تابعنا على

جلـ ... منار

صلوات فيروز… أو درب من مروا إلى السماء

نشرت

في

أكرم الريّس*

نشأت نهاد وديع حداد (فيروز) في بيت متدين ومحافظ. وكان لهذه النشأة أثرها في حياتها في ما بعد. منذ صغرها والغناء لا يفارقها: في البيت، في المدرسة، في حقول الطفولة في قرية الدبية (الشوف) خلال عطلة الصيف التي كانت تمضيها مع جدتها.

سنبحر في هذه المقالة صوب هذه المرأة المكتنزة روحيا في صلواتها وغنائها، وسنحاول ان نقارب هذا “الصوت الداخلي” (انسي الحاج) الذي يتجدد ويحفر عميقا، عميقا فينا مع تفتح كل ربيع وتبسّم شجر اللوز.

تعلمت فيروز على الاخوين محمد واحمد فليفل اصول الانشاد والتجويد القرآني، وكانت لا تزال طالبة في مدرسة حوض الولاية في منطقة زقاق البلاط. يقول الحاج محمد فليفل (1899 – 1985) في مقابلة تعود الى العام 1980: “قدمتها في دار الايتام الاسلامية (المقاصد) لتنشد “يا محمد ارفع اللواء” في ذكرى تأسيس الدار. كما اني علمتها قراءة القرآن الكريم ومن خلاله ضبطت مخارج الكلمات عندها. لماذا يتمتع صوتها بهذا الجمال؟ لأنني درستها فن الالقاء عبر قراءة القرآن الكريم. لم اكن اعلمها فقط الموسيقى، بل كنت ادرّبها على النطق السليم. فيروز اداؤها اسلامي مائة في المائة”.

كان دور محمد فليفل مركزيا ليس فقط في اقناع والد نهاد بالتحاقها بالكونسرفاتوار لمدة اربع سنوات وفي تكوينها الفني كما سلف ذكره، بل وكذلك من خلال تقديمها في الاذاعة اللبنانية حيث سمع صوتها للمرة الاولى حليم الرومي، مدير القسم الموسيقي آنذاك.

ويروي من عاصروا تلك المرحلة عن ملامح الخجل في طباعها وانضباطها اللافت في الغناء وتنفيذ تعليمات استاذها محمد فليفل. كما كانوا يجدونها مرارا تصلي في الاذاعة بانتظار دورها في الغناء قرب غرفة التسجيل. وقد تطور هذا المسلك ولازمها في مراحل الشهرة اللاحقة واصبح الصمت والصلاة دربها قبل الظهور على المسرح. وتقول فيروز عن نفسها في حديث صحافي من العام 1994 انها “راهبة في معبد الفن”. اذن الفن عندها رسالة مقدسة والصوت نعمة.

وتابعت فيروز رحلة الصوت بلقائها التاريخي مع الاخوين عاصي ومنصور الرحباني خلال فترة عملها كمرددة ومغنية في الاذاعة اللبنانية ووضعت صوتها بتصرفهم متنقلة بين انواع الغناء وما اكتسبوه من خبرة ومعارف موسيقية من برتراند روبيار والاب بولس الاشقر (1882 – 1952) اللذين التقياه في كنيسة مار الياس في انطلياس… “ندهنا من طفولتنا التائهة”، يقول عاصي الرحباني (1923 – 1986) عن الاب الاشقر في حفل احياء ذكراه عام 1963، “وعلمنا الموسيقى وكنا يومها نجهل ما الموسيقى. اخبرنا عن الفن وكنا نجهله، ولقننا الدخول الى وديان النفس والاماكن العميقة في الضمير… علمنا ان الفرحة الكبرى هي فرحة الانسان بولادة الجمال”.

ومن بواكير اعمال هذه الفترة من الخمسينات ترانيم مثل “تلج تلج”، “أؤمن”، “المجد لله في الاعالي” واذا شهدت كنيسة مار الياس وساحتها في انطلياس بدايات الاخوين رحباني، كانت ايضا انطلاقة مسيرة الترتيل في مناسبة الجمعة العظيمة وتوهج “وعد الصوت والغنية” – فيروز – بلقاء روحي شبه سنوي استمر الى اواخر السبعينات من القرن الماضي الى ان اصبح والصوت “صرخة في الضمائر” والاغنية “عواصف وهدير”.

