كنا بدأنا منذ أسبوع في نشر مذكرات الزميل الكبير عبد الكريم قطاطة التي وضع لها عنوان “ورقات يتيم” … غير أننا عند نشر أول حلقة على “جلنار” وقعنا على آخر ما خطه كرّومة وقد وصل مع قرائه على فايسبوك إلى العدد 80 … وكان أمرنا نشازا … فكيف يعقل أن نفتتح النشر بداية من منتصف المذكرات وربما من صفحاتها الأخيرة؟ … وهنا، وبإشارة ناصحة من الصحفي المحنّك، ارتأينا عدم امتطاء القطار وهو يسير، واخترنا العودة منذ المحطات الأولى كيلومترا كيلومترا و”أنڨارًا” أنڨارًا … عسى أن يكون ذلك احتراما لفضول من لم يقرأ … وإنعاشا لذاكرة من قرأ ...
ـ التحرير ـ
اليتم ليس فقط ان نفقد احد الوالدين او كليهما … اليتم ايضا ان نعيش الوجع ونحن نشاهد اوراق شجرة كم انتفعنا بثمارها واستظللنا بظلها …ان نشاهد اوراقها تتساقط الواحدة تلو الاخرى …
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>
اشياء بسيطة نمر بها على امتداد ايام حياتنا مر الكرام …الا اننا ومع تقدم العمر نوقن بعد فقدانها كم هي متجذرة فينا على بساطتها وكم نشتاق اليها دون جدوى لانها غادرتنا دون رجعة … الثابت ان لكل واحد منا ذكرياته مع دروب الحياة منذ نعومة اظافرنا … دروب قد تختلف من جيل الى جيل ولكنها ـ على الاقل بالنسبة لي ـ هي مزروعة في اعمق اعماقنا … ولانني اسير الواقعية في جل ما اكتب، استسمحكم ان اعود بكم الى واقعي منذ حللت ضيفا على صفحة هذه الحياة، يوم سبعة جويلية من سنة 49 حين كانت والدتي رحمها الله تقوم بشؤونها المنزلية اليومية، في (حوشنا) الذي يشترك في سكناه 3 اخوة …
كان الحال رمضان وكانت الساعة تشير الى التاسعة صباحا عندما احست والدتي بوجع الولادة …في البداية لم تعبأ بالامر، الا انها اسرّت لاختها (زوجة عمي) بان الامور اصبحت جدية …واسرعت خالتي الى القابلة العربي لتحضرها حتى تساعد والدتي على وضعي … الا اني يبدو كنت غير مطمئن للقابلة العربي التي كم ذهبت من ام ضحية محدودية معرفتها او كم ذهب وليد من غادي لغادي، فاثرت النزول دون مساعدتها …وما ان وصلت حتى وجدت 2 كيلو ونصف من اللحم الآدمي على اقصى تقدير في انتظارها حتى تقطع الحبل السري …الذي ببدو انه لم ينقطع ابدا بيني وبين امي التي هي كل حياتي وانا كل حياتها …كيف لا وانا الابن الذكر الاول الذي يهل على عائلتي بعد ان دفنت ذكرين واجهضت ثلاثة …كانت الفرحة في العائلة لا توصف، انه المجتمع الذكوري ..
وكانت اختاي تراقبان الحدث بكثير من المشاعر المتلاطمة … فرح ..غيرة… خوف من الأتي … ولم تكونا مخطئتين في مخاوفهما على الاقل بالنسبة للاخت الكبرى …البكرية …لان مجيئي وظروف تنشأتي دفعت ضريبتها هي عندما اجبرها الوالد رحمه الله على المكوث في المنزل للاهتمام بي، مما حرمها نعمة الدراسة … نعم هكذا يتصرفون في المجتمع الذكوري …في نفس هذا المجتمع لم يكن هنالك انذاك تحديد النسل، فبورقيبة لم يهل بعد .. لذلك كانت امي رحمها الله كاغلب النساء من فصيلة الارانب …يدو في يد خوه … ومثل أولئك النساء كان يطلق عليهن صفة (غيالة) اي انها ما ان تخرج من الاربعين بعد الولادة حتى تجد نفسها حاملا .. خاصة ان جل الرجال انذاك قابلينها يالياطاش … جلهم بطالون والبطالة تعمل بعمايلها …والغيالة من سوء حظي ينقطع عنها در الحليب لرضيعها …
نعم نشات وانا رضيع على بيضة مسلوقة كل صباح وعلى شريحة تين مجفف امزمزها كامل اليوم … فحتى دقيق الحليب الامريكي (الهدية للشعب التونسي) لم يحل ركبه بعد … والغريب انه وفي مثل تلك الظروف وفي قلة ذات اليد قاومت ونشات … عمر الشاقي باقي … كان والدي اجيرا يوميا احيانا في °المرمة° واحيانا اخرى في °ماكينة الزيتون° (معصرة الزيت) وتارة في °المرادم° لصنع الفحم … وفي غالب الاشهر بطالا … امي كانت تقول عنه كسلان ولكن عندما كبرت وعرفته عن كثب ادركت انه سريع الغضب لاتفه الاسباب، مما سبب له علاقات متوترة مع اغلب الذين اشتغل معهم … لذلك كنا مصنفين ضمن العائلات المعوزة، فحتى حوشنا تتقاسمه عائلات ثلاث وساعود في مقال مقبل الى حيثيات هذا الحوش الرهيب وتفاصيله الاكثر رهبة …
في عائلتنا مثلا .لم نكن نملك من الفراش الا (بساط) وهو قطعة من القماش الداكن اللون حتى لا تظهر عليه مخلفات الاوساخ، محشو بقطع من القماش البالي … وهو للنوم اما الجلوس فهو اما على الحصير والاغلب على الحصيرة، وهي جزء بال من الحصير الذي يسدل عادة عند مجيء الضيوف …لم نكن نملك من ابسط ابجديات العيش الكريم الا القليل …فاللحم بالنسبة لنا هو مرادف لعيد الاضحى وفقط … والسمك نشتريه فقط عندما يصل بائعاه (الاخوان الشيتة وڨنبور هكذا كان يطلق على الاخوين عليلة في ساقية الدائر) أو عندما بجبران في الحقيقة في السادسة مساء على بيعه (بخ تف) لانهما لا يملكان ثلاجة لتصبيره الى الغد … فيتراوح ثمن كيلو الصبارص بين 5 و10 مليمات …
اما الغلال فنحن لا نحتاج لشرائها لسببين اولهما الفقر المدقع الذي تعيشه جل العائلات انذاك، وثانيهما ان قطعة الارض التي نمتلكها والتي لا تتجاوز مساحتها (المرجع) هي بالفعل مرجع لعديد الغلال … دلاع فقوس بطيخ لوز عوينة كرموس اجاص، دون نسيان شجر اللوز بانواعه (فخفاخ او مغزاز قسمطيني وزحاف) … نعم فما حاجتنا بسوق الغلال؟ ..وما يقال عن الغلال يقال عن الخضر، اذ تتربع امام الحوش (المطاير) لعائلات الاخوة الثلاثة، وفيها ما تشتهيه الانفس من كل انواع الخضر … معدنوس تابل بصل سلق فلفل… وويح لدجاج الجيران اذا عبر الحدود من فوهة (“فلة” صغيرة في الطابية التي بيننا وهو ماكان يطلق عليها اسم كعباشة) للسطو على ثروة خضرنا … الشيء الذي اجبر والدي على الفتك بالدجاجات المسكينات ذات مرة باستعمال دواء الفأر لابادتها …وشوية لا طاحت فيها الارواح ..غفر الله له ولجيراننا “دار بودوارة °…
اما عن يقية حاجياتنا العائلية في الماكل فكنا مثلا لا ناكل خبز المخابز الا في اليوم السابع والعشرين من رمضان… كنا نخرج لصلاة العصر ونقبع في صحن الجامع حيث يقوم الاثرياء بتوزيع الخبز على المعوزين … وهي فرصة لكافة افراد العائلة كي يصطفوا جميعا لنيل خبزتهم … وعلى ذكر خبز المخابز اتذكر جيدا ان والدي رحمه الله كان يخصص لي شهريا ربع خبزة بالطلوق من عند خباز ساقية الزيت (الفريخة رحمه الله) كهدية لي على نتائج امتحاناتي …الامتحانات في زمني كانت شهرية في التعليم الابتدائي… وبعد اربعة اشهر يدفع ابي ثمن الخبزة التي لم تكن امي رحمها الله راضية عن هذا التبذير … خاصة انني في نظرها لا استحق الهدية لاني لم اكن ‘محراثا’في دراستي بل وكانت تشتكيني دوما لمعلمي رحمه الله (سي البشير شراد) متذمرة من كثرة لعبي والذي كان يلاطفها ويقول لها دوما: سيبو يلعب لاياس عليه… وتعود عيادة الى منزلنا وفي قلبها غصة وتكتفي بالقول (كيف سيدي كي جوادو) …
اعود الى الخبز لاتم حكايتنا معه …كنا طوال السنة نتناول المبسوط والجرادڨ … الاول يعتبر (ليكس) لانه مصنوع من القمح وعادة ما يقدم للضيوف … والثاني مصنوع من الشعير وهو خبزنا في جل الاكلات …كنا ناكل ونبتلع ريقنا وعندما كبرنا قليلا كنا كثيرا ما نعلن عن غضبنا من هذا الجرادڨ والملثوث والمرقة الزورية (اي دون سمك) والحلالم والتشيش والزميت، اللي تمرجوا بيهم كبدتنا …يااااااااااااااااااه لمن عاصروني الا تحسون باليتم مثلي ونحن نفتقد لهذه الاشياء ؟؟؟؟؟ الان في زمن الملاوي والسندويتشات والاسكالوب ولحم الدند ولحم الدجاج الاصطناعي ولحم العلوش المستورد ولحم الحمار عند بعض الجزارين …ماذا تساوي هذا الاكلات امام “افّيّم تشيش” بالخضرة مزينا بقديد زمان ..؟؟؟؟ ماذا تساوي هذه الاكلات امام “افيم” حلالم مزدان بفلفل اخضر (من التقلية) رحمك الله يا جموسي … ماذا تساوي هذه الاكلات امام افيم بسباس حار ..؟؟؟
اعتذر لمن لا يعرف هذه الاكلات، لانو كل بلاد وارطالها … ولكن يمكن لكم ان تعوضوا ماذكرته من اكلات صفاقسية بما يضاهيها من اكلاتكم في ذلك الزمن ..؟؟؟ مرة اخرى ومثل هذه الاكلات تندثر شيئا فشيئا … وللامانة، البعض منها مازالت تجود بها على نخبي زوجتي او اختي التي تكبرني بعام وهي مختصة في الحلالم … بورك فيهما وفي امثالهما … اذن مرة اخرى ومثل هذه الاكلات تندثر من خواننا اليومي الا تحسون باليتم ..؟؟؟ اليست هي اوراق تساقطت من شجرة حياتنا فتركتنا يتامى …؟؟؟
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.