تابعنا على

جور نار

الشعب التونسي هو الشعب الوحيد في العالم …

… الذي يرعى دوْلتَهُ بدلا من أن ترعاه !

نشرت

في

 أمطرونا خلال العقود الأخيرة بأنه انتهى عصر الدّولة الرّاعية والمُرضعة، خاصة بداية من نهاية سبعينات القرن الماضي تحت تأثير الأزمة العالمية الشاملة، والتي كان من مؤشراتها البارزة انكماش النموّ الاقتصادي وتصاعد معدّلات البطالة وتنامي صعوبات تمويل التغطية الاجتماعية، وأنه قد حلّ محلّها نموذج آخر تتخلّى بموجبه الدّولة تدريجيا عن التزاماتها حيال شعبها وخاصة تجاه فئات الهامش الفقيرة، فتراجع الإنفاق العمومي في كل المجالات الحيوية مثل الصحة والتعليم والنقل وباقي المرافق العمومية … حتى كادت تتحوّل الدولة إلى مجرّد جابية للضرائب وجالبة للمتاعب والمصاعب.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

لكن ما يُعتّمون عنه بإصرار هو أن الدول المحسوبة على الليبرالية الموغلة في رأسماليّتها مثل ألمانيا والمملكة المتحدة وسويسرا والدول الاسكندينافيّة، مازالت توفّر أفضل الخدمات الاجتماعية المدعومة كليّا أو جزئيّا وتسنّ التشريعات وتُقرّ الإجراءات من أجل أن لا يبقى أحد على قارعة الطريق. وفيها توجد أفضل النظم التعليمية العمومية وأكثر المستشفيات العامة تطورا وأحسن الطرقات وأجود أصناف النقل العمومي… يُخفون هذا الدّور الاجتماعي الأساسي بعناية لمحاولة إيهامنا بأن “جريمة إهْمال الشّعوب” طالت كل شعوب العالم.  

أما في تونس، التي بُليتْ على مرّ التاريخ بقيادات أمْسَكت بالسلطة لفترات طويلة أو قصيرة لكنها عجزت تماما عن التّأسيس لمقوّمات دولة قوية وعادلة ومجتمع متطور لا يضطر أبناؤه للهجرة وشبابه للنَّطْرة وحدود بلاده للكُنْطرة… في تونس، حتى بعض المكتسبات الثّمينة التي حقّقها أبناؤها بكثير من العناء والضّنك والإعياء، يتمّ تبديدها والتفريط فيها بشكل منهجي أمام أعْيُن حكومات رخوة ومؤسّسات طريّة تنام ملء جفونها ليلا وكأنها غير منزعجة مُطلقا ممّا يحدق بالتونسيين من أخطار وأهوال. فالإدارة استباحها بعض أولئك الذين جعلوا منها رُكنا من أرْكان “دَارْ بُوهم”، والطرقات باتت في أغلبها مسالك للصيد العشوائي، وتحوّل النقل العمومي إلى عُلبٍ قصديريّة مُنفّرة تنعدم فيها أبسط شروط الكرامة واحترام الذات البشرية، وأصبحت المدارس العمومية في أغلبها خيار من لا خيار له…

لكن التونسي مثل طائر الفينيق ينبعث دائما من جديد حتى بعد احتراقه تماما … ويظل راعيا لدولته مهما أمعنت في ترذيله

إن الذين يرعون الدولة التونسية حتى لا تسقط ويصونون عورتها حتى لا تتّسخ بقايا صورة التونسيين في مرآة العالم :

هم بنات تونس وأبناؤها الذين يحتلّون المركز الثاني عالميا من حيث نسبة الحاصلين على شهائد في التكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

هي عديد المؤسسات الجامعية التونسية الحاصلة على تأهيل أكاديمي دولي يمكّن خرّيجيها من التناظر بنفس الشروط ونفس الامتيازات مقارنة مع نظرائهم الأجانب في الساحات الأكاديمية والشغليّة العالمية.

 هم بنات وأبناء المعهد التحضيري للدراسات العلمية والتقنيّة بالمرسى IPEST الأفضل ترتيبا مقارنة بــ 122 معهدا فرنسيا يُعِدُّ لمناظرات كبرى المدارس الفرنسية للهندسة حسب المصادر ومقاييس التصنيف الفرنسية.  

هم نواة الجامعيين الذين يتحدّون قلّة ذات اليد وضعف الموارد وتصلّب شرايين إصلاح منظومتنا التعليمية والتكوينية بصورة عامة، ويحققون نتائج تُضاهي ما يتحقق اليوم في أكبر الجامعات من حيث جودة التأطير ومستوى التأهيل.