شهدت مرحلة الستينات اعمالا غنائية ومسرحية لفيروز والاخوين رحباني حملت الكثير من معاني واعمال الصلاة: الصلاة للاطفال (يارا، اقول لطفلتي، بدي خبركن، بكوخنا يبني…)، الصلاة للحبيب (لا انت حبيبي، شايف البحر شو كبير…) الصلاة للناس، لكل الناس وين ما كان (ايام العيد، حصاد ورماح…) الصلاة للأرض والوطن (وعدي الك، زهرة المدائن، بعلبك…)، التضرع لله وذكر رموزه (ساعدني، ضوي يا هالقنديل، يا ساكن العالي، بيتي انا بيتك…). ومن المحطات الاساسية كانت اغنية “خذني” من مهرجان البعلبكية عام 1961 حيث ركعت فيروز على “ادراج بعلبك” امام اكثر من خمسة آلاف مشاهد ورفعت يداها للصلاة منشدة “إركع تحت احلى سما وصلي”. قد تكون هذه الاغنية من اكثر الاغاني التي ادتها فيروز في مراحل متلاحقة في حياتها ورحلاتها الفنية في مختلف الدول. نذكر منها الولايات المتحدة (1971، 1981، 1987 1999)، انكلترا (1961، 1978، 1986 حينما قدمت بصيغة معدلة وعلى البيانو)، فرنسا (1979، 1988)، استراليا (1984)، البرازيل (1962)، الامارات (1979، 1985) البحرين (1987)، مصر (1976) كما في بعلبك (1973) الخ… ونذكر من هذه المرحلة ايضا زيارة فيروز والاخوين رحباني عام 1964 الى القدس “مدينة الصلاة ودرب من مروا الى السماء”، وهي المرة الوحيدة التي رتلت فيها فيروز هناك وقد تلازمت هذه الزيارة مع قدوم البابا الى المدينة. واهداها الناس مزهرية، فكانت اغنية “القدس العتيقة”.

توالت الاعمال مع اصدار اسطوانتي الميلاد وترانيم الجمعة العظيمة، ومع حلقات تلفزيونية خصصت لتلك المناسبات مثل “هدايا العيد” و”القدس في البال” وحفلات غنائية حيث قدمت فيروز عام 1966 في الكويت قصيدة “غنيت مكة” من شعر سعيد عقل.

الناظر الى فيروز يرى فيها ابعد من مطربة، واكثر من صوت، يرى روحا شفافة مشتعلة كبيرة. كل هذا وجده عاصي الرحباني فيها وفي صوتها فكانت اعمالها معه لها مضمون مختلف ومغاير، وحضور هو حضور صوتها وشخصيتها اللذين فرضا اعمالا تشبه فيروز وصورتها. فيروز صلت على المسرح، حملت قضايا كبيرة وناصرت الحق. هكذا رآها عاصي “الفضاء الصوتي الذي غمره بشعره ولحنه وبأعماله المسرحية” (بول شاوول)، ولذلك “المسرح الرحباني هو مسرح فيروز بالدرجة الاولى. بدونها كانت هذه الاعمال ستفقد الكثير من وهجها ورهبتها. بدونها يلبس المسرح الرحباني وجها مختلفا عما هو عليه. وفرادة المدرسة الرحبانية هي وصل الحب بالايمان، وهذا ينتج منه حكما العدل والخير والجمال” (نبيل ابو مراد).

درب الحلم الجميل ما لبث ان اصطدم بعدة احداث شخصية وعامة تلاحقت منذ بداية السبعينات وما كان مرض عاصي المفاجىء في 26 ايلول 1972 الا بداية مرحلة اخرى من الجراحات والتخطي لا يقوى عليها الا من سلك درب الروح والايمان. وما يروى عن فيروز ردة فعلها العفوية عندما دخل عليها الشاعر سعيد عقل ليخبرها بمرض عاصي في ذاك اليوم وكانت في غرفتها بالمستشفى بسبب الارهاق من العمل المضني المتواصل. في تلك اللحظة، التفتت الى السماء وهي تقول: “يا ربي اذا شاءت عنايتك ان يعود عاصي للحياة مرة ثانية، فانني سأنذر نفسي للصلاة حتى آخر لحظة من حياتي”. هي التي لم تفارقها الصلاة منذ كانت طفلة تشترك في فرقة الاخوين فليفل كمرددة، لم تعلم انها ستوصف يوما بالام الحزينة، وهي ترتل آلامها في الجمعة العظيمة بعد وفاة ابنتها ليال عام 1988.

واذا سرقت الحرب أحلام الوطن وتركت الخيبة والفراغ، واذا ابتعدت فيروز عن مسرح الغناء في لبنان خلال هذه المرحلة، بقي صوتها ملجأ، بل وازداد حضوره في الوجدان العام. أضحى “تراثاً روحياً” و”صوت قيامة لبنان” يحمل معاني الرجاء والخلاص للناس ويجمعهم رغم العوائق. غريب توهج هذه الانسانة، وفريد تعلق الناس بفنها واعمالها التي توحدت مع سيرتها رغم غيابها القسري. اصبحت رمزاً “بقوة الحب وبإجماع المتصارعين المتضادين”. واذا غنّت النذر في العام 1966 “أنا حمّلوني هموم كتار… بندُر صوتي حياتي وموتي لمجد لبنان”، فإنها هي التي حققته “بفضل مواقف عديدة اتخذتها بصمت وبلا اعلان. بفضل تضحيات وضبط للنفس وترفّع ووفاء لكل ما بدا لها جوهرياً” (خالدة السعيد).

في هذه الفترة الممتدة من أوائل الثمانينات الى النصف الاول من التسعينات، اقتصرت اطلالات فيروز في لبنان على احياء احتفالات الجمعة العظيمة. وان كان مركز تلك الاطلالات قبل الحرب كنيسة مار الياس في انطلياس، تميزت هذه المرحلة باختيار فيروز عدة كنائس في مناطق متعددة من لبنان تتبع تارة الطقس البيزنطي وتارة أخرى الطقس الماروني. وهكذا ابتدأت رحلتها الثانية من بازليك حريصا عام 1982 الى كنيسة مار الياس انطلياس (الجديدة) عام 1988، كنيسة الوردية في الحمراء في بيروت الحزينة عام 1990 (وقد رافقها على الارغن زياد الرحباني الذي قام لاحقاً في عام 2001 بإعداد موسيقي جديد لترتيلة “يا مريم البكر”) ومنها الى دير البلمند عام 1992. وكانت هذه المحطة من المحطات المهمة، وذلك لانها المرة الاولى التي ترتل فيها فيروز في دير ارثوذكسي جامعة بتآلف الطقسين البيزنطي والماروني. كما نذكر محطة أخرى من هذه المرحلة عام 1986 حين انشدت فيروز في كنيسة سانت مارغريت في لندن مع أوركسترا انكليزية ترانيم ميلادية سريانية، بالاضافة الى مجموعة مختارة من الترانيم والاغاني الميلادية باللغات العربية واللاتينية والانكليزية .

وانتهت الحرب. واختارت فيروز في رحلتها الثالثة أن ترتل في كنائس كانت قد تضررت في زمن الحرب وهي قيد الترميم. كأنها مثل الشعراء التموزيين تنشد انبعاث الكنائس وعودة الحياة اليها مثل قيامة المسيح بعد الموت. ها هي كاتدرائية مار جرجس في اللعازارية (1995) المليئة بالثقوب والفجوات وذات السقف المهدم تحتضن صلوات فيروز الصاعدة من ركام النفس والحرب مباشرة الى السماء… “يا رب القوات كن معنا، فإنه ليس لنا في الاحزان معين سواك، يا رب ارحمنا”… “اسمع صوتي، لا تحجب أذنك عن استغاثني”. كذلك في كنيسة مار نقولا في الاشرفية (1997)، كنيسة مار لويس للآباء الكبوشيين (2000)، كنيسة مار جاورجيوس للروم الارثوذكس (2001) حيث تم تصوير ترانيم القيامة التي تقدمها للمرة الاولى بعد الحرب.

