هذه ورقة تُريد لنفسها أن تكون مرِحة صرفة لا غرض من وراء نظمها سوى التّرويح على النفس وتهوئة أيّامنا المُعوزة وتمضية بعض الوقت مع حكايات طريفة.
منصف الخميري
هذه الحكايات هي من الواقع عشتُها شخصيا ولا مجال فيها للتركيب أو التأليف وأشعر أنه قد يكون من المُفيد تقاسمها معكم…والدليل على طرافتها أن ذاكرتي الهرِمة مازالت تحتفظ بها إلى يوم الناس هذا. وقد حذفت منها بطبيعة الحال الأسماء الحقيقية وكل التفاصيل الغادرة حفاظا على خصوصية أصحابها وتأكيدا على براءة مقصدها.
الحكاية الأولى : تضمن الدولة مقعدا لكل طالب جديد
كان شغفها مثل آلاف التلاميذ التونسيين كبيرا بشعبة الطب وكانت مسيرتها الدراسية متميزة جدا خلال كل المراحل إلا أن مجموعها النهائي خذلها وحال دون تحقيق طموحها الأكبر في تلك السنة… فكتبت مطلبا وضعت فيه كل ما تملك من قوّة تعبير ومن فِطنة وذكاء كذلك، قالت فيه “… كنتُ الأولى دائما منذ السنة الأولى ابتدائي ولولا هفوة صغيرة في اختبار الفيزياء يوم امتحان الباكالوريا لتحصّلتُ على أفضل المعدّلات… أرجو أن تراعوا هذا وأن تُمكّنوني من دراسة الطب حلم حياتي وأنا مستعدّة لأن أجلب معي كرسيّا خاصا أجلس عليه أو حتى أفترش الأرض داخل القسم حتى لا آخذ مقعد طالب آخر…”.
الحكاية الثانية : القيام ببحث سرّي
“…أقسم لكم سيدي الوزير أن لي رغبة ملحة في الصيدلة مع إمكانية الحصول على اختراع brevet إثر البحث الذي سأقوم به في أطروحتي والخاص بنبات برّي تونسي جرّبه والدي بصفة سرية ضد الروماتيزم.” هكذا علّلت إحدى الناجحات في الباكالوريا مطلب إعادة التوجيه الذي تقدّمت به للحصول على شعبة الصيدلة.
الحكاية الثالثة : بين ضحيّة وعُشاها
سي عبد المُعطي قرّر فجأة العودة من ألمانيا بعد أن قضّى فيها سنوات عديدة مع عائلته وكان من أوّل الصعوبات التي واجهتهُ تسجيل أصغر أبنائه (مستوى باكالوريا) بالمعاهد التونسية وتمييزه بإجراءات خاصة جدا تُمكّنه منها وزارة التربية لاجتياز امتحانات باكالوريا رياضيات، خاصة بالنسبة إلى مواد الفلسفة والفرنسية والعربية … وبعد رحلة طويلة تمكّن (فائز) من النجاح في الباكالوريا ولكن بمعدّل متوسط لم يسمح له بالحصول على شعبة “اللغة والآداب الألمانية “، فعاد إليّ مذعورا ورافقته في توجيه ملف خاص إلى وزير التعليم العالي وبقينا في انتظار الرد.
تأخّر ردّ وزارة التعليم العالي نسبيا لكن صديقنا لم يتردّد في التعبير عن انشغاله خاصة مع اقتراب موعد انطلاق السنة الجامعية الجديدة فقال لي : سامحني سي فلان
ça devient vraiment « inquiétable » على خاطر المشاكل هاذي في ألمانيا تتحلّ بين ضحية وعُشاها.
الحكاية الرابعة : الشيميك فيزي
كان السيد “ش” موظفا بمصلحة التجهيز بإحدى المندوبيات الجهوية للتربية وكان مسؤولا عن تزويد مخابر الفيزياء والكيمياء بمستلزمات التجارب والمستحضرات من مجاهر ومحركات مغناطيسية ونماذج للقلب البشري وعدسات بصرية ومعدّات مخبرية… راجعني مُدافعا بشراسة عن ملف إعادة توجيه مدرسي لتلميذة من عائلته وأجهش بالجملة التالية : والله صدقني طول عمرها باهية في les matériels scientifiques وخاصة في الشيميك فيزي لكن هذا العام للأسف تراجعت أعدادها قليلا ونجحت بمعدل متوسط.
الحكاية الخامسة : المعهد الوطني للنخيل بقابس
كنت بصدد تنشيط حصّة إعلامية مع تلاميذ الباكالوريا في أحد معاهد الوطن القبلي وكان يُرافقني مدير تلك المؤسسة. وفجأة قاطعني هذا الأخير مستغلاّ إشارة مني إلى التنافسية الشديدة التي تشهدها بعض شعب التعليم العالي وما يُحتّمه ذلك من ضرورة العمل الجادّ بشكل مبكّر من أجل الحصول على أفضل المعدلات … وتوجّه إلى التلاميذ : ما قاله الأستاذ صحيح لكن هاني باش نزيد نفسّرلكم أكثر، راهو كان ما تخدموش على أرواحكم من توّة يا إمّا ما تنجحوش جِملة وإلا تنجحو بمعدل ضعيف وترصّيلكم تقراو في المعهد الوطني للنخيل بقابس !
أكّدت له بعد انتهاء الحصة أنه لدينا معهد عال للغابات والمراعي بطبرقة لكنه لا يوجد معهد وطني للنخيل بقابس. فردّ عليّ مازحا : أنا متأكد أنهم سيبعثون مثل هذه المؤسسة طال الزمن أم قصر ! فمازحتُه بدوري قائلا “وأنا متأكد مثلك أنهم سيبعثون المعهد العالي للرمّان بتستور قريبا”.
الحكاية السّادسة : تقنيات علوم القضاء
كان لدينا منذ 20 سنة تقريبا شعبة جامعية قصيرة أُطلق عليها تسمية “تقنيات علوم القضاء” وهي شعبة تنتمي إلى مجال الحقوق والعلوم القانونية لكنها كانت مُمَهننة أكثر ويتخرّج منها (نظريا) أعوان المحاكم ومساعدو المحامين وعدول التنفيذ والإشهاد والمترشحون للعمل بمكاتب الاستشارات القانونية، الخ…
بعد انتهاء جميع عمليات التوجيه الجامعي وعند فتح دورة النّقل وإعادة التوجيه، زارني تلميذ تونسي حاصل على الباكالوريا من أحد المعاهد الفرنسية بتونس وكان محتجّا على الشعبة التي تحصّل عليها مُطالبا بتمكينه من شعبة جامعية أخرى بدلا عنها. فسألته عمّا يُزعجه في الاختصاص الذي تحصل عليه والحال أن ذلك هو ما طلبه في الرتبة الأولى على بطاقة اختياراته (بعد مراجعتها في السجل الإلكتروني لباكالوريا ذلك العام)… لم ينفِ كونه عمّر ذلك الاختيار في المقام الأول لكنه أكّد لي أنه لا يُتقن اللغة العربية وبحكم أنه لا توجد ترجمة فرنسية لشعب التعليم العالي “خِلتُ أنكم تقصدون “تقنيات علوم الفضاء” techniques spatiales les وليس علوم القضاء !
الحكاية السّابعة : من الوريد إلى الوريد
هذه مهنٌ رصدتها في مطالب بعض الطلبة المترشحين لدورات إعادة التوجيه :
مهنة الوالد : عون مخابرات (والمقصود حارس غابات مكلف بالإشعار في حالة نشوب حرائق)
مهنة الأب : تصليح الدراجات العادية والنارية أحيانا
الأب تاجر نباتات برية نافعة وغير ضرورية (والمقصود نباتات غير ضارة)
أبي لا يعمل بصفة مسترسلة وسلوكه مضطرب جدا مرة هكة ومرة هكة ما تعرفش عليه من الوريد الى الوريد.
الحكاية الثامنة : 3 مطالب إعادة توجيه باسم نفس الفتاة
ورد على الإدارة العامة للشؤون الطالبية بوزارة التعليم العالي ذات سنة ثلاثة مطالب إعادة التوجيه باسم نفس الطالبة الجديدة الناجحة في الباكالوريا، وما كان لافتا للانتباه أيضا أن الشعب المطلوبة كانت مختلفة ومتواجدة بجهات مختلفة وأن المطالب كانت مكتوبة بخطوط مختلفة. وبعد التثبّت اتّضح أن المطلب الأول كان من وضع والدها القاطن بالدندان والراغب في إعادة توجيه ابنته إلى كلية الآداب بمنوبة غير بعيد عنه ونِكاية في والدتها المُطلّقة، والمطلب الثاني حبكته والدتها القاطنة بالمنزه والراغبة في إعادة توجيه ابنتها إلى المعهد العالي للغات بحي الخضراء بالقرب من مقر سكناها، والمطلب الثالث من صنع التلميذة نفسها التي أرادت التمرّد عليهما معًا فطلبت شعبة بجامعة المنستير للإفلات من “حبّ لأبويها لم تعد تعرف كيف توزّعه” كما قالت أو ربّما لمُعاقبتهما – حسب رأيي- على ما فعلاه بها.
الحكاية التاسعة : انعدام الثقة في مصداقية الإدارة وضرورة مُراوغتها
تلك ظاهرة حقيقية يتقاسمها الشباب الناجح في الباكالوريا ولمستها شخصيا لدى عدد غير قليل من المترشحين للتوجيه الجامعي، وتتمثل في قولهم بأنه يستحيل على الإدارة التونسية أن تُمكّنك من اختيارك الأوّل حتى وإن كان لك الحقّ في ذلك، وبالتالي هم يلجؤون إلى ما يسمّونه “مُراوغة الإدارة” بوضع الشعبة المرغوب فيها بشدّة في الترتيب الثاني … فيتحصلون أحيانا من سوء حظهم على الاختيار الأول الذي لا يرغبون فيه في الواقع.
الحكاية العاشرة : المُعرّف الوحيد
كان يُطلب من المترشحين لإعادة التوجيه الجامعي ضمن الملفات الاجتماعية، رقم المعرّف الوحيد للأب المنخرط في صندوق الضمان الاجتماعي أو صندوق التقاعد للتأكد من حقيقة الوضع الاجتماعي للعائلة. ففي إحدى المرّات بدلا من وضع رقم أو رمز الانخراط كتب أحد الأولياء :
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟
سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…
هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…
فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟
وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟
فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟
هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…
عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…
سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…
جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…
نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”
ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”
نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”
هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”
نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”
همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…
نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….
شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…