تحدثت في الجزء الثالث من هذا السلسلة عمّا آلت اليه الاذاعات الخاصة بعد جانفي 2011 … فلا مضمونها ارتقى الى اعلام وطني هادف في جلّها ولا اوضاعها المادّية كانت مريحة.
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>
لذلك لجأت في معظمها الى اعلام البوز طمعا في جلب اكبر عدد من الحرفاء ـ اي المتلقين ، ومن ورائهم اغراء المستثمرين في تعاطيهم وجلبهم مادّيا مع مالكي تلك الاذاعات ..والنتيجة ان لااعلام البوز حقّق اهدافهم مع المتلقّين الذين قد تقنعهم لفترة ما ولكن ابدا ان يقتنعوا دوما بهذا الاسلوب المتخلّف …لان المتلقي ليس على درجة من الغباء حتى لا يستفيق من غفوة البوز ويرمي بك وباذاعتك الى الزبالة ..ومن جهة اخرى فللمستثمر ايضا ادواته للتحقيق والتمحيص جيّدا في مسيرة ايّة قناة وفي نجاحها …
الان آتي الى ظاهرة اخرى انتشرت منذ جانفي 2011 وهي اذاعات الويب …انتشرت هذه الاذاعات كالفقاعات في خارطة الاعلام …ربّما كانت نتيجة لحرية التعبير التي عاشتها تونس في تلك الفترة …فاصبح كلّ من هبّ ودبّ وبفضل التطور التكنولوجي بامكانه ان تكون له اذاعته …وان يحقّق احلاما يكون فيها فارس المصدح …رغم انّه لم يدرك يوما انّ الجانب المعرفي في دنيا الاعلام هام جدّا لتكون الاحلام شرعية وحتّى لا تصبح اوهاما وسرابا … ان تحلم بان تكون طيّارا هذا شرعي لكن ان تقودطائرة فذلك يحتاج الى علم وتخصّص وهذا ما انتفى عند اغلب اصحاب اذاعات الويب …
و جاءني يوما ما احد الاصدقاء ليعرض عليّ فكرة الاشراف على اذاعة ويب تاطيرا وتكوينا . وقرارا ….تحاورت معه في رؤيتي للمشروع واكدت له على امرين هامين …اوّلهما وهو يطلب رايي في المقابل المادّي الذي ساتقاضاه اعلمته بانّني ساعمل في هذا المشروع دون مقابل مادّي ايمانا منّي بانّي اعتبر المشروع حلما من احلامي ولا اريد جزاء على حلمي. وثانيهما انّ ايّ قرار في هذا المشروع سيكون لي وحدي باعتبار اختصاصي ..واضفت: انا عنيد جدّ افي كل ما يتعلّق بثوابتي وقناعاتي وفي مقدّمتها العمل على اعلام بديل يقطع مع السائد ..لانّ السائد رديء ومتخلّف ولابدّ من مقاومته وعدم السير في تياره ..
وجوبهت شروطي بالموافقة التامة …وانطلقت تجربتي مع راديو الواب ـ راديو اللمة ـ حرصت في البداية على القيام بكاستينغ مرة كلّ 6 اشهر لاكتشاف اصوات جديدة قادرة على الالتزام بثوابتي في راديو اللمة .. في ماهية الاعلام البديل وفي الحرص اوّلا وثانيا وعاشرا على الالتزام باذاعة بديلة من اهمّ ثوابتها القطع مع البوز والدفاع عن رسالة سامية كانت وما تزال من ثوابتي ـ اعلام وطني لا حياد فيه مع الوطن والقطع كلّيا مع من يريد ان نكون صوته مهما كان لونه السياسي ..سنكون صوت الشعب شكلا ومضمونا …وطبعا كانت احلامنا جميعا بعد ان اصبح هذا الحلم هاجس الجميع الانتقال يوما ما الى اذاعة على الـ “اف ام” ..
كان في تقديري يوم الاعلان الرسمي عن مولد الاذاعة بقاعة الافراح الكبرى بصفاقس انّ فترة الانتقال الى الـ “اف ام” لن تكون قبل سنتين ..وواصلت عمليّة احتضاني لعصافيري في راديو اللمة بكلّ جدّية وقساوة احيانا ولكن بكلّ حبّ ايضا ..وكنت اردّد دوما على مسامعهم اريدكم ان تكونوا اجمل وارقى من السائد …وهذا هو هدفي من اذاعة راديو اللمة …وانطلقت معهم في عمل كم هو مضن ..كنت اخصّص يوميا لاحاطتي بعصافيري براديو اللمة اكثر من 14 ساعة …كنت الاستاذ والصديق والاب والحبيب لهم ..وكانوا في جلّهم مشتركين معي في الحلم قولا وفعلا …وبعد انقضاء السنتين بدأت بعض الاصوات تنادي بـ “ايّة وقتاش الأف ام ؟” _
وكنت موقنا في داخلي بانّ وقت “الأف ام” لم يحن بعد لسببين اوّلهما انّ الاخبار التي تصلني من بعض الاصدقاء من الهايكا تقول ان لا نيّة للهايكا في اعطاء رخص البث لاذاعات على الأف ام وثانيهما انّ ما وصلت اليه من تكوين لجيل جديد لا يفي كمّا بالعدد المطلوب لاذاعة يتطلب بثها ساعات على امتداد اليوم الواحد، والحال انذاك انّ عدد المنشطين الاكفّاء الذين يمكن التعويل عليهم لا يتجاوز الستة او السبعة افراد ….وللتذكير فقط نحن في راديو اللمة كنا متطوعين باتمّ ما في الكلمة من معاني بل ومن اجل المصاريف الشهرية كالانترنيت والكهرباء كان كلّ واحد منّا يقوم بدفع ما بين 10 و 20 د شهريا كمساهمة منه في هذه المصاريف ..
وكان بعض مستمعينا يساهمون هم ايضا كلّ واحد منهم بما يستطيع ..فالصديق غازي المهيري تطوّع بتمكيننا من مقرّ للاذاعة بقلب مدينة صفاقس دون مقابل بعد ان بدأ المسؤولون عن دار الشباب بالشيحية وهو مقرّنا الاول بمحاولة التدخل في محتوى برامجنا …شكرا غازي المهيري ايقونة كرة الطائرة التونسية ..والبعض الاخر مكّننا باهدائنا مصادح للراديو …وليس لفلان او لفلانة كما ادّعى البعض …اليس كذلك يا فطوم ؟؟؟ ..شكرا مرة اخرى لفطوم من غرونوبل …..وكان نتيجة هذه الجهود المبذولة من لدن الجميع ان حقّق راديو اللمة في ظرف سنتين نتائج باهرة حيث وفي فترة بثه استطعنا لا فقط مزاحمة كلّ الاذاعات التي كان يصل صوتها الى مدينة صفاقس بل تغلّبنا عليها في نسبة الاستماع …وهذا حدث في راديو واب اسمه راديو اللمة …
بداية من السنة الثالثة في عمر راديو اللمة بدات بعض الاصوات تعبّر عن قلقها من وضع راديو اللمة الذي لم ينتقل الى راديو اف ام واصوات اخرى تتذمّر من عبدالكريم الذي وحسب رايهم لم يتطوّر في رؤيته للعمل الاذاعي ..وهو دائما حريص على ثوابته منذ القرن الماضي . وانّه عليه ان يساير الاذاعات الاخرى … حاولت التحاور معهم وتذكيرهم بانّي ومنذ البداية اعلنت عن موقفي من الاعلام السائد واني لن اسير في تياره بل ساقاوم ذلك التيار وبكل اقتناع …وذكرتهم اني ومعهم جميعا ودون استثناء كنت اردّد دوما لا اريد ان اسمع منكم _ علاش ما نعملوش كيف الاذاعات الاخرى _ فكيف لي ان اقبل بقدوة من اذاعات اخرى هي لم ولن تكون يوما ما قدوة ..انا لا ولن اقبل بدعوة اشباه الفنانين واشباه المثقفين واشباه السياسيين في برامج راديو اللمة …هذه في نظري خيانة لرسالتي وخيانة لبلدي ..لانّ في ذلك تبليدا للفكر ونشرا لثقافة التدجين والتهميش ..
هذا كان في بداية اختلافي مع البعض ثمّ اكتشفت في مراحل متقدمة ان هنالك اشياء تُحاك من ورائي …اي اعرفها عندما تقع ..وهذا كان عكس اتفاقي المبدئي الاوّلي مع صاحب الفكرة …ويوم تفطنت للامر وما حيك من ورائي تحاورت معه في الموضوع لم ينكر هذا واعتبر انّ ما قام به مع البعض من جماعة راديو اللمة اصبح شرعيّا بعد 3 سنوات من تجربته معي وانّه اصبح مؤهلا لاخذ بعض القرارات …انذاك ايقنت انّ عقدي المعنوي مع راديو اللمة عليّ بانهائه ..وانهيت تلك التجربة الحزينة .وانسحبت نهائيا .اقول حزينة لانّي اتألّم فقط لاغلبية من شاطروني حلمي وكانت تلك النهاية التعيسة …
واسأل الان اين راديو اللمة ؟ منذ البداية وهنا تظهر النوايا الخبيثة للبعض قرروا تغيير الاسم …دون ان ينتبهوا الى الخطأ الغبي الا وهو التفريط في اسم اصبح “فون دي كومارس” اصلا تجاريا هام ا…واسأل ايضا هل الراديو الذي اخذ مكانه اصبح اف ام ؟؟ راديو الويب الان عموما وللاسف اصبح نوعا من انواع الاحتيال على فئة كبيرة من الحالمين …يعمل اصحاب هذه الراديوات فترة محددة مع اولئك الحالمين ودون مقابل واعدينهم بالترسيم ثمّ وبعد اشهر معيّنة يتخلّون عنهم بحجّة عدم نجاحهم ويجلبون فئة اخرى للعمل وبنفس الوعود وبنفس الكذب وهكذا تسير الامور في جلّ اذاعات الويب …
ويبقى السؤال الاهم ..مالكو هذا الراديوات الويب من وراءهم ؟؟من يضمن لهم المصاريف الشهرية وتكاليف اجهزتهم ؟ القاعدة تقول انّ ايّ مستثمر لا يعطي لوجه الله … اذن من وراء من يقوم يضخ تلك الاموال ؟ وما هي اهدافه من وراء ذلك ؟؟ …و وبكلّ فخر اقول في راديو اللمة لم يكن لدينا مستثمرون كنا نتكفل جميعا بمصاريف الراديو ..وللامانة ايضا اقول انّ هنالك من عبّر عن رغبته في الاستثمار معنا وكنت شاكرا لفضلهم ووعدتهم بانّ ذلك سيكون عند تحوّل راديو اللمة من الويب الى الآف ام …..
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.