأن يستقصي عن مدى تقدم المخططات والمشاريع وعن مدى تجسيد الوعود الفائتة، و أن يستفسر عمن يتحمّل المسؤولية، ويتساءل لماذا تتكرر الأخطاء نفسها؟ أي أن يقوم بدوره الاتصالي والتحسيسي الذي يساهم في رفع الوعي وحماية المجتمع خاصة زمن الأزمات.
لكن إعلامنا في تونس صارت غايته الإثارة و أخذ أصحابه _ إلا من رحم ربّك _ يتسابقون من أجل التشبه بالكروكوزات و جماعة الانستغرام، حتى صار خبر عركة على قرنيطة يتصدر صفحات وسائل الإعلام ” الكبرى”!