هم الباحثون الشبّان في مجالات التكنولوجيا والرقمنة والذكاء الاصطناعي من أمثال الرّيادي كريم بقير (صاحب مقولة “ليس هناك ما هو عظيم ونستطيع إنجازه في يوم واحد“) والمهندسة أمل مخلوف المتوجة بجائزة المعهد العالمي لعلوم الفضاء في هولندا، والمهندس خالد لطيّف المرتّب ضمن قائمة أفضل 30 باحثًا مؤثرًا في مجال الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء على مستوى العالم، ولينا نصيب العالمة التونسية في فيزياء الفضاء…وآلاف التونسيين المهاجرين الذين يساهمون بفعالية نادرة في مسارات البناء والإنشاء والتطوير والتحديث على المستوى الكوني.

هم الرياضيّون أمثال أنس جابر وروعة التليلي والحفناوي والملولي والجندوبي الذين لم يتمتّعوا بدعم يُذكر من الجهات الرياضية والإعلامية والسياسية الرسمية، لكنهم ثابروا وكسروا سلاسل المحلية الخانقة ليجدوا أنفسهم في أشهر الملاعب والحلبات العالمية يُنشدون “سواعد يهتز فوقها العلم… نُباهي به ويُباهي بنا“.

هم الأطباء والممرّضون التونسيون الذين لا يكاد يخلو منهم مستشفى أوروبي، لعبوا دورا حاسما خاصة خلال أزمة الكوفيد عندما كان فعل التطبيب في تلك الظروف الاستثنائية فعلا قتاليا لم تعرف الانسانية مثيلا له على مرّ التاريخ… فأطلقوا عليهم “ميدعات قرطاج المُنقذة“.

هي السّواعد الزّارعة والمُخصّبة والمُنتجة لزيت الزيتون المتقدّم على زيت إسبانيا وإيطاليا واليونان في جلّ المسابقات العالمية.

هم الفلاحون والمستثمرون الذين يكدّون ويزرعون ويعمّرون الصّحراء نخيلا وزيتونا… بصورة فرديّة.

هم الفلاحون الذين لا يتعقّلون جيدا معاني مفهوم “السيادة الوطنية” لكنهم ينذرون حياتهم للمحافظة على بذورنا ومشاتلنا التونسية المُبيّئة وعدم التّعويل على خلايا الإرشاد الفلاحي النائمة.

هم العسكريّون والديوانيّة الذين لم يسلّموا سلاحهم يوما رغم ما طالهم من تصفيات وخيانات والذين يُطيحون يوميا بأكوام من المال المهرّب والسّلاح المُنيّب… ولا يقبلون المساومة.

هم شريحة هامة من المعلمين والأساتذة المرتدّين إلى درجة الصفر على سلّم “الأجور الضّامنة للحدّ الأدنى من الكرامة والعزّة والاعتبار”، لكنّهم يتعبون من أجل الوصول بتلاميذهم إلى مستوى القدرة الدنيا على مواجهة استحقاق الامتحانات الوطنية التي “لا تجامل ولا تعادي”.

هم كل أولئك الذين جعلوا من تونس وإلى حدّ اليوم (رغم تراجع منسوب الاحساس بالأمن على الطرقات وفي الفضاء العام)، بلدا تجوبه من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب دون أن تعترضك نقطة أمنية واحدة ولكن دون أي اعتراض مناوئ أو مهدد لسلامتك في نفس الوقت (وقد حدث معي مثل هذا شخصيا ومع أصدقاء لي خلال كل السنوات الأخيرة).

… وغيرها من المؤشرات الأخرى الدالّة على أن التونسيين يتولّون بأنفسهم ما هو محمول على دولتهم لوعيهم بأن الوهن الذي أصابها ظرفي وزائل لا محالة، وأن التاريخ سيسجّل أنهم شعبٌ رعى نفسه حتى يبقى على قيد الأمل ورعى دولته مانعا إيّاها من التهاوي والتفتّت.

قد يقول بعضكم، نعم ولكن هذه النماذج تبقى معزولة والصامدون قلّة قليلة ولا مستقبل لشعب تخلت عنه دولته و”ما مستقبل المجتمعات التي تُشغّل كل المكابح من اجل الهزيمة الجماعية خوفا من الانتصارات الفردية” ؟ كما تساءل مؤخرا صديقي شهاب الصالحي الكفاءة التونسية المهاجرة هو الآخر والذي يساهم في صنع أمجاد منظومات في بلاد غير بلادنا، لكنه يساهم في صنع صورة ناصعة لبلده تتوفّر بالتأكيد على قيمة مضافة في مستويات أخرى… نعم، فإن دواعي الإحباط أعلى منسوبا من بؤر التفاؤل والثقة بالمستقبل، لكننا سنهزم “السيستام” يوما ونطوّعه لما نُريد، فأغلب السيستامات مهما كان عتوّها هزمتها إرادات فردية وطموحات جيّاشة نمت في رحم اليأس.  

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار