:رواية “جراح عزيزة ” هي الرواية الثانية للكاتب والسينارست والمخرج محمدالزمزاري بعد روايته الأولى “الأوميرتا”. جاءت في 119 ص من الحجم المتوسط وصدرت عن الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع بالمنستير سنة 2022.
<strong>عمر السعيدي<strong>
هذه الرواية ترتبط في موضوعها بحدث الثورة وسنواتها العشر العجاف . وتصور الوجه السلبي لهذه العشرية على حياة الناس وخاصة الطبقة الفقيرة والمهمشة .أو هي رواية ترصد بعين لاقطة وناقدة عملية إخفاق الثورة في تحقيق المأمول منها إثر تأزم الأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية والبيئية في المجتمع . وضعف مؤسسات الدولة وتمرد المواطن البسيط بل قل كل أفراد المجتمع على السلطة. وعيش حالات الفوضى في جميع نواحي الحياة
.( لم يشهد الحيّ البائس تغييرا يذكر على مرّ السنين العجاف التي تلت ثورة “البرويطة ” غير المزيد من انخرام الأمن وانتشار المخدرات والفقر المدقع والبطالة المتفشية… حتى أنك ترى من حين لآخر كتابات معبرة على الحيطان ” حي الفقر ، حومة الشقف ، بيع جميع أنواع المخدرات عند Al Capone .ممنوع على الزناطير بيع الخمر خلسة داخل الحومة . الزلاقة لاقا تعلم تعوم . وغير ذلك من التعبيرات الحانقة أو الإفرازات المتعددة ) ص 287.
وقد عاينت الرواية مرحلتيْن هامتيْن خلال هذه الفترة . وهما أولا حدث الثورة متمثلا في طرد الحاكم وبناء شعارات و أفكار جديدة أو بديلة ونشأة أحزاب عديدة مختلفة متضاربة وعملها على بناء نظام حكم جديد يُِؤمن بالحريات ويدعو إلى التداول على السلطة . ويسعى لتطوير الاقتصاد أي مرحلة الحلم الأولى . تلتها مرحلة ثانية كانت مرحلة إخفاق هذا المشروع وانعكاسه سلبيا على حياة المهمّشين والأمنيين والجيش والمعارضة . هي رواية تسجيلية نقدية أقرب إلى كتابة صفحات أو يوميات عن حياة الناس وخاصة الفقراء والمعطلين عن العمل منهم .
فضاء الأحداث :
تدور الأحداث أساسا في أحزمة المدن أو الأحياء المهمشة التي بُنيت على عجل دون تهيئة عمرانية بعد الاستقلال . حيّ ينفتح على البحر كما يقول الكاتب ويتصل بهضبة’ (لم يغب عن هذا الحي القابع بين الهضبة الموصلة إلى العاصمة والسبخة الممتدة أميالا . أي صنف من المآسي لعل أكثرها وقعا واشمئزازا ما عهده سكان حي نترة من أكاذيب السياسويين والوصوليين الناكثين لعهودهم التي يقطعونها كل مرة تجاه هذا الحيّ) ص 27 . سكنها نازحون وموظفون ومتقاعدون وحرفيون وعمال بسطاء .وتكدس فيها الفقراء والعاطلون عن العمل وبائعو المخدرات والباحثون عن اللذة والنتارة والمهربون والممارسون للعنف والمنقطعون عن التعليم والباحثون عن شغل .
ولعل في تركيز الكاتب على هذه الفئات نجد إشارة خفية إلى تلك الفئات التي فرحت بالثورة وحلمت بالعيش الكريم وتحقيق العمل والسكن والكرامة و تحسن الأوضاع الاقتصادية . وهي المتضررة عموما من الأنظمة السابقة والحالمة بحياة أفضل في ظل حدوث الثورة . لكنها تجد نفسها خارجة من الحلم ومنغرسة في وحْل سلبيات هذه الثورة .
النماذج البشرية في هذه الرواية :
وقع اختيار مجموعة هامة من الشخصيات الشعبية التي تنتمي إلى القاع ثم حصرها أساسا في فضاء جغرافي واحد أي حي شعبي بُني على عجل في أطراف المدينة الكبيرة دون تهيئة عمرانية سليمة ، لرصد حياة هذه الفئة من الناس ومعاينة معاناتهم اليومية وتصوير يوميات من هذه الحياة في صراعهم مع الحاجة والفقر والمرض والعنف والرذيلة . يتنقلون في أنهج وممرات آسنة ضيقة تُصدر روائح كريهة ، وسط مياه الصرف. أو يتكدسون في الأسواق الشعبية والساحات العامّة .أو يتزاحمون على محلات بيع الخضار والفريب .أو يجمعون النفايات البلاستيكية ويتحدثون عن غلاء المعيشة وعجز الناس عن تلبية حاجياتهم اليومية من مأكل ومشرب ودواء خاصة .
هذه النماذج هي الشخصيات التالية:
عزيزة وهي طالبة انقطعت عن التعليم العالي في سنتها الرابعة حقوق لعجزها عن دفع مصاريف التنقل والدراسة .حلمت بالحرية والوظيفة ولكنها خابت تمتلك جسما جميلا ورشاقة جعلاها محبوبة من محسن أحد زملائها الذي مكنته من نفسها في دار للضيافة لما خرجت في رحلة مع أصدقائها وزملائها الطلبة، مما جعلها تحن إلى الحبّ وربط علاقات مع الشباب الذي يملك المال والسيارة . فتجد نفسها وقد تجملت تصادق فاروق شابا متزوجا صار يغدق عليها المال مقابل الاستمتاع بجسدها عشيقة حتى حملت منه . فتركها وهاجر إلى بوركينا فاسو •
نترة أخو عزيزة : شاب لم يتجاوز مستواه التعليم الإعدادي .انقطع عن الدراسة ولم يجد شغلا . فكون شِلَّة لنتر الهواتف والحواسيب والاعتداء على المحلات والاتجار في المخدرات وتعاطي الزطلة .والاستفادة من أموال المسروقات مقابل قضاء ساعات في ملهى لشرب الخمر ومراقصة الفتيات .
باولو، أخو عزيزة: شاب مثلي عاش بإيطاليا مدة سبع سنوات قضاها في السجن و رُحِّل إلى تونس ووجد عملا بمقهى وسط العاصمة . فمثل فشل حلم الهجرة •
مسعود وزوجته مبروكة: هما والدا عزيزة وباولو ونترة . شيخ متصاب متقاعد وامرأة ناشز . يشكو الحاجة لضعف منحة التقاعد وغلاء الأدوية والمعيشة . هو دائم الشجار مع زوجته . يجد رغبة في معاكسة النساء في الشارع رغم ما يتعرض إليه من ردّ فعل عنيف .•
الشيخ حامد، إمام المسجد: كوّن جمعية لجمع الأموال قصد القيام بإصلاحات لفائدة المسجد ولكنه استفاد منها شخصيا . يمثل دور التقي والواعظ وهو يخرج من منزله .•
سيف الدين، ابن الشيخ: يبيع المخدرات في دكانه وأمام المعاهد . يتوسط في تسفير بعض الشباب إلى بؤر التوتر مقابل المال . أطرده والده الشيخ حامد من المنزل لسوء سلوكه .•
الميزوني : شيخ مترهّل حاد الطبع بذيء اللسان يهدد زوجته ببيع منزله والدخول إلى مركز إيواء المسنين بمنوبة نقمة فيها لأنها لا تهتم به .•
سالمة زوجة الميزوني : امرأة بدينة بذيئة اللسان تعمل حارزة حمام مطلعة على أخبار الناس .•
ابنها : شاب وسيم مغرم بالراب غيتارست . أمام عراقيل تكوين فرقة نجح في الالتحاق بمركز موسيقي لتطوير ثقافته الموسيقية .•
ولد منير بوقديدة : فتى ذو مال من عائلة لها جاه يقضي يومه في المراقص والملاهي وشرب الخمر ومصادقة الفتيات : يلتقيه نترة في نزل بالحمامات ويراه يعنف صديقته ريم ويفتك منها هاتفها فيهرع لنجدتها ويعنف المعتدي فينال إعجابها ويصير من ذلك اليوم صديقها . فتقربه من العائلة وتمكنه من المال والسيارة ومن شراء شقة بحي راق بل وتدفعه إلى عالم السياسة فيكوّن حزبا ويتقدّم للانتخابات .•
محسن ابن الجارة خديجة: عائد من إيطاليا ويتقرب من نترة ومكانته ويرغب في مصاهرته.
وهكذا تنشأ سلطة جديدة بعد الثورة هي سلطة المال والسياسة وبناء الجاه والمكانة بعيدا عن الثقافة التقليدية.• صراع السلطة الدينية مع السلطة الزمنية المتجاوزة للقيم :ويمثل السلطة الدينية الإمام الشيخ حامد المعروف بسيرته في هذا الحي الشعبي بين السكان بل وبين المنحرفين . فقد جوبه بالشاب نترة لما اعترض على سلوكه وشكاه إلى والده ثم السلطة الأمنية . لما قام إثر جلسة خمرية ليلية مع صديقه كرشه وبائعه الهوى خميسة باقتحام مئذنة المسجد في وقت غير وقت صلاة الفجر بثلاث ساعات وأذن للصلاة . ثم غنى لحبيبته ريم ودندن بألحان وأغان ماجنة لا تحترم ثقافة ولا دينا .مما أزعج الإمام .
وحين واجهه الشيخ واعترض على سلوكه هذا ودعاه إلى إصلاح نفسه والإقبال على الصلاة وتجنب الكفر والزندقة ما كان منه إلا أن واجهه بجملة أخطائه أو تجاوزاته .وهي كما يلي : جمع أموال لفائدة المسجد قصد شراء مكيفات والقيام بإصلاحات و أخذها لنفسه . دفع رشاو والتدخل لفائدة ابنه شارب الخمرة والمتعاطي للمخدرات ومحرض الشباب على الهجرة إلى بؤر التوتر مقابل أموال والساعي إلى تدمير عقلية الشباب المدرسي. وذلك بترويج المخدرات. وأخيرا دعوته إلى الفضيلة والنهي عن المنكر وربط علاقات جنسية مع خميسة بائعة الهوى عند غياب زوجته . مما يدل على سلبية السلطة الدينية وعدم التزامها بالقيم الدينية المثلى التي تنادي بها . وذلك بانجذابها إلى الرذيلة والفساد من أجل الدفاع عن مصالح خاصة .
كما نلاحظ أيضا تحلل المجتمع وانفلات الناس من الالتزام بكل القيم الجميلة .والتطاول على المقدس في إطار نوع من التحرر التام من كل القيود والقيم التي لازمت سنوات الثورة مما يهدد باضمحلال منظومة القيم والقوانين التي تؤطر المجتمع .
البطولة والكتابة المشهدية لهذه الرواية علاقة بكتابة السيناريو . بل هي سيناريو جيد . تستطيع أن تقرأه قراءة مشهدية أو قراءة صورة : إذ فيه تركيز على الوصف والمظهر الخارجي والفضاءات والأماكن وهيئة الأجسام وحركتها والأصوات والألوان والخطابات .وتظهر هذه المشهدية في كامل النص حتى أن الكاتب وهو يكتب كأنه يبني ديكورا .(غرفة معتمة تقبع آخر بهو لا يتعدى الأمتار المربعة .تؤوي العجوزين الشيخ مسعود وزوجته مبروكة بينما تنام سوداء اللون من الندى والرطوبة راسمة صورة مشابهة لخارطة إفريقيا ) ص 8ولعل ذلك من أجل تبيان الحالة والصورة وتصوير الواقع الخارجي البئيس لمآلات الثورة . وكأنه يستعين بالكتابة على الرسم والتصوير والتسجيل حتى تبقى مشاهد المجتمع والأمكنة عالقة بالذهن واضحة للعيان شاهدة على الأيام .غياب البطولة :
رغم أن عزيزة وردت في أول الرواية وآخرها إلأّ أن جميع شخصيات هذه الرواية تمثل البطولة الجماعية أو صورا مختلفة لأبطال لا تتصارع أو تتفاضل ولكنها تتشارك في تقديم صورة عن التهميش والبؤس في المكان والزمان والشخصيات .
خاتمة :
لهذه الرواية مرجعية واقعية بل قل تاريخية أيضا وقد مرّت عشر سنوات على الثورة . وقد شكلت صورا ومشاهد ولوحات ومناظر من مسرحية ” جراح الثورة “. واكتفت الرواية بالمعاينة والمشاهدة والوصف وكان على الكاتب ان يتجاوز ما هو موجود ومدرك في اللحظة والفضاء إلى ما قد يحدث مستقبلا . ذلك أن كل كتابة جادة ذكية تبحث أيضا في أفق انتظار المتلقي في مستقبل الظاهرة أو الفكرة المعالجة .
هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم “ذهب مع الريح” وشاهدته عشرات المرات، فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير .. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا!
هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟
في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف، والخروف بحجم ديناصور، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حيًا كاملا من أحياء دمنهور – حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى..
كنت أستمع – أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه… وقد بدا لي خيطًا لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟..
دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال…. إلخ
حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاغني العبقري و… و… على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال..
نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة!
وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟
لكن أبي – رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة..
اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير… قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى… أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت… أغاني البيتلز والآبّا والبي جيز (خنيقة) جدًا في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني.. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..
قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إغلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد..
نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظرك..
أذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر… للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود..
أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش، وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى..
من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم..
نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة… ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟
أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!
الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة… لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت !!
ربما صار شمّي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات، والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة..
نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شابًا على أن أكون ناضجًا، لهذا أقول لك بكل صراحة:
“الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟”
يخجل القلب من نعيك، ويضيق الحرف برثائك، تفيض المشاعر حزناً وصدمة إنّما لا يتّسع الفضاء الالكتروني لترجمتها.. تربّطت أصابعي عن النقر على لوحة الحروف واحترقت دموعي غزارة في المُقل.
غبت أيّها المتمرّد الأوّل يا من نفضت الغبار عن فكرنا لنستنير وبقينا جهالاً!
هذا المقال أوائل البدايات فيالصحافة كتبته في 2018 وكان من أجمل ما كتبت لأجمل من عنه كتبت
تأثّرت بك وانتظرت عودتك لأعاصر شيئاً من فنّك الأسطوري.
كان مقالي حلماً جميلاً لكنّك رحلت دونما وداع كما أعزّ أحبّائي.
ثقُل كأس الموت يا تمّوز، حرقته لاذعة ترفض التروّي فمهلاً على المواجع
شخصٌ بمثابة الحلم تتمنّى إدراك حقيقته و سبر عمق أغواره، إلّا أنّك إن نلت شيئاً عنه تجد أنّك لا زلتَ على البرّ المربِك، الأكثر حيرةً.
لطالما تمنيّتُ أن أفهم من هو؟وكيف يُفكّر؟ ومن أين يأتِ لنا بكلّ تلك الحقائق الصادمة؟ السّاخرة والآخذة.
لِمَ هو بهذا التعقيد وتلك السلاسة في وقتٍ واحد؟!
كلّما صعُبَ عليك فهمه هان، و كلّما هانت كلماته استصعبت.
ذلك السّهلُ الممتنع ممتلئٌ بالشغف وكثير البرود، أستمعُ إلى حواراته القليلة جدّاً فأتمنّى أن أجد لتساؤلاتي أجوبة..
زياد الرّحباني اعترافات مشاكسة عمّا يجول في خاطره، يفاجِئُكَ ببساطة مفرداته وصعوبة تقبّلها في آن، حين يقول ” أنا مائة ألف شخصيّة فايتين ببعض” ويذهلك بحقيقةٍ أمرّ.
مضيفاً “بعد 5 دقائق من ولادتك رح يقرّروا دينك، جنسيتك، مذهبك، طائفتك، ورح تقضّي عمرك عم تدافع بغباء عن إشيا ما اخترتا”!! حتّى أنّه علّق وانتقد تغيير التوقيت حيث قال ساخراً:
” كل سنة بتقدموا السّاعة وبترجعوا لورا 10 سنين”.
هل هو بهذه العبقريّة التي يبدو عليها أم نحن بتنا جهالاً، لكثرة ما خذلتنا المعرفة في هذا الوطن الكئيب.
لماذا لا نرى ما يراه و نفقه ما يقوله، ونفكّر ولو قليلاً بنهجٍ يماثله؟!!
ليس زياد الرّحباني ذلك الموهوب، المؤلّف المسرحيّ أو الكاتب والملّحن الموسيقيّ فقط.
هو مَن لا تفوته فائتة في السياسة والأدب والفن والموسيقى والمجتمع ودائماً ما يُفصّلُ اعتراضات واتّهامات للجميع دون استثناء..
إنّه المشاكس الحذر، الصامت طويلاً ولكن إن حكى، أبكى التخلّف وأحبط مفاعيل الجهل، وصبَّ لينَ الزّيت على أفواه النار.
من هنا فإنّ المسرح اللّبناني في غياب زياد ناقصٌ وعند مستوى خطِّ الفقر!!
إلّا أنّه يغيب فجأةً وينقطع عن محبّيه عمراً. ليمنَّ علينا مؤخراً بعودةٍ خجولة أطلق فيها الوعد بالبقاء.
وها نحن هنا بعد سنوات من القطيعة المجحفة تلك، لا نُريدُ رحبانيّات متفرّقة، بل تتملّكنا رغبةٌ جامحة بلوحةٍ عنوانها فيروز وزياد الرحبّاني يغنيّان معاً، ويكسران كبرياء أفقٍ مثقّلٍ بانحطاط موسيقيّ!
ها هو المجنون العبقريُّ يحطّم صومعته ويُلقي علينا بسحر التراتيل.. بذكاءٍ فطري يضبطُ التوقيت الذي يراه مناسباً. مهما انتظرنا يبدو العناء مستحقّاً أمام جنون العظمة.
حين تدرك أنّ وحدَها النّسور من تغرّد خارج السّرب، وحين تقرّر تعود إلى أحضان فيروزها لتصبح الأغنية صلاة..