تابعنا على

جلـ ... منار

الجولة قبل الأخيرة في الحرب الأوكرانية!

نشرت

في

نهاية حقبة ما بعد الحرب الباردة: مغامرة روسيا في أوكرانيا تعيد تشكيل النظام  العالمي برمته | مركز الجزيرة للدراسات

“إنها ضربة فى الظهر”.
كان ذلك توصيفا أطلقه الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” للتمرد العسكري الذي قادته قوات “فاغنر”، الشركة العسكرية الخاصة، التي نشأت تحت عباءته
.

عبد الله السنّاوي
<strong>عبد الله السنّاوي<strong>

كل شىء مضى مفاجئا وسريعا، لم تتوقع أجهزة الاستخبارات الغربية أن يحدث مثل هذا التمرد، أو أن تهتز صورة الجيش الروسي وسلطة بوتين نفسه على هذا النحو الذي رآه العالم، قبل أن يتقوض التمرد بمصالحة رعاها الرئيس البيلاروسي “ألكسندر لوكاشينكو”.
في
لحظة بدا سيناريو الصدام المسلح بين الجيش وفاغنر غير مستبعد على أبواب موسكو، كأنه هدية عسكرية وسياسية لحلف “الناتو” تلحق بروسيا هزيمة استراتيجية لم تتحقق في ميادين القتال الأوكرانية.

وفي لحظة أخرى سرت تصورات أن كل شىء جرى ترميمه، التمرد أنهي بدون صدام بالسلاح، وقائده غادر إلى بيلاروسيا، وبوتين أكد سلطته تحت قباب الكرملين.
الحقيقة أنه يصعب ترميم الشروخ العميقة التي كشفها التمرد المسلح فى أي مدى منظور.
شروخ في أوضاع الجيش ومستوى أهلية وكفاءة قياداته العليا، وشروخ في المسؤولية السياسية وصناعة القرار بدولة كبرى مثل الاتحاد الروسي.
بأي نظر موضوعي الشرخان مترابطان ويصعب الفصل بينهما، شرخ واحد في حقيقة الأمر.
أخطر ما انطوى عليه تمرد فاغنر التشكيك في شرعية ما أطلق عليها “العملية العسكرية الخاصة”، هل كانت ضرورية لحفظ الأمن القومي الروسي كما يرى بوتين، أم أنها كانت خطأ في التقدير السياسي والتخطيط العسكري حرضت عليه مجموعة ضيقة حول الرئيس الروسي على ما قال “يفجينى بريغوجين” مؤسس الميليشيا المسلحة.

إذا لم يتحسن الأداء العسكري فإن الثقة العامة في قرار الحرب سوف تتقوض تماما.
بقوة الحقائق طالت الحرب الأوكرانية، استنزفت أطرافها المباشرة وغير المباشرة، وامتدت تأثيراتها الكارثية إلى العالم بأسره دون أفق سياسي لأية تسوية ممكنة.
بحسابات السياسة والسلاح فإن ما يطلق عليه “الهجوم الأوكرانى المضاد” يكتسب خطورته من أن نتائجه قد ترسم الخطوط العريضة في مصير الحرب.
بالضبط نحن أمام الجولة قبل الأخيرة قبل الذهاب لتسوية شبه محتمة في نهاية المطاف.

قبل تمرد “فاغنر” كانت صورة الموقف العسكري على النحو التالي:
إذا ما نجحت القوات الأوكرانية في إحداث اختراقات يعتد بها في ميادين القتال، فإن ذلك سوف يكون داعيا لمزيد من التسليح والتدريب وضخ الأموال الغربية في الشرايين الأوكرانية على أمل إلحاق هزيمة استراتيجية بموسكو والحفاظ على مقومات النظام الدولي الحالى، الذي تنفرد بقيادته الولايات المتحدة منذ سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق مطلع تسعينات القرن الماضي.

لم يكن هناك ما ينبئ بتغييرات ميدانية يعتد بها في معادلات القوة على الأرض، وكانت تلك معضلة ماثلة أمام صناع القرار فى حلف “الناتو”.
أما إذا أخفق الهجوم المضاد في تحقيق أهدافه المعلنة، أو توقفت اختراقاته عند حدود جزئية، كما هو حادث الآن، فإن ذلك سوف يكون داعيا لطرح سؤال الجدوى على الاقتصادات الغربية المنهكة وتبدأ الضغوطات المضادة من داخل القارة الأوروبية، والولايات المتحدة نفسها، لإنهاء الحرب والبحث في وسائل أخرى غير الاستغراق في المستنقع الأوكراني.

في أوضاع الاستنزاف المتبادل لا يستبعد الطرفان المتصارعان، روسيا وحلف الناتو، سيناريو التسوية السياسية، غير أن كليهما غير مستعد أن يسلم بهزيمة مبكرة، أو أن يقبل باشتراطات الطرف الآخر.
إنه الصراع على مستقبل النفوذ والقوة في عالم يتغير.
الحرب غير محتملة، هذا صحيح، لكن التسليم بالهزيمة كارثة استراتيجية كاملة.
السيناريو الأرجح أن تمتد الحرب إلى جولة أخيرة بعد انقضاء الجولة الحالية قبل الحديث جديا فى فرص وسيناريوهات التوصل إلى تسوية سياسية وفق موازين القوى على الأرض.

يستلفت النظر في الجولة قبل الأخيرة دخول الرئاستين الأمريكية والروسية على خط حروب الدعايات قبل أن تستولي “فاجنر” على المشهد الإعلامي العالمي كله.
“جو بايدن” كاد يزاحم وزير خارجيته انطونى بلينكن في التعليق على مجريات الحوادث بالحرب الأوكرانية وما حولها من صراعات وصدامات سياسية واقتصادية.
ربما أراد أن يقول: “أنا قادر تماما على صنع القرار وتحمل مسؤولية الدفاع عن المصالح الأمريكية العليا”، غير أنه أمر بألا يصدر عن أي مسؤول أو دبلوماسي أمريكي أي تعليق على تمرد “فاجنر” حتى لا تكون مادة يستخدمها “بوتين” لكسب معركة وجوده.

و”فلاديمير بوتين” كاد يزاحم المتحدثين العسكريين الروس في التعليق على جولة القتال الحالية.
ربما أراد أن يقول إن قبضته محكمة على القرارين العسكري والسياسي في الكرملين، وأن الهجوم المضاد سوف يفشل لا محالة، ملوحا بالخيار النووي إذا ما تهددت حدود الدولة الروسية.
بعكس “بايدن” زاد معدل حضوره الإعلامى بعد التمرد العسكرى واصفا الذين قاموا به بـ”الخونة”.

دفع بوتين ثمنا باهظا من هيبته الشخصية برهانه على بناء جيش مواز موال له من المرتزقة بعد عام (2014) إثر استعادة شبه جزيرة القرم، وروسيتها ثابتة تاريخيا.
لعبت “فاجنر” دورا مؤثرا خارج روسيا شاملة دولا في أفريقيا والمنطقة العربية ودورا أكثر أهمية فى حسم الصراع على باخموت المدينة الأوكرانية الاستراتيجية بعدما فشل الجيش فى حسمها.

بعكس قواعد الانضباط العسكري أطلق مؤسس “فاجنر” اتهامات خطيرة لقيادة الجيش دون أن يتدخل بوتين، خشية إغضاب أى طرف، وكانت النتيجة إفلات كل الخيوط من يده، لا قيادة الجيش تحدثت أثناء ساعات الأزمة، كأنها اختفت من الوجود، ولا قيادة فاغنر أبدت احتراما لتوجيهاته وتحداه مؤسسها أن روسيا تحتاج رئيسا جديدا.
وصلت قمة المأساة الروسية عند سيطرة ميليشيا من المرتزقة على المنطقة العسكرية الجنوبية فى “روستوف” دون مقاومة.

رغم مشاعر البهجة المعلنة والمكتومة فى الغرب لم يكن هناك تقدم عسكرى أوكرانى كبير يستثمر في الاضطراب الشديد الذي ضرب القوات الروسية.
التداعيات ما زالت في أولها.. تطور بعد آخر وجولة بعد أخرى تؤكد الحقائق نفسها في الحرب الأوكرانية، أنها صدام على المصالح والنفوذ وأحجام القوة في عالم يتغير، وقد كانت أوكرانيا مسرحا مختارا لاختبارات القوة لا جوهر الصراع نفسه.
بمعنى آخر، يدفع الشعب الأوكراني الثمن فادحا لحرب نظام دولي استهلك زمنه وقدرته على البقاء.

الحسابات الخاطئة أطالت المعاناة الأوكرانية، لا روسيا لحقت بها هزيمة استراتيجية، ولا الغرب سلم للسلاح الروسي بمطالبه الأمنية.
رغم التصعيد حافظ الطرفان الدوليان بدرجة أو أخرى على قواعد الاشتباك.. “الناتو”، رغم اندفاعه تسليحا وتدريبا وتخطيطا وإمدادا استخباراتيا، يحرص على نفي انخراطه في الحرب.
روسيا تلمح إلى ذلك الانخراط دون إعادة توصيف للحرب كصدام مع الناتو، فلكل توصيف حساباته وتكاليفه.

بمقتضى الأحوال الراهنة تلوح روسيا أن سلامة أراضيها خط أحمر حتى كادت تدخل في احتراب أهلي داخل عاصمتها موسكو.
الورقة النووية حاضرة في المشهد المتأزم كـ”عنصر ردع”، يلوح به دون استخدامه، لكن قد يفلت الزمام فى سيناريو أو آخر.
بافتراض شبه مستحيل لكنه طرح نفسه: ماذا يحدث إذا ما تمكنت “فاجنر” من السيطرة على المخزون النووي الروسى؟

الغرب أقلقه السؤال.. والقيادة الروسية على لسان نائب رئيس مجلس الأمن القومي “ديمترى ميدفيديف” قالت: “لن نسمح”.. دون أن توضح كيف؟
الحقيقة الكبرى في المشاهد المضطربة أن النظام الدولي القديم تهالك تماما وسقوطه مسألة وقت بغض النظر عن الطريقة التي سوف تنتهى بها الحرب الأوكرانية.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جلـ ... منار

للحياة أوّلا

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفاء سلطان:

كنت أراقب مرّة فيلما وثائقيا عن حياة الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي.

الفيلم صوّر البيت الذي ولد وتربى فيه،

وجاء في التقرير المرافق:

شرفة البيت كانت تطلّ على مقبرة!

ويتابع: ماذا تتوقعون من طفل قضى طفولته كلها لا يرى من شرفته إلا القبور!

***

يبدو أنه محكوم على السوريين أن يعيشوا داخل مقبرة

القاتل والمقتول فقد سلامه، ولا يمكن لأحد منهم أن يكون سعيدا، فالسعادة لا تنبع من روح مضطربة،

والقتل والإنتقام هما عوامل الإضطراب

كنت في الصف الثامن عندما راحت معلمة العربي تتغزل بقول الشاعر محمود درويش:

للطلقة في صدر فاشستي سأغني

فانتصبت وقلت برباطة جأش:

قد اضطرّ أن أقتل فاشستيا، لكنني لن أغنّي للطلقة في صدره، فستموت الأغنية في قلبي في اللحظة التي أقتله !

لم نعد نسمع أغنية سوريّة، فلقد اختنق الصوت في صدر الجميع قاتلا ومقتولا.

لا أذكر من قال:

The world is beautiful outside when there is stability inside

(العالم الخارجي سيكون جميلا عندما يكون عالمك الداخلي مستقرأ)

لكنني أذكر أن شاعرة الحب الإنكليزية Percy Best Shelley هي من قالت:

Nor peace within nor calm around

(مالم يوجد سلام في داخلك لا يمكن أن توجد سكينة حولك)

الواقع المعيش في أي بلد على سطح الأرض هو انعكاس لطبيعة الروح “الجمعيّة” لذلك البلد!

فما بالك عندما تكون تلك الروح وليدة لثقافة: نعشق الموت كما يعشق عدونا الحياة؟

***

منذ أنا وعيت تلك الحقائق وأنا أغني للحياة..

وللسلام…

وأذرف في الوقت نفسه دمعة على القاتل

قبل المقتول

أكمل القراءة

جلـ ... منار

أنا لم أتغير !

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. أحمد خالد توفيق

هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم “ذهب مع الريح” وشاهدته عشرات المرات، فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلاً، وكتبت تقول: الفيلم تغير .. لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا!

هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟

في صباي كنت أسمع أبي لا يكف عن استعادة ذكريات صباه.. كانت الدجاجة بحجم الخروف، والخروف بحجم ديناصور، وكانت للأزهار رائحة حقيقية.. زهرة واحدة كانت تغمر بالشذى حيًا كاملا من أحياء دمنهور – حيث ولد- دعك من الفراولة والتفاح.. كان يمكنك أن تعرف أن هناك من ابتاع نصف كيلو تفاح أو فراولة في دمنهور كلها؛ لأن الرائحة تتسرب لكل شيء.. كانت الأغاني أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى..

كنت أستمع – أو أسمع- لهذا الكلام في تأدب، وإن كنت أنقل قدمي مائة مرة في ملل أخفيه… وقد بدا لي خيطًا لا ينتهي من كلام الشيوخ المعتاد: هي الفراخ بتاعتكم دي فراخ؟..

دي عصافير.. كنا بنشتري عربية وفيلا ودستة بيض بنص ريال…. إلخ

حدثني أبي عن أفلام عصره وعن إيرول فلين المذهل وجيمس كاغني العبقري و… و… على الأقل صار بوسعي اليوم أن أرى هذه الأفلام كدليل لا يُدحَض، فلا أرى فيها أي شيء خارق.. التخشب الهوليودي المعتاد والكثير من الافتعال..

نقّبت عن نقاء الناس في ذلك العصر، فقرأت عن ريا وسكينة النقيتين، والبواب النقي الذي اغتصب طفلة في الثالثة من عمرها عام 1933، والفنانة النقية التي ضبطت زوجها النقي مع الخادمة النقية في المطبخ ليلة الدخلة!

وماذا عن الفنان النقي: فلان.. الذي اقتحم مكتب الناقد الذي لم يرُقْ له فيلمه الأخير شاهرًا مسدسه؟ كان هناك حي دعارة شهير جدًا في طنطا اسمه: الخبيزة.. واليوم صار سوقًا شعبيًا محترمًا.. فأين هذا النقاء إذن؟

لكن أبي – رحمه الله- عاش ومات وهو مؤمن بأن الحياة قد صارت سيئة، كأنها صورة صنعت منها نسخة تلو نسخة تلو نسخة حتى بهتت ولم تعد لها قيمة..

اليوم أنظر أنا بدوري إلى الوراء فيبدو لي أن الحياة كانت أفضل في صباي بكثير… قلت لابني إن الأغاني في عصري كانت أعذب والفتيات أجمل والأفلام أمتع والبشر أنقى… أرغمته على مشاهدة بعض أفلام السبعينات على غرار الأب الروحي وقصة حب.. فشاهدها وقال لي بصراحة إنها زي الزفت… أغاني البيتلز والآبّا والبي جيز (خنيقة) جدًا في رأيه.. ولم يحب أية أغنية من أغاني وردة الجزائرية الحارقة في أوائل السبعينات مثل: حكايتي مع الزمان واسمعوني.. طبعًا لم أحاول أن أسمِعه أم كلثوم فأنا لست مجنونًا.. لن يفهمها ولو بعد مائة عام..

قلت له في غيظ إنه بعد عشرين سنة -أعطاه الله العمر- سوف يُسمع ابنه أغاني شاجي وإنريكي إغلسياس وفيرجي ويعرض عليه أفلام: الرجال إكس والفارس الأسود.. لكن الوغد الصغير سيؤكد له أنها زبالة، إلا أن ابني لم يصدق.. يعتقد أن الأخ شاجي خالد للأبد..

نعم كان لرمضان رائحة وحضور في الماضي.. كانت هناك رائحة مميزة للعيد.. تصور أن عيد الثورة كانت له رائحة؟ كان قدوم الربيع يعلن عن نفسه مع ألف هرمون وهرمون يتفتح في مسامك، فتواجه مشكلة لعينة في التركيز في دروسك والامتحانات على الأبواب، بينما الحياة ذاتها قد تحولت إلى فتاة رائعة الحسن تنتظرك..

أذكر يوم شم النسيم وأنا في الصف الثالث الإعدادي، أمشي في شوارع طنطا التي مازالت خالية في ساعة مبكرة، مزهواً بنفسي أوشك على أن أطير في الهواء، وأتمنى لو عببت الكون كله في رئتي.. بينما المحلات تذيع أغنية حفل الربيع التي غناها عبد الحليم حافظ أمس: قارئة الفنجان.. تصور أن الأغنية مازالت طازجة ساخنة خرجت من حنجرة الرجل منذ ساعات لا أكثر… للمرة الأولى أسمع: بحياتِكَ يا ولدي امرأة.. عيناها سُبحانَ المعبود..

أنا شاب.. لقد كبرت.. لن تتغير هذه الحقيقة.. الغد أفضل بمراحل.. الكون كله ينتظرني.. سوف أصير أمين عام الأمم المتحدة وأتزوج راكيل ويلش، وأفوز بجائزة نوبل في الأدب، وفي وقت فراغي سأمارس هوايتي في إجراء جراحات الجهاز العصبي.. هذا قد يضمن لي جائزة نوبل أخرى..

من يدري؟ قد أصير أول رائد فضاء عربي.. بالمرة، ولسوف أصير وسيماً أشقر الشعر أزرق العينين.. لا أدري كيف.. يجب أن تكون في الخامسة عشرة لتفهم..

نعم.. لم يعد شيء في العالم كما كان.. أبتاع الفراولة وألصق ثمارها بأنفي وأشم بعنف.. لا شيء.. لو حشرت ثمرة منها في رئتي فلن أجد لها رائحة… ماذا عن التفاح الذي لا تقتنع بأنه ليس من البلاستيك إلا عندما تقضم منه قطعة؟ عندها تحتاج لفترة أخرى كي تقتنع أنك لم تقضم قطعة من الباذنجان.. أين ذهب جمال الفتيات؟ ولماذا لم أعد أرى إلا المساحيق الكثيفة، حتى تشعر أن كل فتاة رسمت على وجهها وجهًا آخر يروق لها؟

أين ذهبت العواطف الحارقة القديمة عندما كنت تكتب عشرات القصائد من أجل ابتسامة حبيبتك؟ اليوم لو تزوجتها وأنجبت منها عشرين طفلاً فلن تجد في هذا ما يأتي بالإلهام!

الإجابة التي تروق للمسنّين هي: الحياة تغيرت ولم تعد هناك بركة… لكن الإجابة الأقرب للمنطق هي: الحياة لم تتغير.. أنت تغيرت !!

ربما صار شمّي أضعف.. ربما صار بصري أوهن.. ربما صار قلبي أغلظ.. ربما تدهورت هرموناتي.. ربما صرت كهلاً ضيق الخلق عاجزًا عن أن يجد الجمال في شيء.. ربما مازالت الفتيات جميلات، والفراولة عطرة الرائحة وأغاني هذا الجيل جميلة..

نعم هو المنطق ومن النضج أن أعترف بهذا.. لكن من قال لك إنني أريد أن أكون كذلك؟ أفضّل أن أظل شابًا على أن أكون ناضجًا، لهذا أقول لك بكل صراحة:

“الحياة صارت سيئة ولا تطاق فعلاً.. الله يكون في عونكم.. هيّ أيامكم دي أيام؟”

Motifs 4

أكمل القراءة

جلـ ... منار

لروحك السلام يا آخر العباقرة

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

غادة السمّان:

ماذا يقال في رحيلك وقد قلتَ كلّ شيء.

يخجل القلب من نعيك، ويضيق الحرف برثائك، تفيض المشاعر حزناً وصدمة إنّما لا يتّسع الفضاء الالكتروني لترجمتها.. تربّطت أصابعي عن النقر على لوحة الحروف واحترقت دموعي غزارة في المُقل.

غبت أيّها المتمرّد الأوّل يا من نفضت الغبار عن فكرنا لنستنير وبقينا جهالاً!

هذا المقال أوائل البدايات في الصحافة كتبته في 2018 وكان من أجمل ما كتبت لأجمل من عنه كتبت

تأثّرت بك وانتظرت عودتك لأعاصر شيئاً من فنّك الأسطوري.

كان مقالي حلماً جميلاً لكنّك رحلت دونما وداع كما أعزّ أحبّائي.

ثقُل كأس الموت يا تمّوز، حرقته لاذعة ترفض التروّي فمهلاً على المواجع

شخصٌ بمثابة الحلم تتمنّى إدراك حقيقته و سبر عمق أغواره، إلّا أنّك إن نلت شيئاً عنه تجد أنّك لا زلتَ على البرّ المربِك، الأكثر حيرةً.

لطالما تمنيّتُ أن أفهم من هو؟وكيف يُفكّر؟ ومن أين يأتِ لنا بكلّ تلك الحقائق الصادمة؟ السّاخرة والآخذة.

لِمَ هو بهذا التعقيد وتلك السلاسة في وقتٍ واحد؟!

كلّما صعُبَ عليك فهمه هان، و كلّما هانت كلماته استصعبت.

ذلك السّهلُ الممتنع ممتلئٌ بالشغف وكثير البرود، أستمعُ إلى حواراته القليلة جدّاً فأتمنّى أن أجد لتساؤلاتي أجوبة..

‎ زياد الرّحباني اعترافات مشاكسة عمّا يجول في خاطره، يفاجِئُكَ ببساطة مفرداته وصعوبة تقبّلها في آن، حين يقول ” أنا مائة ألف شخصيّة فايتين ببعض” ويذهلك بحقيقةٍ أمرّ.

‎مضيفاً “بعد 5 دقائق من ولادتك رح يقرّروا دينك، جنسيتك، مذهبك، طائفتك، ورح تقضّي عمرك عم تدافع بغباء عن إشيا ما اخترتا”!! حتّى أنّه علّق وانتقد تغيير التوقيت حيث قال ساخراً:

‎” كل سنة بتقدموا السّاعة وبترجعوا لورا 10 سنين”.

هل هو بهذه العبقريّة التي يبدو عليها أم نحن بتنا جهالاً، لكثرة ما خذلتنا المعرفة في هذا الوطن الكئيب.

لماذا لا نرى ما يراه و نفقه ما يقوله، ونفكّر ولو قليلاً بنهجٍ يماثله؟!!

ليس زياد الرّحباني ذلك الموهوب، المؤلّف المسرحيّ أو الكاتب والملّحن الموسيقيّ فقط.

بعيداً وباستحقاقٍ جدير بالاعتراف يرتقي إلى مكانة المفكّر العبقريّ، والناقد الأشدّ لذعاً بمختلف ميادين الحياة.

هو مَن لا تفوته فائتة في السياسة والأدب والفن والموسيقى والمجتمع ودائماً ما يُفصّلُ اعتراضات واتّهامات للجميع دون استثناء..

إنّه المشاكس الحذر، الصامت طويلاً ولكن إن حكى، أبكى التخلّف وأحبط مفاعيل الجهل، وصبَّ لينَ الزّيت على أفواه النار.

من هنا فإنّ المسرح اللّبناني في غياب زياد ناقصٌ وعند مستوى خطِّ الفقر!!

إلّا أنّه يغيب فجأةً وينقطع عن محبّيه عمراً. ليمنَّ علينا مؤخراً بعودةٍ خجولة أطلق فيها الوعد بالبقاء.

وها نحن هنا بعد سنوات من القطيعة المجحفة تلك، لا نُريدُ رحبانيّات متفرّقة، بل تتملّكنا رغبةٌ جامحة بلوحةٍ عنوانها فيروز وزياد الرحبّاني يغنيّان معاً، ويكسران كبرياء أفقٍ مثقّلٍ بانحطاط موسيقيّ!

ها هو المجنون العبقريُّ يحطّم صومعته ويُلقي علينا بسحر التراتيل.. بذكاءٍ فطري يضبطُ التوقيت الذي يراه مناسباً. مهما انتظرنا يبدو العناء مستحقّاً أمام جنون العظمة.

حين تدرك أنّ وحدَها النّسور من تغرّد خارج السّرب، وحين تقرّر تعود إلى أحضان فيروزها لتصبح الأغنية صلاة..

أكمل القراءة

صن نار