واذا كان عاصي الحلم الاول والوطن الاول، جاء لقاء فيروز وزياد الرحباني ليطرح اسئلة الحداثة الثانية وليدخل في حميمات وتفاصيل الحياة اليومية والمباشرة، وليقدم لنا “فيروز الثانية” (الياس خوري)، تلك المرأة الغارقة في عبثية العلاقات. وما بين الحلم الاول والحداثة الثانية، بقيت “الأم الحزينة” تتلألأ بالفرح العظيم وبقي صوتها “يتموج صاعداً نحو أبراج الروح”. كيف لا وفيه “يتداخل ويتحاور ملاك يرتل وطفل عفريت يلعب ومراهقة تتفتح للحب وعاشقة للمجهول الذي لا ينجلي ولا يحضر وشاعر يحلم بالسفر البعيد” (خالدة السعيد)

فيروز قالت كلمة وأية كلمة! جعلت الصلاة تقليداً وموعداً ينتظر. هي “قصة الموعودين”، تحمل الايام في راحتيها وتحمل دروب الحلم والروح في صوتها.

طقس فيروز هو طقسنا وصلاتها صلاتنا وغناؤها غناؤنا. ونحن وراءها في كنيسة ومعبد. في مسرح وإذاعة.

يا سيد العطايا، يا رب، إحمها.

ـ عن “النهار” ـ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*باحث من لبنان

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

الكتب… بين الاقتراض والقوارض

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أحمد خالد توفيق

لا أعتقد أن أبي يرحمه الله قد أقرض أي كتاب في حياته، ولو فعل فلأنه كان يحتفظ بنسختين من ذات الكتاب.. كان يؤمن أن الكتب أشياء خصوصية جدا مثل الثياب الداخلية والزوجة وبطاقة الهوية.. لا تصلح إلا لصاحبها ولا يمكن أن تقرضها إلا لو كنت مجنونا..

كان كذلك يؤمن بأن الأبناء يأتون العالم كي يبددوا الثروات التي تعب الآباء في جمعها، ومن ضمن هذه الثروات الكتب..

لم آخذ كلامه بجدية إلا عندما وقفت أمام مكتبتي التي هي مكتبته مع إضافات قليلة مني، فوجدت أرففًا بأكملها قد خلت من محتوياتها بسبب الإقراض..

معظم الناس يعتبرون أن كلمتي (استعارة) و(أخذ) كلمة واحدة، والتفرقة بينهما نوع من التزيد اللغوي لا مجال له؛ لهذا يقف الواحد من هؤلاء أمام مكتبتي – إذا قرر زيارتي – وتلتمع عيناه بالخاطر الجديد: لقد قرر أن يكون مثقفًا فجأة!. هكذا ينقب بين صفوف الكتب وينتقي هذا الكتاب.. وهذا.. وذاك.. فجأة صار مهتما بأدب أمريكا اللاتينية وتاريخ جائزة نوبل والتركيب الإداري لجهاز الموساد وفنون زراعة الأرز في الملايو وعلم السيبرنية.. في النهاية يضطر إلى أن يستخدم کیسًا من البلاستيك، لدرجة أشعر معها أن الأمر يتعلق بشراء طماطم من السوق لا اقتراض کتب..

ـ”لا تقلق.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. “

يكررها في كل مرة وهو يتجه لاهثا إلى الباب حاملا هذا الكنز ثقيل الوزن..

الآن مر شهر وشهران دون أن يعود أي كتاب.. أتصل به لأقول في خجل إنني أطمئن فقط على كون الكتب راقت له. يتساءل في حيرة: أية كتب؟

في النهاية يتذكر فيبدأ في الرثاء لنفسه لأنه كائن مشغول لا يجد الوقت الكافي ليأكل فما بالك بالقراءة؟.. سوف تعود كتبك.. لا تخف.. أنا أحافظ على الكتب جيدا.. .

شهر.. ثلاثة أشهر.. الآن صارت الكتب حقا مكتسبا له بحكم القدم، وصرت أنا سمجا كالبراغيث.. أسأله وأنا أجفف العرق على جبهتي عن مصير الكتب فيهتز ضحكًا، وينظر لي نظرة طويلة ساخرة قاسية.. لقد تغيرت النفوس.. لم يعد الإنسان قادرًا على تحمل أخيه الإنسان..

أشعر بخجل شديد من نفسي لأنني جرحت سلامه النفسي ولأنني متلهف على كتبي إلى هذا الحد، بينما لديه مشاكل لا تنتهي ولا وقت عنده لهذا السخف..

في النهاية يتحول الأمر إلى وغد لحوح – هو أنا – لا يكف عن تسول شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم.. في النهاية ينفجر فيّ:

ـ”هي مجرد کتب.. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب.. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيما!”

هكذا أتلقي درسًا قاسيًا.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم.. الحق إنني سعيد الحظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم أصدقائي..

مؤخرًا جاءني صديق تم انتدابه للعمل في منطقة صحراوية نائية. صديقي هذا طراز آخر من المقترضين.. هؤلاء الذين يقسمون أغلظ الإيمان على أنهم أعادوا لك الكتب التي اقترضوها وأنت تؤكد العكس.. وبما أنه لا يوجد إثبات وأنت لم تستكتبهم إيصالا فإنك تبتلع غيظك وتصمت..|

قال لي صاحبي متوسلا:

ـ”سواء كنت تقبل إقراض الكتب أم لا، فعليك أن تقرضني مجموعة محترمة وإلا قتلني الملل.. أريد مجموعة ممتعة من الروايات.. “

رققت لحاله من ثم انتقيت من مكتبتی رواية (إيفانهو) للسير (والتر سکوت)، وحجمها يقرب من حجم دليل هاتف الصين ، وقلت له إنها رواية ممتعة وسوف يقضي معها أسعد الأوقات.

عندما عاد بعد ستة أشهر أخرج لي الرواية من حقيبته، ونظر لي بعينين جاحظتين وقال:

“إليك روايتك الكابوس !.. لقد قضيت أسود ساعات حياتي معها.. مالي أنا والفارس النبيل فلان الذي ينتظر في الغابة قدوم الفارس علان ليختبر ولاءه للملك و.. هذه قصة لا تنتهي .. “

قلت له:

.”بالضبط .. هذا ما قصدته.. لو أقرضتك رواية مسلية الانتهت خلال ثلاثة أيام، بينما هذه الرواية المملة اللعينة تحتاج إلى حكم بالمؤبد کي تنتهي منها.. عرفت أن ستة الأشهر ستنتهي وأنت لم تفرغ من أول مائة صفحة بعد. أضف لهذا أنني أمقتها ولن يشكل فقدها أية خسارة بالنسبة لي…”

على كل حال لم يبق في مكتبتي إلا الكتب المملة والكئيبة وخامدة الذكر مثل إيفانهو وسواها، لهذا وصلت إلى حالة السلام النفسي ولم يعد أحد يقترض أية كتب مني على الإطلاق..

هل ترغب في اقتراض مجموعة كتب تشرح بالتفصيل تطور صناعة المطاط في فيتنام؟.. لا مشكلة عندي.. خذها متى شئت فأنت صديقي.. أنت أخي..

أكمل القراءة

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أنا لم أتغير !

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. أحمد خالد توفيق

هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم “ذهب مع الريح” وشاهدته عشرات المرات، فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير .. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا!

هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟

في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف، والخروف بحجم ديناصور، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حيًا كاملا من أحياء دمنهور – حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى..

كنت أستمع – أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه… وقد بدا لي خيطًا لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟..

دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال…. إلخ

حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاغني العبقري و… و… على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال..

نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة!

وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟

لكن أبي – رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة..

اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير… قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى… أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت… أغاني البيتلز والآبّا والبي جيز (خنيقة) جدًا في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني.. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..

قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إغلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد..

نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظرك..

أذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر… للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود..

أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش، وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى..

من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم..

نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة… ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟

أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!

الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة… لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت !!

ربما صار شمّي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات، والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة..

نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شابًا على أن أكون ناضجًا، لهذا أقول لك بكل صراحة:

“الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟”

Motifs 4

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار