تابعنا على

جور نار

نحن من يصنع جهنّم … نحن من يزرع الجنة

نشرت

في

بماذا تشتهر ” كوالالمبور ؟ “ | المرسال
الصورة ليست من نيويورك … بل من ماليزيا ، المستقلة بعد تونس

رب ضارة نافعة !

من محاسن طقس هذه الأيام ـ إن كانت له محاسن ـ أنه يوزع ناره وشراره بالعدل بين كافة سكان المعمورة وحاليا في نصفها الشمالي كله … من الصين واليابان والهند، إلى الولايات المتحدة وكندا، وبينهما البحر المتوسط بضفّتيه … يعني عريانا مع عريان التقيا في حمّام، كما كانت تقول الوالدة بسخريتها الدائمة …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

نقرأ إذن نشرات الجوّ والحرارة، ونرى اللظى في العواصم الفاخرة كما في مدننا القصديرية فنقول إذن لماذا؟ … لماذا نهجر الوطن المختنق بحثا عن أجواء أكثر راحة فإذا شمس جهنّم تشعّ هنا وهناك … والعرق المدرار يكسو القامات عندهم وعندنا … والهواء الثقيل ترزح تحته رئات أغنيائهم تماما كخياشيم فقرائنا … تقول لي الحارقون ركبوا البحر نحو الشمال بحثا عن الحريات؟ فأجيبك ولكن هل يعرف أولاد حومتك معنى الحرية حتى يقامروا بحياتهم لأجلها؟ الحرية الوحيدة التي ينشدها أبناء حينا مثلا هي أن يستهلكوا الممنوعات دون خوف، وهذا النوع من الحرية مفقود في معظم بلدان الشمال … القوانين صارمة والأمن يقظ ولا تدخلات فيه … بل ربما نكون نحن هنا أكثر تحررا في هذا القلم، أقصد بعض البلاد العربية والمغاربية خاصة … إذن …

تهاجرون هناك لأنها بلاد نظيفة منظمة وفيها إدارة تحترم الإنسان؟ أولا هي نظيفة قبل أن تسافروا إليها … بعينينا هاتين رأينا الضواحي التي يقطنها مهاجرون من ذوينا، حملوا معهم فوضانا وضجيجنا الليلي وأدخنة الشيشة والأسواق الأسبوعية وعلوش العيد والسيارات المسروقة والأوراق المضروبة … و أثروا لغة الإفرنج بوابل من مقذعاتنا ها قد أعاد إلينا أحد فكاهييهم مشطرة منه في مهرجان قرطاج الأخير …

وعلى ذكر المهرجان هل تتصوّر أن مبعوثينا (حتى القانونيين منهم، حتى المتجنسين، حتى الدبلوماسيين) يجدونها فرصة لتنمية أذواقهم والتعرف على الموسيقى الكلاسيكية أو مسرح الكوميدي فرانسيز؟ تخرّف وحدك … هم يتهافتون فرادى وجماعات على أحط الفنون الخارجة من عندنا ومن أجوارنا … مزود على راي على راب على نوبة على حضرة على محفل بالتأكيد … وها أن سقط متاعنا من عرابنية وكوميكات بذيئين يقومون بـ”جولات فنية” بشبابيك مغلقة من باريس إلى فرانكفورت إلى ميلانو إلى مونريال … مما يجعلك تعاف هذه المدن التي كنت تحلم بزيارتها يوما …

أم تهاجرون هناك نحو عواصم الأنوار والفكر التقدمي وفلسفات الحداثة؟ … لو كان هذا صحيحا فلماذا أصبحت فرنسا ومن معها أكبر مصدّري الإرهابيين والدواعش نحو بؤر التوتر، بل لم تسلم من ذلك حتى أوروبا نفسها وعلى أراضيها ؟ … وغني عن القول بأن سواد مهاجرينا أتعس تخلفا فكريا وتزمّتا عقائديا من الذين رسبوا في ديارنا من مواطنيك … ناس يعيشون قطيعة تصل إلى العداوة مع ثقافة البلاد التي نزحوا إليها وقيمها وقوانينها اللائكية التي يكفّرها أئمّتهم في كل صلاة … ويستغلون فضائل الدولة المدنية وحمايتها لحرية المعتقد، لإقامة مساجد يشهد البوليس الأوروبي بأن بعضها صار أوكارا لنشر التطرف والتحجّر … بل هناك حتى قطيعة مع العلم والتعليم وانظر إلى النتائج المدرسية لأغلب أبناء مهاجرينا بمختلف أجيالهم، يصبك الذهول …

يبقى الجواب الأخير ما عبّر عنه عديدون هناك بـ “اللجوء الاقتصادي” … وهذا مفهوم إذا عرفنا مثلا أن الأجر الأدنى في تونس مثلا هو 490 دت، في حين أنه في إيطاليا 1327 يورو (أي حوالي 4500 دينار)، وفي فرنسا 1750 يورو (حوالي 6 ألاف دينار)، وفي ألمانيا 2080 يورو (حوالي 7 آلاف دينار) … أي على التوالي تسع مرات، 12 مرة، 14 مرة … تقابلها أسعار أقل من أسعارنا، ووفرة بعيدة جدا عن حال سوقنا الشحيحة، خاصة في هذه الأيام … فضلا عن جودة البضائع والحياة بصورة عامة … والفوارق فلكية أحيانا …

كل هذا جميل وتفسر أسبابه نتائجه ولكن … الهجرة إلى هناك صعبت منذ أواسط سبعينات القرن الماضي (مع صدمة البترول الأولى) وأغلقت رسميا مع إقرار التأشيرة في أواخر الثمانينات… ثم حصلت الوحدة الأوروبية وفضاء “شنغن” وتكدّس عليهم بؤساء أوروبا الشرقية بعشرات الملايين (مما جعل دولة كبريطانيا تنفذ بجلدها هاربة من الاتحاد الأوروبي) … وجاءت مشكلة اللاجئين السوريين التي أطاحت بأنجيلا ميركل وقد عاقبها الألمان على “كرم” مبالغ فيه … وتصاعدت أحزاب اليمين وأقصى اليمين نحو السلطة ومعها طيف من اليسار المرتدّ نحو تطرف أشنع (مثل “الحقوقي” سابقا روبير مينار) … وحتى إن لم تصعد الأحزاب الرافضة للمهاجرين في بلد ما، فسياساتها وتأثيرها في الرأي العام فرض نفسه على الجميع … وانظروا فقط إلى نسبة الردود الإيجابية على مطالب التأشيرة ومدى هزالتها، ولو كانت للسياحة البحتة أو لمهمة قصيرة.

ماذا بقي يا طويل العمر … تحرق؟ هذه أولا يلزمها مال، مال كثير … ثانيا هي تجعلك تقترب من وسط مافيوزي لا يرحم، سواء قدم لك الخدمة أم لم يقدمها … رابعا وما دمت وضعت ساقيك خارج القوانين (اجتياز الحدود خلسة)، فأنت معرض لعقوبة السجن وخسارة مستقبلك سواء مع الشرطة التونسية أو الأجنبية … خامسا وهذه تركناها للنهاية، من يضمن أنك ستصل سالما بعد رحلة خطرة على قارب غير مناسب لأعالي البحار، حمولته غالبا ما تكون أكثر من طاقته، وإمكانية الغرق (أو التغريق) واردة جدا؟ … والأمثلة ها أنك تقرؤها في النشرات ودموع الأمهات …

أعيد: ماذا بقي يا طويل العمر؟ هذا إذا أردت لعمرك أن يطول … بقي شيء واحد، وهو ما فعلوه في بلاد كثيرة بدءا من تايوان وسنغافورة وماليزيا (وهي أقطار ليست في أصلها أكبر أو أغنى منا) ووصولا إلى دول إفريقية حديثة الاستقلال مثل رواندا وبوتسوانا … أي تنتفض على وضعك المتواكل ولامبالاتك بالشأن العام، وتتمثل سلوك المواطن الأوروبي الذي تنوى الهجرة إليه وإزعاجه … تتبنى مشاكلك بدل أن تلقي بها على الدولة المحلية أو الدول الأجنبية أو الحظ أو القدر أو المؤامرة …

تعيد الروح مع جيرانك لتلك اللجان الت انتعشت أيام جانفي 2011 حين لم تكن هناك دولة ولا إدارة ولا بلدية … تنسى انتظار ترخيص لن يأتي وتمارس الأنشطة التي لا تستحق ترخيصا … تربي أولادك على احترام الآخر والبيئة والمال العام وحب الوطن الحقيقي لا الذي عمره من عمر مباريات المنتخب وأنس جابر … تقتدي بأنس في شجاعتها وعطائها وتعبها وطموحها الدائم إلى أعلى … ونقيصة هذه البطلة الوحيدة أنها أحيانا تسهو عن هذه الخصال وتنسى أنها حفيدة جنرال كاد يغيّر وحه التاريخ، هو حنبعل برقا … وشيخ زيتوني غيّر التاريخ فعلا وأسس لفكر ما يزال معاصرا رغم مرور 600 سنة على رحيل صاحبه …واسمه عبد الرحمن ابن خلدون …

,وإذا كان أستاذنا الماغوط يقول: هاجر … فنقول نحن: دع العالم يهاجر إليك

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار