تابعنا على

دفءُ نار

“حْجيرات المَخْلة” أو ماعون الصّنعة … لدى بعض الأصناف المهنية والاجتماعية في تونس

نشرت

في

تقول كاترين بارادايز في كتابها ” في فهم المهن : إسهامات علم الاجتماع” : إن المهن هي هويّات نَبْنيها، ووضع ندافع عنه ومربّعات نحميها وحرفاء (بمعنى جمهور) نُطمئنهم.

واللغة الخصوصية التي تتكلمها مجموعة اجتماعية مّا، غالبا ما تهدف إلى استبعاد أطراف أخرى من حقل التواصل وأيضا أحيانا من المجموعة البشرية بأسرها.

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

يبدو لي شخصيا أن الاستعمالات اللغوية لدى كل صنف من الاصناف المهنية ليست عفويّة وهي حمّالة معنى ورغبة في تشكيل هوية خصوصية حلزونية الالتفاف يختبئ بداخلها أغلب المنتمين إلى تلك المجموعة بحثا عن التميز والتمايز من جهة ومن أجل التحصّن بلغة تبدو عالِمة وصعبة المنال وغير متاحة أمام الآخرين في محاولة للاستقواء والتفرّد.

ولا يفوتني أن أشير قبل التعرض إلى الحقيبة الاصطلاحية المعتمدة لدى بعض الأسلاك المهنية أو الفئات الاجتماعية، إلى أن الهدف من وراء هذا النبش في ثنايا الخطاب الذي يُلقى أمامنا يوميا أينما حللنا هو مجرد اقتداء بشعر إيليا أبو ماضي الذي يقول “قال السّماء كئيبة وتجهّمَا … قلت ابتسم يكفي التجهّم في السّماء” …بما يجعل منه تحريض لطيف على الدّعابة والمرح مع جرعة صغيرة من الدعوة إلى التعامل النقدي الساخر مع ما نستعمله يوميا من اصطلاحات وتراكيب.

في المعجم الاصطلاحي لدى خبراء التنمية البشرية :

هذا المجال بالذات هو بالنسبة إليّ مجال/ حقيبة بمعنى كونه مجالا  مطّاطا وفضفاضا باستطاعة أيّ كان أن يؤثّث صفحاته بما لذّ وطاب من النوايا الحسنة والأفكار الإيجابية والقيم الكونية التي تتواضع عليها كل شعوب الدنيا، كأن تقول إنه على الإنسان أن يعيش كل لحظة وكأنها آخر لحظة في حياته أو إن الحياة إما أن تكون مغامرة جريئه أو لا تكون أو أن  تستخدم السلم درجة درجة إذا كان مصعد النجاح معطلاً أو إنك لست نِتاجَ ظروفك إنما أنت نتاجُ قراراتك أو أخيرا إن السعادة يتمّ تعلّمها (فنّ تعلّم السعادة) وليست مجموعة مؤشرات قابلة للقيس الموضوعي ومرتبطة بالظروف الاقتصادية والاجتماعية للشعوب.

لدى النقابيين :

الحقيبة الاصطلاحية للنقابي تتراوح بين الدفاع عن قلعة حشاد وليس لدينا ما نخسره غير قيودنا والدفاع المستميت عن المطالب المشروعة وتنكر السلطة لمحاضر الجلسات الممضاة وأسود القطاع والنقابي الشرس وجشع رأسمال المتعفّن، والنضال بكل الوسائل المتاحة والاعتداء غير المسبوق على الحق النقابي والملفات العالقة وحلحلة الوضع المتأزّم والتصدي لسياسات التفويت وتحميل سلطة الإشراف مسؤولية تعطّل مسار الحوار…

لدى الأمنيين :

المهمة في الاتجاه. واضح واضح. تفضل واصل. قواتنا بصدد التعامل مع الإرهابيين (أي ملاحقتهم بواسطة السلاح). تم حجز عدد 2 من بنادق الصيد بدلا من حجز بندقيتيْ صيد. الهدف محل اهتمام. تحرير محضر في الغرض. الجاهزية العملياتية. النسيج الأمني. مرجع النظر و إلقاء القبض على شخص محل 43 منشور تفتيش. مراجعة النيابة. وضع خطط الانتشار الأمني…وضرورة التحوّز بمثلث علامة الخطر عندما تكون كل أوراق السيارة مكتملة النصاب.  

لدى الإداريين عامة والمكلفين بالاستقبال بصورة خاصة :

تفضّل … (وتُقال غالبا على نحو يوحي بنوع من النيّة في العضّ!) . آش اسمك انت وواش اسمها أمك(على مسمع من كل الحاضرين طبعا). السيستام طايح منذ الصباح.  صبها في مكتب الضبط ورانا ما نعطيوش ديشارج. المدير في مهمة البرة (أون ديبلاسمون بالفرنسية عادة). شوية نظام يعيشكم. خليلنا نومروك توة نكلموك. موضوعك من مشمولات الدجات DGET… ثم صمت واثق (دون توضيح هوية هذه الإدارة العامة وأين تقع وبمن يتصل). ملفك عند زميلي اليوم في كونجي. .. وكثير من الإداريين يُبدون ميلا خاصا إلى استعمال مصطلحات “البوردورو” و “الباراف” ومراجعة المصلحة المختصة عن طريق التسلسل الإداري.

 لدى طالب سنة 3 طب  :

طبيب المستقبل يلجأ كثيرا إلى الاختصارات حتى وإن كان من اليسير عليه استعمال مصطلحات بسيطة كما يستعملها الشعب الكريم مثل أن يقول فلان عمل AVC عوضا عن جلطة و cuprémie بدلا من نسبة النحاس في الدم أو يخدم في قسم stomato حتى لا يقول قسم طب الأسنان والا يلزمك تجي à jeun بدلا من على خواء وحديثًا الفايروس بدلا من الفيروس و point de suture وليس غُرزة، ويفضل أحيانا وهو يتحدث إلى امرأة عجوز استعمال مصطلح hyporexie بدلا من نُقص الشاهية.  

إضافة إلى أن الكثيرين منهم يقضون بعض حاجياتهم من المرافق التجارية القريبة دون مغادرة ميدعاتهم البيضاء.

لدى طالبة سنة 2 حقوق :

طلبة أقسام الحقوق مفتتنون عادة بإجراءات التقاضي ورفع الدعاوى امام القضاء (بدلا من يشكي بيه) ولا بد من احترام القواعد الإجرائية. والدستور قد يكون مكتوبا (كما في الولايات المتحدة) أو غير مكتوب (كما في بريطانيا العظمى).

القوانين ذات الأثر الرجعي هي كذلك من صلب اختصاصهم. أما الجنحة فهي اقل خطورة من الجريمة بطبيعة الحال. والمينيستار بوبليك في القانون هي النيابة العامة وليست الوزارة العمومية . وهناك فرق ثابت بين الفسخ dissolution والإلغاء annulation وانحلال ميثاق الزوجية والجزاء من جنس العمل أو الخطأ كما في بعض الولايات الامريكية : عندما يحرق مواطن قطّا يُحكم عليه بقضاء ستة أشهر في الاعتناء بالقطط السائبة.

لدى المترفين الباحثين عن الإبهار وإلبروز :

هؤلاء غالبا ما يستنجدون باللغة الفرنسية أو الانكليزية للتعبير عن مُرادهم. فهم لا يتبضّعون مثل سائر الخلق بل يذهبون لــ shopping ولا يكتفون بالقول إنهم تناولوا وجبة العشاء في مطعم ما بل يُفصّلون القول في نوع الوجبات فيقولون أنهم أكلوا ترتار ولونغوستين وجابولنا  soupe d’artichauts à la truffe noire موش خايبة. كما يتردّدون كثيرا في تسمية أكشاك بيع الفواكه الجافة المعروفة لدى التونسيين بالحمّاص أو القلايبي ويهمّون بإطلاق اسم “الفستقاجي” عليها لأن الفستق هو الأقرب إلى مستوى جيوبهم. أما الألوان لديهم فتلك قصة أخرى.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دفءُ نار

رمضان.. و حالة الطوارئ الغذائيّة…

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

حالة طوارئ لدى العائلات، فمنذ أيام وحتى قبل حلول شهر رمضان بدأ الاكتظاظ والازدحام… حركة المرور تكاد تكون مشلولة… طوابير من السيارات أمام المغازات الكبرى وصفوف أمام محلات صنع المرطبات والحلويات وأمام باعة اللحوم والدواجن والأسماك والخضر والغلال والفواكه والتوابل… وما تسمع كان “آش حضّرت لرمضان؟” وتتواصل هذه اللهفة وهذه المظاهر حتى بعد حلول الشهر.

حالة طوارئ لدى الدولة، وهي تُطمئن الشعب عبر بلاغاتها بأنها تمكنت من تخزين لا أدري كم من مليون بيضة وأنها ضخّت كميات إضافية من الزيت النباتي المدعّم ومن السكر والفارينة، وحالة استنفار لدى المسؤولين الذين يؤكدون على تسعير اللحوم وعلى الصرامة في مراقبة عمليات البيع ويهدّدون المخالفين ويتوعدونهم (لكن في بلادنا ديما الواقع يخالف الكلام والمواد المدعومة ناقصة أو مفقودة وأسعار الحكومة موش هي أسعار الواقع).

حالة طوارئ في الإذاعات والتلفزات ، فلا تجد سوى أحاديث عن قضْية رمضان ومواكبة لواقع الأسواق ولا تسمع إلاّ برامج الطبخ والتصنيف ولا تتابع إلا إعلانات عن الطعام هذا للإفطار وهذا للسهرة وهذا للسحور…

حالة طوارئ في الشوارع والمجالس، فلا ترى إلا اللهفة في العيون ولا تسمع إلا اشنوّة المنيو الليلة؟ وحديثا عن الشوربة والبريك والسلايط والطبق الرئيسي والحلويات ولوازم السهرة.. كل هذا من أجل شهر الصيام الذي يفترض أنّه مجعول للتراحم والاحساس بالفقراء والزهد والاعتدال.. فرمضان في جوهره ليس شهر الإفراط في الطعام، بل شهر التخفف، وضبط النفس، وتغيير العادات الغذائية، وفرصة للتخلص من التخمة والسكريات والوزن الزائد. والصوم هو مدرسة للصبر والتوازن، لا موسما لمضاعفة الاستهلاك…

لكن في بلادنا وفي البلدان العربية خرج رمضان من غايته ومقاصده الأساسية ليصبح شهر الاستهلاك بامتياز إلى درجة أن البعض يستدين أو يقترض لمجاراة نسق الاستهلاك العالي، وصارت المائدة هي الغاية وصرنا نرى القيمة في تعدّد الأطباق، ونسينا أنّ رمضان فرصة لإصلاح علاقتنا مع ذواتنا ومع أجسادنا وأنّه ليس سباقا نحو الموائد… بل عودة نحو القيم… وأنه شهر الرحمة موش شهر اللحمة، وشهر الرأفة موش شهر اللهفة.

أكمل القراءة

دفءُ نار

بورِك رمضانكم

نشرت

في

(اللوحة من تصميم الفنان الكبير محمد الأطرش)

Motif étoiles

أكمل القراءة

دفءُ نار

مُراكمة اللّغات بدلاً من تحاذُفها*  

من أجل تعزيز القدرات التواصليّة للتلميذ، عوضا عن تعليم القواعد الحجريّة منذ الطفولة الأولى

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصف الخميري:

تفاعلا مع ما يجري من نقاش في الآونة الأخيرة حول واقع تدريس اللغات في بلادنا وتراتبيّتها الهيكلية وتدنّي المستوى العام للتلميذ التونسي، لا فقط في اللغات الأجنبية بل وفي اللغة العربية الأم كذلك، يهمّني أن أدلي ببعض الملاحظات بهدف الوقوف على بعض أوجه هذه “العلّة” الحقيقية التي تُعيق نجاح بناتنا وأبنائنا وتميّزهم وبهدف صياغة بعض المقترحات التي قد تساعد على تجاوز واقع الحال.

ما يُلاحظ أوّلا

أن المستوى العام لتلاميذنا في اللغات وكذلك في الفلسفة باعتبارها مادة مؤثرة وباعثة على التفكير المنطقي على طول مسار التلميذ حتى في التعليم العالي وفي المسارات العلمية والهندسية (أنظروا في هذا الصدد الاثار الفلسفية والفكرية المُبرمجة سنويا في الاقسام التحضيرية العلمية للمدراس الهندسية الفرنسية الكبرى) كما تعبّر عنه المعدلات المُحرزة في الباكالوريا، هو مستوى متدنّ للغاية لا يُساعد في كل الأحوال على مباشرة دراسات جامعية تتطلب مهارات لغوية وتواصلية كبيرة مهما كان حقل الاختصاص. إذ أن :

  • 54.41 % من المُحرزين على الباكالوريا تحصلوا على 10 أو أقل من عشرة في مادة العربية في كل الباكالوريات مجتمعة (76180 ناجح سنة 2025).
  • 39.37%  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الفرنسية
  • 32.64 %  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الانكليزية
  • 60.12 %  تحصلوا على عشرة أو أقل  في مادة الفلسفة

وهذا يعني أن ضعف مستوى ناشئتنا في لغتهم الأم يُثير مخاوف أكبر من تلك التي يُثيرها ضعف المستوى في اللغات الأجنبية، بالرغم من “اليُسر العام” في اختبارات امتحان العربية في الباكالوريا التي تُضاهي مستوى امتحان التاسعة أساسي كما يُقرّ بذلك السادة المتفقدون. وقد يعود هذا “الجفاء” إزاء الفُصحى إلى وعي تلميذ اليوم بأن اللغة العربية لن تعترض سبيله في جميع المسارات الجامعية إلا إذا اختار شعبة اللغة والآداب العربية من ناحية، ومن جهة أخرى إلى عدم سعي الدولة منذ عقود – رغم براعتها في تصريف اللغة- إلى تفعيل العربية لتكون لغة ناقلة للعلوم والتكنولوجيا والمعارف المختلفة، كما هو الحال بالنسبة إلى الصينية أو اليابانية أو الفارسية أو التركية عندما تمّ تحطيم الأسطورة القائلة بأن “العلوم تلينُ –طبيعيا- للّغات الأوروبية”. مع الاعتراف كذلك بأن الانزياح القائم اليوم بين العامّيّة والفصحى la diglossie في لغتنا يزيد الأمر تعقيدا إضافيا لا تعاني منه بلدان أخرى مثل روسيا أو الصين أو كوريا الجنوبية.

ثانيا : تدنّي مستوى تلاميذنا في اللغات هو عابر لجميع الباكالوريات، لكنه أكثر فداحة في شعب مدرسية بعينها : الاداب، والاقتصاد والتصرف، والإعلامية أساسا.

إن نسبة التلاميذ الذين لا يحصلون على المعدّل في العربية تساوي 70% في الباكالوريا آداب و69 % في الباكالوريا اقتصاد وتصرف و 65.38 %  في علوم الاعلامية (هل تشابه النسب الثلاثة هو مجرد صدفة ؟ لا أعتقد شخصيا ذلك) . بينما لا تتجاوز هذه النسبة الـ 14.11%  في باكالوريا رياضيات ! ومن المفارقات  أيضا أن نسبة الحاصلين على أكثر من عشرة في مادة العربية تصل إلى 65.71 % في باكالوريا علوم تجريبية بينما لا تتجاوز 25.89 % في باكالوريا آداب على سبيل المثال.

ولتدعيم هذه الحقائق، فإن :

من تحصلوا على عشرة أو أكثر في الفرنسية باكالوريا آداب، تساوي نسبتهم  30.30 %  مقابل 81.58 % في باكالوريا رياضيات.

أما من تحصّلوا على أكثر من عشرة في مادة الانكليزية فنسبتهم تساوي 36.27 % في باكالوريا آداب في حين تبلغ 86.68 % في الرياضيات و 47.47 % في العلوم التقنية و 58.14 % في العلوم التجريبية.

وفي مادة الفلسفة، كانت معدلات الشعب العلمية أفضل من باكالوريا آداب، حيث بلغت على سبيل المثال نسبة المتحصلين على عشرة فما أكثر  46.19 %   في الاداب مقابل 54.17 %  في الرياضيات.

ذلك يعني – في ما يعنيه- أن ما تكسبه منظومتنا التربوية من جودة على مستوى تملّك اللغات بفضل جيوب التميّز في الباكالوريات العلمية بصورة خاصة، سرعان ما يتلاشى على مستوى المعدلات العامة جرّاء تدهور مستوى الملتحقين بشكل جُزافي يفرضه غياب البدائل الأخرى نحو شعب الآداب والاقتصاد والتصرف وعلوم الاعلامية بصورة خاصة.

وبناءً على ذلك، يصحّ القول بأن أزمة اللغات في مدرستنا التونسية هي أزمة مُركّبة تتداخل فيها طبيعة البيداغوجيا المُعتمدة في تدريس “التكلّم الصّرف المُنهمر دون كلفة أو وجل”  قبل “كيف نتكلّم ووفق أي قواعد نتكلّم” ومستوى تكوين المُدرّسين وغياب التوجهات الوطنية الواضحة (غير الشعاراتية) للدولة وهيكلة التعليم وما يُعرض من شعب ومسالك إلى جانب ما يغيب من معابر ومختصرات.  

ثالثا : النحو الداخلي بواسطة الشفاهي والتواصل في وضعيات ذات معنى بالنسبة إلى التلميذ بدلا من قصفه منذ بدايات ابتهاجه بمفاتن اللغة، بما اختلفت فيه البصرة والكوفة والتمييز بين المفاعيل عندما يبدأ التأويل.

يبدو أن تلميذنا التونسي لا يُقبل على درس اللغة – مهما كانت هذه اللغة- بشكل فيه فرحة التعلّم وبهجة التعبير عن مشاعره والدّفع بما يعتقده صحيحا أو خاطئا…خوفا من الاصطدام بقواعد اللغة الصمّاء والاشتباك غير محمود العواقب مع شرطة العدد والمعدود والممنوع من الصرف وخشية التّيه في متاهات اللغو والوقوع في شراك حِباله التي كلما صعدت درجة وإلا وزاد طولها ورعونتها. من الأمثلة الناجحة اليوم ـأكثر من غيرها- في إقدار الأطفال على تعلّم اللغات (الوطنية والأجنبية على قدم المساواة) هي اللوكسمبورغ وسنغافورة، حيث تُمارس ما يُسمّى بالمقاربات الانغماسية في تدريس اللغات (يعجبني شخصيا أكثر تعبير تعلّم اللغات بواسطة المعايشة أو بواسطة الغَمر، كما في تقنية السّقي الزراعي) بحيث لا تكون اللغات “مواد مستقلة بذاتها تُدرّس بشكل قواعدي صرف” بل تكون بمثابة  قنوات للريّ اللغوي غَمرا أحيانا وقطرة قطرة أحيانا أخرى، من خلال وضعيات لعبيّة مرحة وألعاب أدوار تواصليّة مُحفّزة … خاصة في المراحل التعليمية الأولى. فلا يتمّ بالنتيجة تبجيل البعد الهيكلي (النحو) على البعد الاستعمالي الحيّ (الحياة) حتى لا يُكبّل اللسان قبل أن ينطق بعدُ.  

يقول أصحاب هذا التوجّه بأنه لا يجب أن نُعطي الطفل دروسا تشريحية حول مهمة العضلات والأنسجة والأوتار من أجل تعليمه كيف يمشي، لأن الانسان يتعلم المشي من خلال فقدان التوازن والمحاولة والخطأ والغريزة… فإذا كان النحو هو التركيبة البنيوية للغة فالكلام هو حركتها.

رابعا وأخيرا : لا نُواجه ظاهرة ضعف تلاميذنا في اللغات، بالعقاب والمنطق المردود بعد الباكالوريا !

بعد حصولها على معدّلات الباكالوريا للتلاميذ وأعدادهم في كل المواد التي تمّ اجتياز الامتحان فيها، تعمد وزارة التعليم العالي إلى احتساب ما تُسمّيه بمجموع النقاط لترتيب التلاميذ وتوزيعهم على مختلف مسالك التكوين لديها (اعتماد الحساب مع الاستئناس باختيارات كل مترشح للتوجيه الجامعي وكيفية ترتيبها).

هنالك إجراءان لافتان للانتباه في هذا الخصوص وجب التوقّف عندهما :

– يتكوّن هذا المجموع من عنصرين أساسيين هما المعدل العام للتلميذ في الباكالوريا ضارب 4 يُضاف إليه 6 ضوارب خصوصية أخرى موزّعة على المواد الأساسية في كل شعبة من شعب الباكالوريا (مثلا بالنسبة إلى الرياضيات يُضاف الى المعدل العام ضاربان للرياضيات وضارب ونصف للعلوم الفيزيائية ونصف ضارب لعلوم الحياة والأرض وضاربان للفرنسية والانكليزية …). بمعنى أن معدلات التلميذ في الباكالوريا، المتدنية بصورة عامة  تُحتسب مرتين في هذه الحالة : مرة في المعدل العام ومرة ثانية في الضوارب الخصوصية…بما يجعل منه إجراءً عقابيا لا موجب له، يُعيق التلميذ في الحصول على ما يرغب فيه بدلا من تحييد هذه الهِنات وتذليل تبعاتها.

– إضافة أعداد الفرنسية والانكليزية إلى مجموع النقاط (المُحتسبة بعدُ في المعدل العام) برّرته وزارة التعليم العالي حين إقراره بـ “ضرورة تحفيز تلميذ الباكالوريا على تحسين مستواه في اللغات الأجنبية” وهذا ضرب من الديماغوجيا الصرفة لأن التلاميذ لا يهمّهم الاطلاع على كل هذه التفاصيل الفنية إلا بعد نجاحهم النّاجز ومواجهة استحقاقات ما بعد الباكالوريا.

ونقول في النهاية بدون أي تحفّظ إن:

إيجاد روافد إسناد لغوي خارجي في العائلة والمحيط ووسائل الاعلام (لا وجود لأي برنامج إذاعي أو تلفزي جادّ أو ترفيهي حاليا في تونس يُعنى باللغة أو الثقافة) وحسم ازدواجية تدريس العلوم باللغة العربية ثم اللغة الفرنسية بشكل جريء وبعيد عن الهوويات الكريهة والتمسك بـ “فرنسية” لم نخترها على حدّ سواء، ومراجعة الطرائق التي نُدرّس بها اللغات، وإيجاد الحوافز المُجزية لمدرّسي اللغات خاصة في المناطق المنسيّة حتى ننهض بمستواهم .. وغيرها قد تشكّل حزمة من الاختيارات التي تُساعد على إطلاق ألسنة ناشئتنا بما يُصلّب عودهم دراسيا وشغليّا، ويُخرجهم من مُربّع اليُتم الحضاري وفقدان السّند اللغوي المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* التحاذف، كلمة فرضها سياقها في علاقة بدعوة البعض إلى قلب الهرميّة المعتمدة وجعل لغات معينة تحذف أخرى.

أكمل القراءة

صن نار