تابعنا على

جور نار

تونس في مهبّ الأحقاد … بين مطرقة قيس وسندان الطبوبي!

نشرت

في

يتحوّل السيناريو التونسي من مشهد الى آخر ومن فصل إلى غيره، بشكل يخلق حالة من عدم الاستقرار والثبات في قراءة وتحليل المستجدات والمعطيات، واستشراف القادم بشكل يتيح لنا فهم الأدوار، وما قد تؤول إليه الأحداث في قادم الأيام والاشهر…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

تونس التي عرفت ومنذ خروج بن علي رحمه الله “زحمة واكتظاظا” في الأحداث والفعل وردود الفعل تراوحت بين الاغتيال والاختطاف والتسفير والتهجير والتهديد والوعيد وتهميش وإذلال أغلب كفاءات البلاد، وأغلب القيادات السياسية والإدارية التي صنعت ربيع ومجد تونس…فربيع تونس الحقيقي سبق بكثير الربيع العربي المزعوم الذي جاء بنيّة قطف ثمار ما صنعه كبار الكفاءات التونسية في المؤسسات العسكرية والأمنية والتعليمية والصحيّة والإدارية والتربوية، فالربيع العربي المزعوم جاء لإذلال جيل ذهبي صنعته منظومتا بورقيبة وبن علي رحمهما الله ودون أن تعي فداحة ما اقترفته أرغمت كبار الأطباء والمهندسين والقضاة والإعلاميين والكتاب والمؤرخين والعلماء والباحثين على البحث عن حضن آخر أكثر استقرارا وأمنا يحتضنهم…

الربيع المزعوم لم يغيّر حال أبناء هذا الوطن الجريح…بل ذبحهم ومنع عنهم الفرح وعاد بهم إلى أكثر من قرن إلى الوراء…من حكمونا منذ احدى عشرة سنة نسوا أن العمل السياسي يحتاج إلى قيادة حكيمة ناجعة تتعامل مع العقل وتُغلّبُه على العاطفة والمزاج…أغلب من حكموا تونس منذ 14 جانفي لم يحكّموا العقل بل جاؤونا بخطاب الكراهية والعنف…هؤلاء لم يأتوا لبناء وطن واحد لشعب واحد بل جاؤوا لتقسيم الوطن…وتشتيت شمل الشعب… ماذا فعل خطاب الكراهية والحقد في الشعب الواحد؟ مزق شعبا بأكمله… وزرع الكراهية والخوف حتى جعل هذا الشعب يعرف مستوى معيشيا متدنيا لم يعرفه سابقا…فالحرية والديمقراطية لا تعوضان الرغيف ولا تشبعان الشعب من جوع أصبح يدقّ على أبواب أكثر من ثلث شعب مخدوع…واليوم أيضا تتواصل الخديعة ويواصل بعضهم ملء صدور البعض الآخر حقدا وكراهية على بعض هذا الشعب…

سندان ساكن ساحة محمد علي…

تونس اليوم تعيش خديعة أخرى لم تعشها سابقا…تونس تعيش بين مطرقة ساكن قرطاج، وسندان ساكن ساحة محمد علي وكلاهما أخطأ ويواصل الخطأ في قراءة المشهد الذي تعيشه البلاد وكلاهما أساء تقدير حساسية المرحلة وهشاشة الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي وترديه…فالاتحاد يحاول جاهدا وبكل الطرق انقاذ نفسه من ورطة عشرية هدم البناء الذي بناه رجالات تونس، فأعلن الحرب على ساكن قرطاج محاولا إيجاد موطئ قدم في “المنظومة القيسونية” وكسب ودّه شريكا بكامل الأوصاف والصلاحيات كما كان مع من سبقه، ليس حبّا في هذا الشعب كما يظنّ البعض بل انقاذا لنفسه من تبعات شراكة كاملة في حكم عشرية هدم وخراب…فقيادات الاتحاد لم تعدّل الفصل العشرين من نظامها الداخلي من أجل عيون العاطلين عن العمل، أولئك الذين عذبتهم طيلة عشرية كاملة ويزيد بوعود وهمية وكذب وخداع وهراء، بل عدّلته للبقاء في مواقعها دفاعا عن مصالحها وانقاذا لنفسها من محاسبة آتية لا ريب فيها…فالاتحاد كان شريكا بأكثر من النصف في حكم العشرية التي أطلق عليها أمينه العام “عشرية الخراب”…متناسيا انه كان شريكا بأكثر من النصف وكان الآمر الناهي في كل ما تقرره الحكومات التي مرّت على  القصبة…قيادات الاتحاد لم ترأف بحال البلاد يوما واحدا، وهي حقيقة ينفيها البعض وتشخيص يخفيه البعض خوفا من عقاب ساكن ساحة محمد علي …

اتحاد “الطبوبي” وخلافا لما تعرفه النقابات لم يكتف بالدفاع عن منظوريه بل وصل به الجبروت والاستبداد والغطرسة إلى معاقبة بعضهم وحرمان كل من تسوّل له نفسه انتقاد سياسات ساكن ساحة محمد علي من حقوقهم، وقد يصل الأمر إلى المطالبة بعزلهم او بتجميدهم أو حتى تجريدهم من خطتهم الوظيفية…فالحاكم الفعلي كان ولا يزال في أغلب المؤسسات هو الاتحاد…فهو من تنكّر لكل الشعارات التي رفعت قبل واثناء حراك 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011 …نعم هو من اختار ليّ ذراع كل الحكومات مطالبا بتسوية الوضعيات والنفخ في الأجور والمرتبات ولم يفكّر يوما في تجميد الأسعار والأجور لخلق فرص جديدة لتشغيل من ماتوا و هم يطالبون بالتشغيل، ومن وعدوهم بالخروج من محنتهم….فماذا وقع؟…لا شيء …تواصلت بطالة مئات الآلاف…وانتفخت مرتبات وأجور الموظفين والموظفات والعاملين والعاملات…فهل كان الوزير يتصرف وحيدا في وزارته؟ لا… كانت النقابات الأساسية تفرض عليه ما تريد، متى تريد، وكيف تريد…وهل كان المدير العام يتصرّف كما يريد في إدارته؟ لا…كانت النقابة الأساسية تفرض عليه ما تريد ومتى تريد ولمن تريد…هكذا عاشت البلاد في عشرية هدم وخراب كان الاتحاد شريكا بأكثر من النصف في ما وقع فيها…واليوم بما يأتيه، يحاول فقط التخلّص من تبعات ما أتاه طيلة عشرية يصفها بعشرية الخراب وهو الحاكم بأمره فيها وخلالها…

و مطرقة ساكن قرطاج…

أتحوّل للحديث عن مطرقة ساكن قرطاج التي لا تختلف كثيرا عن سندان ساحة محمد علي، فقيس سعيد لم يقرأ المشهد جيدا وكما يجب، وسقط في نفس الفخّ الذي سقطت فيه الترويكا حين تسلم الحكم من “داهية” وديناصور سياسي خبر كل فنون وفخاخ الحكم ومنزلقاته وتعلّم على يد بورقيبة ورفاقه رحمهم الله جميعا…فالباجي رحمه الله ترك إرثا ثقيلا على كل من سيأتي بعده، حين جلس في القصبة لسنة أعتبرها شخصيا سنة درء السقوط في ما سقطت فيه بقية الدول التي اكتوت بربيع عربي قاتل مات بين أزهاره الاصطناعية المزيفة الآلاف…وشُرّد بشوكه الموجع الملايين…

قيس سعيد كان يتصوّر ان حكم البلاد وإصلاح حالها، بالبساطة التي يكتب بها خطبه وتهديده ووعيده وويله وثبوره، وسقط في نفس ما سقطت فيه النهضة قبله، فقيادات النهضة تصوّرت أن الدولة هي “صندوق” من المال يوزعه من يحكم كما يريد لمن يريد متى يريد، فخاب ظنّها وتصوّرها، ففشلت في الحكم وخرجت منه رغم أنفها لتعود إليه خلف “الستار السبسي”…ألم تعد النهضة بتشغيل 550 ألف عاطل فلم تنجح في تشغيل عاطل واحد ممن ماتوا ينتظرون وصول ورقة تشغيلهم …

قيس سعيد لم يلتفت يوما لما وجب أن يلتفت إليه من مشكلات البلاد، بل اكتفى منذ صعوده إلى قرطاج بمحاربة خصومه ومحاولة التخلّص منهم وتشتيتهم لغاية في نفسه ونفس من يساعده في تخطيط مستقبل البلاد على مقاسه…رئيسنا لم يستسغ أن يكون رئيسا منقوص الصلاحيات فقرر أن يقلب كل الأوضاع لصالحه على طريقته…ولم يكتف بخطبه النارية والعنقودية بل نجح في صناعة مبررات “انقلابه” الدستوري، فعطّل عمل حكومة من اختاره هو ليكون صاحب القصبة…ولم يحرّك ساكنا أمام غزو الوباء ديارنا الا بعد أن استولى على البلاد ومفاصل حكمها… ووضع كل العراقيل الممكنة في طريق كل عمل حكومي وكل قانون برلماني…ونجح في جرّ البعض إلى أرض معركته، من خلال اللعب على مزاج جزء كبير من الشعب، فزرع في أذهانه حقدا وكرها لكل من سبقوه في حكم البلاد…فقيس سعيد بما أتاه ضاعف كميّة الحقد في نفوس اتباعه وأنصاره والآلاف من الشعب المخدوع بخطابه التحريضي الذي كانت خلاصته “أنا أولا أحد”، الأمر الذي جعل كل من لم يغنموا شيئا من الربيع العربي والعشرية التي سبقت مجيء قيس سعيد للحكم يوجهون أصابع الاتهام لمنظومة النهضة وكل من حكموا معها وبها ومن خلالها البلاد قبل انتخابات 2019 وخلال سنة ونصف من حكم قيس سعيد ومن معه…فخلال عام ونصف لم يبق قيس سعيد مكتوف اليدين بل نجح في خلق الذرائع وصناعة المبررات لتفعيل الفصل 80 الذي طالبه به البعض…وقد كان خلال تلك المرحلة يرفض فكرة الالتجاء إلى تفعيل ذلك الفصل، وأكّد على ذلك سويعات قليلة قبل غزوة عيد الجمهورية المفتعلة والتي كانت مِسك ختام مرحلة خلق الذرائع وصناعة المبررات…

إذن نجح قيس سعيد في جرّ أغلبية الذين يضمرون شرّا بمنظومة الحكم التي سبقته إلى صفّه، وجعل من الأحداث التي عاشتها البلاد يوم 25 جويلية بأيادي اتباعه وبعض “المبهورين” بخطابه ذريعة للالتجاء إلى ذلك الفصل الذي كان قبل سويعات يقول ويؤكّد أنه لن يلتجئ إليه، مباشرة بعد تفعيل الفصل 80 وإعلان انقلابه دستوريا على نفسه ـ فهو من المنظومة ويعتبر أهمّ اضلاعها ـ خرج عشرات الآلاف يجوبون الشوارع فرحا بما وقع وترحيبا بقرارات الرئيس، وكان من بين هؤلاء الدساترة ومتفرعاتهم، واليسار ومكوناته، وأغلب الأحزاب التي لم تجد مكانا تحت شمس قبّة باردو، وتصوّر الجميع أن الرئيس امتلك المشهد السياسي برمته ونجح في كسب ودّ كل الشعب، والحقيقة هي أن كل الذين خرجوا ليلتها لم يخرجوا يهتفون بحياة الرئيس حبّا فيه بل لأنه فقط ابعد النهضة ومن معها من الحكم…بعض هؤلاء وأحزابهم أخذهم الطمع في التواجد في منظومة حكم قيس سعيد القادمة فخرجوا يهتفون باسمه وبما اتاه…هؤلاء جميعا خاب ظنّهم بعد عشرة اشهر من انقلاب الخامس والعشرين من جويلية وعادوا إلى مواقعهم وأحزابهم ساخطين…

هذا الأمر يؤكّد حقيقة واحدة هي أن اتباع قيس سعيد وانصاره هم من سكان الفضاء السيبرني ولا وجود لهم في الواقع…وقد يخيب ظنّ الرئيس في قادم الايام حين يدرك ان حجم من ناصروه لا يتجاوز حتى نصف من انتخبوه في الدور الأول…فكل من خرجوا مساء الخامس والعشرين عادوا وسيعودون في قادم الأيام إلى أحزابهم، وإلى مواقعهم غاضبين فهو لم يغيّر من حال من انتخبوه، ولم يصلح امرا واحدا مما كان ينتقد اعوجاجه حين كانت النهضة ومن معها بقيادة من اختاره للقصبة يحكمون…خلاصة ما جرى ويجري قيس سعيد يتابع كثيرا عمليات سبر الآراء “الزرقونية”، ولم يع إلى حدّ الساعة أن الزرقوني يخدعه ويحاول ايهامه بوضع مخالف لواقع سياسي منفلت…فحتى من انتخبوه لم يكونوا ابدا من أتباعه، ولا من أنصاره، بل كانوا قواعد وأتباع أحزاب أخرى قررت قياداتها قطع الطريق امام خصمه خوفا من تبعات ما اشتبه به هذا الأخير…فقيس سعيد يفاخر بشعبية وهمية افتراضية زرعتها في ذهنه عمليات سبر الآراء، وهذه “الشعبية” الافتراضية والوهمية ومن يؤثثها لن يخرجوا غدا من شاشات هواتفهم ليذهبوا إلى الخلوات الانتخابية ليختاروه رئيسا للبلاد لدورة ثانية، أو لاختيار دستوره الذي كتبه على مقاسه ومقاس ما يريده …وهذا هو الخطأ الأخطر والوهم الأكبر الذي وقع فيه قيس سعيد ولن يقبل بأن يناقشه فيه أي ممن هم حوله…وقد يستفيق يوم إعلان نتائج الاستفتاء على دستوره المنتظر…بحجم أتباعه الحقيقي…حينها سيدرك ان خدمة الشعب لا يمكن أن تكون بزرع الأحقاد هنا وهناك وتقسيم البلاد مللا وطوائف…

إلى اين نحن سائرون؟

فهل بخطاب الكراهية والحقد نبني وطنا يتألم…ألم نقرأ الدرس من الدول التي سار حكامها على نهج خطب الكراهية والعنف والحقد وزرع الفتن؟ ألم نبك حالهم وحال شعوبهم؟ فهل يجب أن تبكي الشعوب الأخرى حالنا، ونحن نعيش حالة من الانقسام والتشرذم بسبب الأحقاد والكراهية؟ كل الدول التي راهنت على خطاب الكراهية سقطت في مستنقع التخلّف والجهل والفتن والفقر وعاشت استبداد وغطرسة دكتاتورية قياداتها التي تبنت ذلك الخطاب…وكل الدول الفقيرة التي نسيت أحقادها، وتصالحت بينها وبين بعضها، وتبنت خطاب التسامح والاعتدال والتجميع والإصلاح، نجحت في الخروج من حالة الفقر وأصبحت تطمح لمنافسة بعض الدول الكبرى والغنية …

لم يقف خطاب الحقد والكراهية عند قيس سعيد ومن معه من أتباع ومريدين بل تعداهم إلى منصات التواصل الاجتماعي، واصبح يشكل خطرا على مشهد سياسي مأزوم…فتفشي ثقافة الحقد والكراهية قد تتحوّل إلى فتنة تأتي على ما بقي من أخضر في هذا الوطن “اليابس”…فتونس هي أكثر الدول العربية يتداول شعبها خطابا حاقدا ومحرّضا على “الفايسبوك”…ومن أكثر الشعوب تضليلا وتصديقا لخطاب التضليل على منصات التواصل الاجتماعي… فإلى متى تواصل حكومات ما بعد 14 جانفي سرقة اللقمة من أفواه فقراء هذه البلاد بخياراتها الخاطئة…وإلى متى يتواصل سلب جيوب المحتاجين من أبناء هذا الشعب بحجج واهية ومبررات لا ذنب للشعب فيها…

تمرّ تونس اليوم بأسوأ مراحل وجودها منذ بعثت أي قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة… بؤس وفقر واحباط واعتقالات وسجن لحرية الراي وتشويه سمعة وصناعة مبررات وخلق ذرائع وهمية… لن نخرج مما نحن فيه ولن نستطيع التغيير إذا بقينا على اختلافاتنا هذه…لن ننجح مستقبلا في الوقوف في وجه العنف إن واصلنا نشر هذا الخطاب البغيض الحاقد…ولن نستطيع أن نضمن استقرارا وأمنا لأجيالنا القادمة إن واصل بعضنا خطاب الانا والانانية وبقي يحاكم التاريخ ومن تولوا قبله بأحكام مسبقة وبحقد لا نعرف مصدره أو إلى اين يمضي…بعض ما يقع في هذه البلاد ومنذ أكثر من عشر سنوات يحرمنا من التعايش بسلام بعضنا مع بعض، ويحرمنا من أهم شيء داخل النفس البشرية “إنسانيتنا”…علينا ان نقبل بالاختلاف وأن لا نعتدّ بأغلبية مساندة صورية وهمية لا وجود لها في غير شاشات هواتفنا الغبيّة…علينا أن ندرك أن الحياة تنوّع…والحياة اختلاف وليست خلافا…فبعض ما نعيشه اليوم وما نراه هو رقابة على ألسنة الناس…وعلى ما قد يدور في عقولهم…وقد وصل بنا الأمر إلى محاسبة بعض الناس على نواياهم وما يضمرون…أأصبحنا نعلم بما في الصدور؟؟

إصلاح حال هذه البلاد يمرّ حتما عبر إتاحة المساحة للجميع لممارسة دورهم دون أن يتملكنا الخوف ممن يختلفون معنا في الانتماء والتفكير…فإصلاح أوضاعنا يمرّ أولا وقبل كل شيء عبر ترك سوء النيّة، وحسن الظنّ بالآخرين، حتى وإن كانوا خصوما ومنافسين لنا سابقا ولاحقا…

علينا أن نؤمن بحرية عقل كل ساكن على هذه القطعة من الأرض، فداخل كل فرد من هذا الشعب تكمن قدرة فائقة على تغيير الأوضاع…كل الأوضاع…ولا يجب الاستهانة بما يمكن أن يغيّره العقل البشري…فعقل الانسان هو الذي يسيّره نحو الخير أو نحو الشرّ…فلنحاول تغليب الخير على الشرّ في عقولنا جميعا… لنخرج هذه البلاد مما هي فيه بأخفّ الاضرار…

ولمن يتمسّك بمحاكمة الماضي ألا ينسى انه سيصبح غدا من الماضي، وقد يحاكمه المستقبل؟…إن لم يفعل ذلك حاضرنا…فنحن لا نقدس الماضي كما يتصوّر البعض ولا نبكي عليه رغبة في العودة إليه، فالماضي لا ولن يعود…إنما نحن نخاف على حاضرنا بما فيه…ونخاف مستقبل أبنائنا بما قد يقع فيه…فزرع بذور الحقد…لا ينبت القمح…

أكمل القراءة
تعليق واحد

تعليق واحد

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

صن نار