تابعنا على

جلـ ... منار

رسائل سياسية في المونديال

نشرت

في

عبد الله السنّاوي

شاع مصطلح “دبلوماسية البينغ بونغ” عام (1971) إثر مصافحة بدت عادية بين لاعبين أمريكي وصيني في مسابقة دولية جرت وقائعها باليابان.

عبد الله السنّاوي

كانت تلك المصافحة نقطة تحول حاسمة في العلاقات بين البلدين.
خفضت مستوى التوتر في جنوب شرقي آسيا وأسرعت بإنهاء حرب فيتنام.
فتحت صفحة جديدة في النظام الدولي، ومهدت لدخول
“الصين الشعبية” مجلس الأمن الدولي بديلا عن تايوان.
وقدمت وزير الخارجية الأمريكي “هنري كيسنجر” نجما دبلوماسيا فوق العادة.
تدافعت الحوادث بسرعة، كأن المصافحة لم تكن مرتبة ومقصودة.
دعا رئيس الوزراء الصيني “شوان لاي” فريق تنس الطاولة الأمريكي إلى زيارة بيكين، وجرى احتفاء زائد.
كان ذلك تمهيدا لزيارة الرئيس الأمريكي “ريشارد نيكسون” إلى العاصمة الصينية عام (1972) ولقاء زعيمها “ماو تسى تونغ”.
كانت أمريكا تبحث عن فرص ممكنة للخروج من المستنقع الفيتنامي والصين تعمل على فتح آفاق حركة جديدة على المسرح الدولي.

استلهمت مجددا “دبلوماسية البينغ بونغ” في حفل افتتاح مونديال (2022) بالعاصمة القطرية الدوحة بالمصافحة التي جرت بين الرئيسين المصري “عبدالفتاح السيسي” والتركي “رجب طيب أردوغان”.
لم تكن المصافحة عفوية، كل شيء كان مرتبا في مشاهده مقصودا بأهدافه لإنهاء سنوات طويلة من الجفاء السياسي والشخصي.
للدولتين مصالح أمنية واستراتيجية في تخفيض مستوى التوتر بينهما قبل الانتقال إلى الخطوة التالية.. تطبيع العلاقات بالكامل.
بالنسبة لمصر فإن حدودها الغربية مسألة أمن قومي خشية أن تتمركز فيها جماعات عنف وإرهاب مسلحة، وغاز البحر المتوسط أولوية ثانية ثم تأتي بعد ذلك مصالحها المشروعة، كما كل الدول المتداخلة الأخرى، في ملف إعمار ليبيا بعد التوصل إلى تسوية سياسية مستقرة.
بمعنى ألا تنفرد بكعكة الإعمار دولة واحدة توقع عقودا مطعونا في شرعيتها.

وبالنسبة لتركيا فإن تخفيض مستوى التوتر مع مصر يساعد الرئيس الحالي في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فالمعارضة تحمله مسؤولية تسميم العلاقات والانخراط في أزمات إقليمية مع مصر ودول الخليج بلا ضرورة أو داعٍ.
من حيث التوقيت هناك معضلة جوهرية تعترض أردوغان، فهو من ناحية يتطلع للعب دور جوهري كوسيط مقبول من طرفي الحرب الأوكرانية، بما يرفع من مستوى وزنه الدولي، وهو من ناحية أخرى في حال انكشاف أمني بالتورط المحتمل في مواجهات عسكرية واسعة عبر الحدود مع الأكراد في العراق وسوريا معا دون أن يتوفر لديه أي غطاء دولي روسي أو أمريكي، على ما يصرح ويشتكي.
بالضرورات الضاغطة: نحن أمام الخطوة قبل الأخيرة لتطبيع العلاقات المصرية التركية.

كلا البلدين يحتاج أولا وقبل كل شيء ألا يتصادم مع الآخر فى الظلام.
التحوط ضرورى قبل أية استنتاجات في أمرين رئيسيين.
إذا لم تتم تسوية عادلة للأزمة السورية فإن عوامل التفجير تظل ماثلة في المكان.
وإذا لم تنظر أنقرة للأزمة الكردية بمقاربة جديدة، أو أن تكف عن استخدامها كفزاعة لاستقطاب المشاعر في صناديق الاقتراع، فإن أي استقرار يصبح صعب المنال.
لا يعني التفاهم شبه الممكن أن الأزمات بين البلدين سوف تختفي بضغطة زر.
ما حدث بالضبط في حفل افتتاح المونديال تأكيد جديد على ضرورات التهدئة والتطبيع لا أكثر من ذلك في اللحظة الحالية.

يكفي الالتفات إلى أن اتصالات على مستوى أمني استغرقت وقتا طويلا نجحت في نزع ألغام عديدة بملف “الإخوان المسلمين”، لكن ذلك لم يكن كافيا لعودة العلاقات الدبلوماسية، أو التقدم إلى الأمام في طلب المصالحة، ثم أخيرا بدا التعثر فادحا على خلفية أزمة الغاز في البحر المتوسط.
كان توقيع اتفاقية تركية جديدة مع حكومة “عبدالحميد الدبيبة” داعيا لتأزيم جديد في الصراع على غاز البحر المتوسط كاد ينسف أية آمال معلقة على فرص المصالحة الداخلية برعاية أممية، وينسف بالوقت نفسه أية رهانات لتجاوز حقول الألغام في العلاقات المصرية التركية.
هكذا فإن هناك ضرورات أمنية وإقليمية استدعت العودة مجددا لبحث التقدم إلى الأمام في المصالحة.

كانت “دبلوماسية البينغ بونغ” مدخلا مناسبا في محفل رياضي لإزاحة الشكوك المتبادلة.
بالتعريف فإن الرياضة ليست ميدانا سياسيا، لكنه لا يمكن عزل ما هو رياضي عما هو سياسي.
هذا وهم كامل.
لأسباب سياسية مباشرة ألغيت المشاركة الروسية في مونديال قطر على خلفية الأزمة الأوكرانية.
القرار سياسي من أوله لآخره ولا علاقة له بأية قواعد رياضية.
وقد كانت دواعي المنتخب الإيراني لعدم ترديد النشيد الوطني قبل مباراتهم مع إنكلترا رسالة سياسية عن عمق أزمة الاحتجاجات الداخلية والحاجة إلى مقاربات جديدة تستبعد الحلول الأمنية وتستجيب لما هو مشروع من حقوق.

إنكار الأزمة لا يساعد على حلها.
هذه حقيقة ثابتة.
أسوأ ما يجرى من وقت لآخر في ميادين الرياضة التوظيف السياسي للحماس الجماهيري لغير طبيعة أهدافها.
أثناء فتنة مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر (2009) المؤهلة لمونديال جنوب إفريقيا (2010) وصلت حملات الكراهية المتبادلة إلى التنابز بالأوطان واختلاق الوقائع والقصص المحرضة على القتل.
بدا أن الهدف إخفاء فشل النظامين تحت غبار مباراة كرة قدم.
كان ذلك مثالا لانتهاك أية قيم إنسانية وأخلاقية وسياسية في المساحة ما بين السياسي والرياضي.

كانت مصر قد رشحت نفسها لتنظيم ذات البطولة.
أشرف الزعيم الجنوب إفريقي “نيلسون مانديلا” على ملف بلاده.
وصف في دوائر الحكم هنا بأنه “شوية كراكيب” ــ على ما روى لى الأستاذ محمد حسنين هيكل نقلا عن مسؤول كبير متصل بالملف في منتصف مايو (2004).
بدا هيكل منزعجا من العبارة وحماقاتها: “الرجل وراءه أسطورة”.
كان ذلك استهتارا مروعا بقيمته ورمزيته في العالم دفعت مصر ثمنه موجعا في “صفر” المونديال.

من مفارقات التاريخ أن نظام الحكم، الذي استهتر بـمانديلا، سقط في (11) فبراير (2011) بعد واحد وعشرين عاما باليوم من إطلاق سراحه وتكريسه زعيما استثنائيا.
لم يكن الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالي مقتنعا بأن هناك فرصة أمام مصر لتنظيم البطولة الدولية، صارح الرئيس حسنى مبارك برأيه.
قال مبارك: “قل لجمال”!
فى اليوم التالي غادر مصر إلى باريس.
هكذا كانت تجرى الأمور.
كانت تلك رسالة تبددت في الفراغ قبل صدمة صفر المونديال.

طوال الوقت تطارد اتهامات الرشى والفساد الفيفا، تكشف أو تحجب بمقتضى مصالح وحسابات الدول الكبرى.
الأفلام الوثائقية التي أعدت قبل مونديال قطر شككت في جدارتها بتنظيم البطولة الدولية باتهامات تقديم رشاوى لقيادات الفيفا لم يقم عليها دليل قطعي حتى الآن، ولا أجريت بشأنها تحقيقات.
باليقين الفيفا غارقة في الفساد وأعداد كبيرة من قياداتها جرى اقتيادها للمحاكم بتهمة تلقى رشى خاصة في عهد “جوزيف بلاتر”.

الشبهات المتواترة معلقة فوق استادات البطولة، حتى اتهمت قطر بأنها اشترت كل شيء.
باليقين أيضا فقد نجحت بتنظيم المونديال (2022) بأكثر مما هو متوقع، رغم الانتقادات التي نالتها من المبالغة في الإنفاق، الذي وصل إلى (220) مليار دولار، الرقم بذاته يفوق كل خيال ويكفى ويزيد لانتشال الوطن العربي من وهدة أزماته الاقتصادية الماثلة.
وكان الإفراط في الخطاب الديني داعيا آخر للانتقاد، فالمناسبة رياضية لا دينية.
بصورة لافتة حرصت قطر على تأكيد انها تمثل العرب كلهم، ولا تمثل نفسها فقط.
كانت تلك إشارة إيجابية لاقت عوامل صدقيتها في الاحتفاء العربي الجماعي والشعبي، بعيدا عن حسابات الأنظمة وتناقضاتها، لفوز بعض المنتخبات العربية في الجولة الأولى من دوري المجموعات.

كانت تلك الرسالة السياسية الأهم في مونديال (2022).
أننا شعب عربي واحد، مشاعره موحدة في اختبارات الفرح الجماعي والحزن الجماعي، وأننا قادرون أن نتجاوز الدونية المخيمة إذا ما امتلكنا الثقة في أنفسنا وأسباب التفوق والتقدم في ميادين الرياضة وغيرها من الميادين.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

في البدء… كانت الأمومة

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان

وصلتني رسالة من شابة مقهورة، وكعادة أغلب الشابات اللواتي تعرضن لمعاملة ظالمة، قالت في رسالتها: (أمي كانت عدوتي الأولى)، لذلك آثرت أن أعيد نشر هذا البوست

وفاء سلطان

يحكى أن قبيلة كانت تعيش على قمة جبل، وتتحكم بقبيلة أخرى ضعيفة تعيش في أسفل الوادي. أحد الأيام، وانطلاقا من غطرستها، قامت عصابة من القبيلة القوية بالهجوم على القبيلة الضعيفة لتنهبها، ومن ضمن الغنائم سرقت طفلا رضيعا. كادت الأم تفقد أعصابها، وراحت ترجو القائمين على شؤون قبيلتها، أن يحاربوا القبيلة المتغطرسة أملا في استرجاع الطفل. بعد عدة أيام قرر الرجال، بعد أن جهزوا جيشا، أن يغزو القبيلة المعتدية، وراحت أرتالهم تتسلق الهضاب المحيطة بالقمة أثناء الليل، وإذا بهم يُفاجؤون بالأم وهي تركض من القمة باتجاه الوادي وقد احتضنت رضيعها.

صاح بها قائد الجيش: ويحك، كيف فعلت ذلك؟

تابعت مسيرها، وهي تقول: لو كنتَ أُمّا لعرفتَ كيف

…….

سمعت سيدة أمريكية أن استعراضا عسكريا سيتم في ساحة مدينتها، وسيشارك به ابنها المتطوع. شعرت بالفخر وأرادت أن ترافقها جارتها، كي تنفش ريشها أمامها مزهوة بآدائه. وقفت السيدتان على الرصيف يراقبن العرض الجميل، فلاحظت الأم إن كل حركة يقوم بها الجنود يعمل ابنها عكسها!

إذا خبطوا أقدامهم اليسرى يخبط هو اليمنى، وإذا لفوا إلى اليسار يلف هو إلى اليمين، وما شابه ذلك.

صاحت عندها مزهوة:

انظري…انظري إلى ابني، باركه الله، هو وحده الذي أتقن مراسيم الاستعراض

…….

للغراب رقبة تلمع من شدة السواد، فتبدو أحيانا تحت أشعة الشمس وكأنها زرقاء. كانت ستي أم علي تقص علينا حكاية تلك الرقبة، يسربلها يقين أقوى من إيمان أنشتاين بنظريته “النسبية”:

– ياعين ستك، النبي سليمان عليه السلام أعطى أنثى الغراب عقدا أزرق، وقال لها:

اذهبي وضعيه في رقبة أجمل المخلوقات”

لفّت الكرة الأرضية، ثم عادت لتعلقه برقبة ابنها،

ومن يومها ورقبة الغراب تبدو زرقاء، بعد أن اختارته أمه كأجمل المخلوقات، رغم قباحته وشدة سواده!

…….

تلك هي الأمومة قصة سرمدية وعلاقة لغزية،

لا أحد يعرف كنهها وسر قوتها،

باستثناء قول أفريقي مأثور:

أراد الله أن يتواجد في كل مكان فخلق الأمهات

…….

اغفروا للأمهات انحيازهن لأولادهن، فهو الإنحياز الوحيد العادل، لأنه يحافظ على استمرار الحياة

عندما تنحاز لك أمك تمسّك بما انحازت له من جميل وصدّقه، سواء كان وهما أم حقيقة،

فوَهْم الأمهات يصبح حقيقة في حياة الأولاد!

وأنت أيتها الأم آمني بكل ماهو جيد لدى أطفالك،

لأن ايمانك يصبح مع الزمن ايمانهم،

وإيّاك أن تري فيهم سوءا أو شرّا كي لا يصبحوا مع الزمن سيئين وأشرارا.

…….

ليست كل والدة أما، وليست كل أم والدة!

لا تُمنح الأنثى تاج الأمومة بمجرد أن تنجب، وليس من العدل أن تحرم منه لأنها لم تنجب، فكل أنثى قادرة على أن تكون أمّا، بشكل أو بآخر…

لقد كانت جدتي (أم علي) أما لي أكثر مما كانت أمي. لا أنسى في حياتي، كيف وبعد أن رويت لها حلما، وكنت مازلت طفلة، حملقت في عينيّ مليا، ثم أطرقت رأسها بعد تفكير، وتمتمت:

ستكونين يا عين ستك… ستكونين…

ستكونين… الله أعلم!

وتابعت: ياله من حلم غريب وجميل

ولقد صرتُ ماقالته جدتي بين عباراتها، والذي لم تبح به خوفا من أن تتعدى على مهنة الله في معرفة الغيب!

…….

كل الأمهات يعرفن الغيب عندما يتعلق الأمر بمستقبل أطفالهن، ولكي تتأكدوا اسألوا بيكاسو، فعلى ذمته

قالت له أمه:

إذا كبرت وانتسبت إلى الجيش ستصبح جنرالا…

وإذا عملت في الكنيسة ستصبح البابا….

وإذا تاجرت ستملك أكبر شركة…

يتابع بيكاسو:

ولكنني اتّخذت من الرسم طريقا، وأصبحت بيكاسو!

كانت امه تدرك أنه سيبدع أينما كان،

وكانت جدتي تعرف من سأكون…

كل عيد أم أطبع قبلة على صورة أم علي، وأتحسس روحها في سماء بيتي

…….

يبارك الإله للأمّهات المهمة المقدسة التي يقمن بها،

والتي من خلالها يجسدن ألوهيته،

ويعوّضن عن تواجده!

…….

لكن الحقيقة الموجعة:

ولأن الأم خلقت لتبني إنسانا،

تبقى قوتها المدمّرة هي الأكثر خرابا لو فشلت في تلك المهمة.

نعم، أزمتنا أزمة أمهات

أكمل القراءة

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار