لسائل أن يسأل: لماذا يخرج علينا كل حاكم جديد بأغنية “إنني ورثت الخراب…”؟ هل يريد ايهامنا أو إعدادنا نفسيا لفشل قادم؟ أم أن اصطدامه بحقيقة وواقع الحكم جعلاه يعيش رعبا أوعز له بأن يرمي بفشله قبل أن يقع، على كل من سبقه في الحكم؟ ولسائل أن يسأل أيضا لماذا يحاول كل حاكم جديد الظهور بمنزلة الملائكة فيعلن الحرب على الجميع بتبريرات واهية وأدلّة غائبة فيتهم هذا ويشيطن الآخر ويختلق الروايات عن البعض الآخر كأنه نزل للتوّ من السماء بثوب ناصع البياض؟
محمد الأطرش
منذ 14 جانفي ونحن نستمع إلى نفس الأسطوانة ونفس الأغنية على نفس المقام…جميعهم ألقوا بالمسؤولية على عاتق من سبقهم في الحكم…جميعهم جعلوا ممن سبقهم فاسدا ومستبدا وأورثهم تركة ثقيلة لا يمكن الخروج منها، دون تضحيات جسام يتحمّلها شعب الفقراء والمساكين…والغريب في أمر هؤلاء الحكام، أنهم يقارنون إنجازاتهم وأرقامهم بأرقام وإنجازات آخر سنة من حكم بن علي رحمه الله…جميعهم دون استثناء قالوا في بن علي ما لم يقله مالك في الفودكا والويسكي وبقية المحروقات…وجميعهم قارنوا أرقامهم بأرقام آخر سنوات حكمه ورغم ذلك فأرقامهم لم تصل إلى نصف أرقام سنته الأخيرة على كرسي الحكم…فماذا يريد حكامنا منّا بالضبط؟
حكامنا سادتي، يبحثون عن مبرّرات فشلهم قبل أن يجلسوا على كراسيهم، فهم يدركون أنهم لن يعمّروا طويلا على كراسيهم، ويعلمون أنهم لن يتركوا أثرا كالذي تركه الزعيم بورقيبة رحمه الله، وكالذي تركه الرئيس بن علي رحمه الله، ويدركون جيدا أنهم لا يعلمون شيئا من شؤون الحكم وتسيير مؤسساته، فيستبقون فشلهم بالخروج على الشعب بتلك المبررات التي لا موجب لها، لإسكات بعضه، والبحث عن تعاطف البعض الآخر من المغفلين والأغبياء الذين تستهويهم الخطب وحماسة الخطب والألغام التي زرعت في الخطب…والشعارات الواهية …وقافية الكلام…
هكذا هم حكامنا منذ خروج بن علي رحمه الله لأداء مناسك العمرة والحج …حكامنا سادتي ينعتون كل من حكم قبلهم بالفساد…وكل من جلس قبلهم على كراسي الحكم بالفساد…وكل من جلس مع من حكم قبلهم بالفساد…وكل من صاهر من كان يحكم بالفساد…وكل من أجلسه من حكم قبلهم على كراسي السلطة بالفساد…وكل من قاوم الفساد قبلهم بالفساد…فجميع من حكمونا قبل وبعد 2011 هم من الفاسدين عند كل حاكم يطلّ علينا من شرفة قصره حتى إشعار آخر…تسأل حكامنا هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين…يقولون لك…لنا هنا ما يؤكّد ويثبت كلامنا…تسأل ماذا عندكم “هنا” كما تزعمون؟…لن ترى شيئا…ولن تعلم شيئا ولن تمسك بخيط واحد يؤكّد فساد بعضهم…
أقول أ يدري حكامنا ما هو الفساد حقّا…؟؟ الفساد سادتي أن نخرج على الشعب بشعار مقاومة الفساد… وننسى أن الشعب يئن من الجوع، ومجرّد إحساس مواطن بالجوع فساد… وننسى أن الشعب يرزح تحت خطّ الفقر، ووصول مواطن إلى الفقر فساد… وننسى أن الشعب يبحث عن لقمة عيش ولا يجدها، وعدم إيجاد لقمة عيش من مواطن فساد…وننسى أن الشعب يبكي مَن أصبحوا طعاما لحيتان المتوسط، وموت شاب في المتوسط هربا من الموت يأسا من هذه البلاد فساد…وننسى أن الشعب يبكي الظلم و”الحقرة” والتهميش، و”الحقرة” والتهميش من الفساد…وننسى أن الشعب يموت ولا يجد دواء لمرضه، وعدم إيجاد دواء لمواطن مريض فساد…فمقاومة الفساد في زمن كهذا تعتبر فسادا وأكبر فساد فهي إلهاء حقيقي وضمني واعتراف خفي بعدم القدرة على إخراج البلاد مما هي فيه…
سيقول بعضكم بمقاومة الفساد سنوفّر المال، وأسأل كيف ستوفرون المال؟ بابتزاز رجال الأعمال، باتهامهم بالفساد؟ بإلزام رجال الأعمال بالتكفّل بمشاريع في كل جهات البلاد؟ أتعلمون أن ديون رجال الأعمال التي تحدثتم جميعا عنها، وصفقتم طويلا لمن جاءكم بخبرها هي أمر عادي وطبيعي عند كل رجال الأعمال في كل دول العالم، أتدرون أن كل رجال أعمال العالم يقترضون المال للاستثمار، من البنوك ومن دولهم ثم يعيدونه مع فائض لبنوكم حتى وإن طالت مدّة الدفع…وحتى وإن أعيدت جدولة أقساط الدفع، هكذا هي آليات وأساليب الاستثمار والتعمير والبناء في كل دول العالم…فلماذا نجعل منها نحن هنا في تونس قضية فساد كبيرة ستدرّ على خزينة البلاد آلاف الملايين من الدينارات؟ سيقول بعضكم الآخر…أموالنا المهرّبة أين هي؟ سأضحك من مجرّد قول أموالكم…والحال أنها ليست أموالكم…وأقول تعيشون وهما كبيرا خدعكم به بعض الذين وعدوكم بالجنة …
سيقول بعضكم الآخر إن التهريب أو ما يسمونه بالــ”كونترا” هو الفساد الأخطر والأكبر على البلاد…وأقول تعالوا لنعرف كيف ذلك؟ أتدرون أن التهريب الذي تعرفه بلادنا مع كل حدود الدول المجاورة، ومنذ أكثر من نصف قرن، هو التجارة الوحيدة التي أنقذت مئات الآلاف من العائلات وأنقذت عشرات الآلاف من الشباب العاطل من اليأس والإحباط؟ سيقول أغلبكم وكيف ذلك يا جهبذ؟ وسأقول…أتدرون أن الجماهيرية حين كانت دولة موحّدة ومستقرة كانت تجارتنا الموازية معها تتكفّل باستقرار أكثر من خمس ولايات جنوبية، بشبابها…وعائلاتها… وعاطليها… أتدرون أن الدولة لم تكن قادرة على تشغيل كل ذلك العدد من الذين يمارسون ذلك النشاط التجاري الموازي…فهل أن دولتنا قادرة اليوم أو بالأمس على تشغيل فرد واحد من كل عائلة بها أكثر من أربعة عاطلين عن العمل من أصحاب الشهائد؟ لا وألف لا…لم تنجح حكوماتنا المتعاقبة ومنذ عهد بن علي رحمه الله في تشغيل كل العاطلين عن العمل من أصحاب الشهائد، ومن غيرهم، فكيف تريدون من هؤلاء الاكتفاء بالبقاء في منازلهم ينتظرون رحمه من حكومات فاشلة؟
أيدري بعضكم أن العشرات أو لنقل المئات ممن ناقشوا أطروحات الدكتوراه والماجستير يمارسون نشاطا تجاريا موازيا لتوفير لقمة عيش لعائلاتهم…أتدرون أن نصف من يمارسون هذه التجارة الموزاية هم أساتذة وبعضهم يواصل دراستهم العليا إلى يومنا هذا؟ أتدرون…أنا على بينة من أنكم تعلمون لكنكم لا تريدون الاعتراف بأنكم تعلمون… أقول لو لم تكن التجارة الموازية لخرجت ولايات الجنوب، وولايات الحدود الغربية على كل الحكومات وأطردتها من الحكم…هل تريدون اليوم إقناعنا أن الدولة كانت توفّر الغذاء وكل مستلزمات الحياة لكل الشعب التونسي؟ لا سادتي لا…أكثر من نصف سكان الجنوب ونصف سكان الولايات الحدودية كانت تعيش من التجارة الموازية وكانت تحمد الربّ على نعمة “الكونترا”…قد يقول بعضكم…ولم لا ننظّم هذا الأمر لتكون التجارة الموازية أكثر ربحية وتخضع لمراقبة في بعض السلع التونسية المدعمة …أقول لم لا؟؟ دون ذلك فمن يطالب اليوم بمقاومة التجارة الموازية في زمن قحط كالذي نعيشه منذ عشر سنوات ويزيد فهو فاقد للوعي…ولا يفقه في شؤون الحكم شيئا…
تريدون مقاومة الفساد….قاوموا الفساد الإداري….قاوموا الظلم الإداري…قاوموا التعطيل الإداري….قاوموا المحسوبية…قاوموا التوريث في الانتداب وافتحوا الملفات القديمة لتنصفوا من ظلموهم…تريدون مقاومة الفساد…اسألوا عمن ظلمهم الاتحاد بحرمانهم من الخطط الوظيفية…اسألوا من ظلمهم الاتحاد بتغيير أسماء الناجحين في المناظرات…اسألوا عمن جُمّدوا في رتبهم لأنهم فقط لم يبايعوا المدير والكاتب العام للنقابة الأساسية…اسألوا من حُرموا من ترقياتهم لأكثر من عقدين فقط لأنهم ليسوا منخرطين في الاتحاد…اسألوا من وقعت نقلتهم ظلما وعدوانا فقط لأنهم يمثلون خطرا على المدير لأنهم أكفأ منه…اسألوا عمن دلّسوا الآلاف من الشهائد بمساعدة من بعض أعوان الاتحاد…
اسألوا عمن شاركوا في مناظرات وسرقت منهم مواقع العمل لمن لا يحتاجها….اسألوا كم دفع بعضهم ليتمتع بنقلة بالقرب من والديه…اسألوا كم دفع بعضهم ليصبح معلما بمدرسة نائية…اسألوا عمن دفع الملايين ليقرأ اسمه في قائمة الناجحين في مناظرة احدى أخطر الوزارات…اسألوا عمن أصبحوا يرتعون ممرضين وممرضات في المستشفيات فقط لأنهم أبناء ممرضين وممرضات ولأنهم اقرب إلى الاتحاد والنقابات…اسألوا عن بعض المدن الصغيرة الخالية من العاطلين فقط لأن التوريث هو سياسة الانتداب في مؤسسات تلك المدينة…اسألوا واسألوا…وستعرفون ما هو الفساد…فالفساد الحقيقي هو الذي يشعرك بالظلم…يشعرك بالقهر…يقتلك دون أن تدري أنك تموت يوميا…وكفاكم ايهامنا بأنكم ستوفرون المليارات لخزينة الدولة فقط بمقاومة فساد الكبار…فساد الصغار هو أخطر فساد …
صراحة كنت أنتظر إعلان نوايا من حكومة مولانا بعيدا عن اتهام من سبقه بالفساد والاستبداد…لكن…لا أظنّ أننا بعد عامين من الخطب الناسفة والعنقودية سنسعد بإنجاز وعد واحد من وعود حكومة مولانا…ولا أظنّ أن حكومة مولانا سترأف بحال هذا الشعب…علينا ألا نطلب من حكومة مولانا إصلاح حال البلاد وهي العاجزة عن إصلاح حالها وأحوالها…ولا أظنّ أن حكومة واهمة…ستنجح في توفير ما لم توفره لنا الحكومات التي سبقتها…غير حزمة من الأوهام التي لن تُشبع ولن تغني من جوع…فلا لوم عن حكومتنا إن جاعت…فأكلت بعضنا…
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.