إن أجمل تعريف وجدتُه لفن الإفحام والبلاغة في الردّ l’art de la répartieهو الذي تُعبّر عنه قصّة رجل الدولة الفرنسي بيار منديس فرانس مع أحد معارضيه المنتمين إلى اليمين المتطرف في المجلس الوطني الفرنسي خمسينات القرن الماضي، لمّا صرخ في وجهه هذا الأخير “اخرس أيها المختون” (لأن منديس فرانس من عائلة يهودية تمارس خِتان الأطفال الذكور). فتماسك PMF كما كانوا ينادونه وردّ عليه : “من المؤكد أن زوجتك تعاني كثيرا من الثرثرة وإفشاء الأسرار” !
منصف الخميري
تدُرّ علينا اللغات الأجنبية أحيانا ببعض المصطلحات والتعابير التي لا نجد لها مرادفا مماثلا ودقيقا في لغتنا العربية من قبيل l’empathie أو la résilience في اللغة الفرنسية… أو كذلك – وهذا موضوع ورقتي الأسبوعية هذه المرة- مصطلح la répartieالذي يقابله حسب رأيي في العربية الإفحام أو إلجام الخصوم عن الكلام.
وأفحم الخصمَ في العربية أي أسكته بالحجّة وأعجزه عن الجواب.
كم حدث لنا جميعا أن قلنا في مناسبات عديدة بعد انتهاء الحوار مع شخص ما أو مجموعة من الأشخاص خاصة في لحظات التوتّر العالي (مثل الحوارات التلفزية أو النقاشات الفكرية مع الخصوم الخ…) “تبّا، كان عليّ أن أردّ عليه بهذا الشكل” ! والتعبير عن مثل هذا “الحرمان” مردّه أننا لم نكتسب القدرة التلقائية والآلية على الردّ المناسب والمُفحم في وضعيات تواصليّة نُستهدف فيها.
___اعتباران أساسيان يدفعانني إلى الحديث في فنون الردّ :
قتامة المشهد الإعلامي التلفزي والافتراضي الذي أصبح يُنعت بــ “التلفزة في بوبالة” وساحةً للمبارزة والتصادم مثله مثل مدرّجات الملاعب الرياضية حيث ينتشر الكلام البذيء بل وتُغدق عليه الأموال كي يُلحّن ويُغنّى حتى تَفحم الأصوات وتنقطع الأنفاس من شدّة التأثّر. فحديث القُمامة الذي نسمعه على منابر تلفزاتنا لا يختلف في شيء عن المقذوفات المتنوعة نحو الملاعب والركل الفاحش فوقها.
والسبب الثاني هو العقدة الشخصية التي كبُرت معي منذ تعرّفت إلى متعلّمين أجانب عن قرب وكان يدور بيننا حديث يومي حول شتى المواضيع والمسائل العادي منها والمتعلق بمهنة التدريس ومناخاته، ومن بين الاختلافات “القاعديّة” البيّنة التي كنت أقف عليها في كل مرة (عند ترك مسافة نقدية بيني وبينهم) هي سرعة البديهة لديهم ومهارة “البينغ بونغ الكلامي” التي يوظفونها في التواصل بشكل أفضل منّا بكثير وكذلك القدرة على الإحراج والإسكات في غير تجريح أو وقاحة.
ولكن ما يجب الانتباه إليه أن “فن الإفحام” l’art de la répartie ليس “موهبة ربّانية” كما يظن البعض أو معطى وراثيا، بل هو مهارة تُكتسب وتُنمّى وتُتاح لجميع الناس شرط أن نتدرّب عليها بانتظام ونُبدي استعدادا جديّا للاشتغال على ذواتنا وأن نُدرك أن الإبداع الشخصي وثراء اللغة والسيولة الشفوية والقدرة على المواجهة، هي خصال جوهرية في مسار التعلّم هذا وهذا التدريب (الذي يشبه الى حدّ كبير ممارسة الارتجال المسرحي).
يقول الدّارسون في هذا المجال إن “الثقة في النفس ومحاولة فهم طبيعة المشاعر التي تلفّنا في لحظة معيّنة وإطلاق العنان لخيالنا والإصغاء بشكل جيد لما يقوله الآخر وفرز الوضعيات التواصلية التي تستدعي “ردّا بديعا” وعدم محاكاة الآخر في أسلوبه وضرورة أن تسترعي الاهتمام قبل الردّ. مع الحرص الشديد على الردّ بشكل مرح وغير متشنج…” هي مكوّنات أساسية لضمان ردود مُفحِمة لا نندم على اقترافها في ما بعد.
إن افضل الردود “التي تُصيب في مقتل” هي تلك التي يمارسها الشخص وهو هادئ تماما وواثق جدا من نفسه مستغلا القوة العظيمة الكامنة في تجنّب استهلال الحديث بكلمة “لا” و “غير صحيح” و”هذا هراء وخور” … وأخيرا لا بد أن تجرؤ على القول. (وهي موازنة دقيقة بين القول واللاقول ومراوحة مُتقنة بين القبول الذكي ولو صوريّا برأي الآخر والإسكات الناعم له…).
وعليه، قد يكون من المُفيد لأطفالنا تدريبهم بشكل مبكّر على آداب المحاورة وحسن الإصغاء والتسلّح بقدر كبير من اللغة والثقافة العامة والثقة بالنفس وكبح جِماح الانفعال والغضب أثناء استهدافنا من قبل الآخر … وهو تمرين يومي حول طاولة الإفطار وأثناء السهر العائلي وخلال مشاهدة شيء ما بصفة جماعية أو مُعايشة خلاف أو شِجار في الطريق العام.
“السبّان والعيران والتحليب وتلقيش السماء والكشاكش الطالعة والهيجان والميجان والغسلان والتشليل وتسميع وسخ الوذنين وتمسح بيه القاعة وتتحلّف فيه وتتهدّد عليه ويفتّقو من بعضو ويكوّر بيه…” كلها عناوين لأدرينالين غير مسيطر عليه ومشاعر بدائية جيّاشة غير مروّضة ودليل على أننا نعاني من نقص حادّ في المُليّنات الذهنية مثل الثقافة والقراءة والسينما والمحاورات الهادئة وتجريب التلاسن مع المحيط والاطلاع على التجارب الإنسانية المختلفة وتصفّح حياة الكِبار الذين مرّوا من على هذه الأرض.
أنا حزين لكون لغة الڨبي ڨبي والشنقر ونقر وأمورو في الجبن وتسكرة التران في مكتوبو (بمعنى نازح) في شوارعنا أضحت عنوانا للـــ “فحولة” و “القفزة” وتجد صدى واسعا لها في وسائل الإعلام العمومية والخاصة فتُرسّخها وتُشرعنها وتزيد من انتشارها بدلا من أن تكون قاطرة للتدريب على لغة أرقى وفنون كلام أكثر علوّا وتوظيف فنون المعمورة وثقافاتها وكتبها وإبداعاتها في تهذيب لسان طفولتنا وشبابنا.
___من أمتع الإفحامات وأرقاها :
شاهدت ذات مرة مخرجا سينمائيا فرنسيا خلال حوار تلفزي يردّ على ناقد سينمائي شاهد فِلمَهُ واستعمل ألفاظا مُقزّمة في حق الشريط مشكّكا في قيمته الفنية ووجاهة الأفكار الواردة فيه…تركه صاحب الشريط يُكمل انتقاداته المُدمّرة حتى النهاية. حينها طلب منه بكل هدوء “هل أنهيت حديثك ؟” أجابه “ليس تماما ولكن سأكتفي بهذا القدر”.
اتجه نحوه المخرج وقال له : “وأنا سأكتفي بأن أجيبك بشكل بسيط من خلال حكاية الغراب والبلبل التي يعرفها الجميع” :
كان هناك في الغاب غراب مغرور ومفتون بصوته إلى درجة كان يسمح لنفسه بالتنمّر على بلبل مجاور كان يشدو أعذب الألحان التي يطرَب لها جميع الغابيّين. وذات يوم بادره الغراب : أيها الرفيق العزيز، إنشادُك الذي تعتبره غاية في الروعة والبهاء كان سيتفوّق على إنشاد كل ضيوف هذه الغابة… لولا وجودي أنا شخصيا لانتزع منك هذا النصر المزعوم، وإن أنت شكّكت في ما أقول، ما عليك إلا أن تختار حكَما بيننا.
(صمت سينمائي يُخيّم داخل الأستوديو التلفزي وبحضور جمهور منتبه جدا لأن المخرج السينمائي عرف كيف يشدّ انتباهه قبل بداية القصّ).
في تلك اللحظة كان يمرّ من هناك خنزير وحشي قبِل أن ينتصب حَكَمًا بين الغراب والبلبل.
أنشد البلبل بُرهة وغنّى الغراب حينا وبقيا ينتظران التصريح بالحُكم. فكّر الخنزير مليّا ثمّ أعلن أن صوت الغراب أكثر إطرابا وإمتاعا من صوت البلبل.
انفجر البلبل باكيا عند سماع الحكم، فقال له الخنزير : هذا طبيعي أنك تبكي، لأنك خسرت الرّهان لا أكثر ولا أقل.
صمت وجيز ثم تصفيق حارّ من قبل الجمهور الذي تابع القصة بكل انتباه… مُدركا أن المقصود هو كون الناقد السينمائي الحاضر هناك لم يكن مؤهّلا لتقييم الشريط المعروض.
ولكن ثمّة أيضا بعض القصص الأخرى التي لا تقلّ قوة ونموذجية في فنون الردّ الذي يُسكت الخصوم :
___مرّ شاعر بنسوة فأعجبه شأنهنّ، فقال فيهنّ: إنّ النساء شياطين خلقن لنا … نعوذ بالله من شرّ الشياطين فأجابته واحدة منهنّ، وقالت : إنّ النساء رياحين خُلقن لكم … وكلّكم يشتهي شمّ الرياحين
___دخلت إحدى العجائز على السلطان تشكو إليه جنوده الذين سرقوا مواشيها بينما كانت نائمة . فقال لها السلطان : كان عليك أن تسهري على مواشيك لا أن تنامي. فأجابته : “ظننتك أنت الساهر يا سيّدي فنمتُ” .
قبل أن أُنهي بهذه :
___يُذكر أن رجلا التقى أبا الطيب المتنبّي فقال له : رأيتك من بعيد فظننتك امرأة، فردّ المتنبي : وأنا رأيتك من بعيد فظننتك رجلا !
هنالك تعبير في عاميّتنا التونسية التي تعبّر بشكل عجيب عن هذا الفنّ الخصوصي في الكلام : “عطاهالو بين العينين”.
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.