تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 17

نشرت

في

فرص الخروج الى حانوت صالحة لقضاء بعض اللوازم الخفيفة للعائلة علمتني الكذب والسرقة … كنت اسرق قليلا من الوقت لاشاهد اصدقائي في الحومة “يكوّرون” وعندما اعود اختلق اية كذبة لابرّر تأخّري …

عبد الكريم قطاطة
عبد الكريم قطاطة

وكنت احسّ بعيّـــــــــادة وهي لا تصدّق ولدها (الزفلات) و كــــــــانت كل مرة تعلّق بـ “اية تو نشوفك المرّة الجاية اشنية الكذبة الجديدة الّي باش تطلعلي بيها !!”… في تلك الحقبة كانت تكتفي بإشعاري بانها “مشلّقة” ولكن كانت تؤمن بأن الحر من غمزة و”البهيم” من همزة ..وسترون كم خاب ظنها فيّ لاني لم استطع مع عفرتتي وشقاوتي ان اصل حتى لدرجة البهائم (همزا) فكيف اصل الى درجة الاحرار (غمزا)؟؟؟… مرت العطلة الصيفية وعدت الى الدراسة (الى الحيّ) بعد عثرة السنة الاولى وجاءت السنوات الثلاثة من المرحلة الاولى من التعليم الثانوي خالية من الخيبات الدراسية …لم اكن لا وقتها ولا طيلة دراستي “محراث خدمة ” ولكن واصلت العمل بنفس النسق وبنفس الاسلوب …حضور كلّي في الدروس ..تركيز كبير ..ومراجعة طفيفة ايام الامتحانات …ونتائج قريبة من الحسن وتألق متواصل في اللغة العربية .. هذه اللغة التي عشقتها منذ طفولتي والتي كم اشقتني في مراحل مفصلية في عمري ..لا تتعجلوا ستاتيكم اخبارها في ورقات قادمة ….

في ختام السنة الاولى المعادة تحصلت على الجائزة الاولى في مادة العربية، حيث كانت الجوائز انذاك تسند لصاحب المرتبة الاولى في المعدل العام وجوائز خاصة بالتميّز في المواد الهامة (عربية، فرنسية، رياضيات وعلوم)… ولن انسى يوم اختتام السنة الدراسية عندما وقعت المناداة على اسمي وسلّمني السيد احمد الزغل اطال الله عمره جائزتي …يومها كان يبحث عنّي لسببين اولهما انّي لم اكن في الصفوف الاولى للتلامذة المتفوقين والذين يجلسون قبالة منصة الاساتذة والمدير …كنت مع فرقة المعهد الموسيقية والمكونة من تلاميذ المعهد عزفا وانشادا …سي علي الحشيشة استاذ الموسيقى انذاك اطال الله عمره … وهذا الاستاذ مازلت الاقيه لحد يوم الناس هذا …وهو لم يتغير شكلا ولا ابتسامة عن اول يوم شاهدته بالمعهد، سبحان الله لم يتغير بتاتا …

سي علي قام في بداية تلك السنة باختبار مجموعة صوتية لتصاحب بقية العازفين في اداء الموشح الوحيد (شوشانة) وكم كانت دهشتي عندما اختارني من ضمن تلك المجموعة …فانا وان كنت اجيد اداء الاغاني بانواعها ..فاني وكما تعلمون مصاب بـ”الرأرأة” اي عدم اجادة نطق حرف الراء … فكيف لمنشد مثلي ان يقع الاختيار عليه رغم اعاقته في النطق ؟؟ يوم اختتام السنة الدراسية بحث عنّي سي احمد الزغل بين الصفوف الاولى فلم يجدني وهو السبب الثاني لبحثه..اسمي يذكره بحادثة ما …وما لبث ان رآني اخرج من بين تخت الفرقة (استناني من قدام …جيتو على جنب) … نظر اليّ وكانه يقول: “انت موش متاع المبارزة بالسيف عمناول ؟؟؟” فاجبته بنظرة لا تقل رمزا عن نظرته قائلا له فيها ..”ينعم يا سي احمد انا هو بعينو” …

سلمني الجائزة دون اي تعليق دون اية نظرة .. برود لحد الصقيع … كدت اندم على الذهاب اليه لولا تلك العين الرائعة التي رمقتني من هناك: عين سي يوسف خماخم استاذي في مادة العربية رحمه الله والتي كانت كلّها تلخّص: “تستاهلها ولدي ربي يوفّقك” … كم هي النظرة موجعة احيانا …و كم هي تحلّق بنا احيانا اخرى في اعالي اعالي السحاب هل عشتم يوما التحليق في اعالي اعالي السحاب ..؟؟ …في تلك السنوات وككل تلميذ هنالك ثلاثة انواع من الاساتذة نعاشرهم ..بعضهم يتميّز بكاريزما هائلة …”الذبانة” تسمعها اثناء دروسهم … بعضهم عاديون للغاية فهم لا يحفرون اثرا في ذاكرتنا ..وبعضهم اما اصدقاء جدا لنا … سي النوري دمّق استاذ الرسم رحمه الله، سي علي الحشيشة استاذ الموسيقى، سي عياد السويسي استاذ المسرح رحمه الله … او هم مرتع لعبثنا الطفولي بانواعه (ويا ويلو اللي يحصل منهم بن ايدينا)…

اتذكر جيدا استاذ الرسم الفنان التونسي الكبير ابراهيم الضحاك، رحمه الله … كان طوال السنوات التي قضاها في المعهد “نصف صاح” … هو ناقص نوما اكيد …ولكن دائما °سيس دوز ° (وهذه عبارة تصف شارب الخمر الذي يبالغ في الشرب والتي لم افهم يوما لا ماتاها ولا معناها 6 : 12) … وكنا ننتظر بكل شوق حصة الدرس عنده لا لاننا كنا بارعين في الرسم فانا مثلا من افقر الناس فعلا وحسا بالرسوم وخاصة التجريدية ليوم الناس هذا … تصوروا اني نلت مرة واحدة عددا فوق العشرة عندما رسمت “شلاكة” …ويبدو اني عندما رسمت نفسي كشلاكة في التصوير نلت ما استحق ..سي ابراهيم هذا يمكن ان ننتظر منه اية هبلة جميلة من هبلاته ..ذات يوم اعجبه رسمان لتلميذين اعطاهما 20 على 20 .. لكل واحد منهما ..

نظر اليه احدهما وقال: “يا استاذ ظلمتني ..ما تشوفش اللي رسمي احسن شوية من رسم زميلي ؟؟؟” … نظر سي ابراهيم متأمّلا الى رسمه ونظر مليّا الى الرسم الاخر فما كان منه الا ان اضاف للمشتكي واحدا فاصبح عدده 21 على عشرين …؟؟ تفطنت الادارة إلى ذلك فرغبت منه مراجعة العدد لكنه رفض قطعا ذلك وقال لهم ساحذف له نقطة في الامتحان المقبل …وفعلا كان ذلك ..سي ابراهيم الضحاك ودائما هو ..جاءه احد التلاميذ وقال له حرفيا: “يا سي ابراهيم، باباي يسلم عليك وقلّك ولدي ناقصتو اربعة باش يجيب المعدل متاعو زيدهملو انت برّي ويبارك فيك وفي باباك” ..وكعادته نظر سي ابراهيم مليّا الى التلميذ وقال له وهو نصف صاح دائما: “سلّم على باباك وقلّو سي ابراهيم ما يبيعش في البصل وقلّو قلّك سي ابراهيم يلعن باباك وبو باباك!” ..ومرّ وكأن لم يحدث شيئا …

من غرائب الاحداث في تلك السنوات ايضا ..اننا كنا نحن التلاميذ نقوم بانشطة متعددة في الشبيبة المدرسية …موسيقى تمثيل غناء _… ووجدت نفسي منجذبا الى التمثيل بعد سنة في المجموعة الصوتية …الاستاذ انذاك كان المرحوم عياد السويسي ..عندما حضرت عنده اول مرة سالني عن علاقتي بالتمثيل فاجبته بانها علاقة استماع لبعض البرامج التمثيلية في اذاعة صفاقس وقبلها في الاذاعة الوطنية… سالني عن بعض الممثلين الذين اعجب بهم ذكرت له عديد الاسماء فما كان منه الا ان اعطاني قصيدة عنوانها الزوج القاتل لتيمور لاراجعها والقيها الاسبوع المقبل ..وكان ذلك ..ومرة اخرى لم تكن لثغتي حاجزا دون اعجاب استاذي في المسرح سي عياد فقط، بل فزت عن القائها بالجائزة الاولى في الالقاء جهويا، ورئيس لجنة الامتحان والتحكيم انذاك المسرحي التونيسي الكبير حسن الزمرلي رحمه الله… واستعددت للمشاركة في الامتحان الوطني للالقاء وركبت الحافلة للذهاب الى قابس حيث تقام المناظرة كممثل عن ولاية صفاقس..وانتظرنا اكثر من ساعة بعد موعد اقلاع طائرتنا (ما يمشيش في بالكم ) بل حافلة من شركة النقل …ثم انزلونا لان احد اودية جهة قابس قطع الطريق علينا بفعل فيضانه ..احيانا تاتيك الفرصة لتكون من منافسي عزت العلايلي او نور الشريف ..ولكن، ” يعطي للذبان عمى قداشني متواضع”! …

السنة الثالثة من المرحلة الاولى من تعليمي الثانوي كانت سنة حدث ….الحدث كان حدثا جللا ….في اوسطه وعند مقدم الربيع افقت على حقيقة …عبدالكريم صار كبيرا …”فهمتوها والا حتى نقولو هوني بير ؟؟؟” نعم بلغت سن الرشد الجسدي …ولست ادري هل كل من عاش مثل هذا الحدث احسّ بما احسست …التحوّل في شخصيتي كان غريبا وسريعا وبهذلني جدا …اصبحت وانا في الرابعة عشرة من عمري احس بأني بين عشية وضحاها أصبحت رجلا (وسيد الرجال) … نظرتي تغيرت ..مشيتي تغيرت .. سعة بالي لم تعد كعادتها … صياحي لم يعد لطيفا ..حتى الحجارة في الطريق لا تسلم منّي فاركلها هنا وهنالك… مما حوّل احذيتي الى خرئط بالحبر الصيني حيث الاسود من خلفها والرمادي اين موقع الركل في “بونتتها”…

هكذا كان يخيّل لي كيف يجب ان يكون الرجل ..صلفا شديدا واثق الخطوات لا يضحك كثيرا… حتى اختي الصغرى فكرية حفظها الله لم اعد اقتسم معها لعبي (قدّي قدّها ؟؟؟) … كنت حتى مع زملائي في المدرسة احاول تجنّب الاطفال منهم (مازالوا فروخ اش يفهموا فيها) واعاشر من يكبرونني سنا (عمران ..البرادعي ..الزواري ..ادريس) … والبعض منهم يزيد عني بثلاث سنوات او اكثر (يعني العضروط وخوه سنا وجسدا) … هم كانوا يتفادون احاديث “القباحة” امامي ..كأنهم لم يتفطنوا بعد الى اني “نڨّزتها” ودخلت ركابهم .. ولكني كنت اتلصّص وبطريقتي على احاديثهم …

سمعتهم يتحدثون عن “الكارطي” (دار البغاء العلني) وفهمت وقتها ما يعني الباب الشرقي ..سمعتهم يتحدثون عن استاذة الانكليزية “لاكوست” الفرنسية، تلك الوحيدة كأنثى في المعهد والتي تشرئب اعناقنا جميعا لها عند ظهورها، لان رائحة الانثى في ذلك الزمن كرائحة مطر لا ينهمر الا بعد دهور… يتحدثون عن لاكوست وكيف ان احد التلاميذ كان يحظى عندها بمكانة متميزة الى درجة انها تمكنه من دروس خصوصية بمنزلها، فيضمن هو التفوّق في الانكليزية وتتفوّق هي في استضافة وتذوّق موائد عربية اصيلة ..وكان زملائي العضارط يعضّون على اصابعهم قهرا ويردّدون: “عجب اش عجبها فيه هاكا الڨعبوط؟؟؟… ولم يفهموا ولن يفهموا ان رؤية البعض للجمال او للجسد تختلف عن رؤية الاخر …

علاقتي في ربيع تلك السنة توتّرت جدا مع كل محيطي… في حومتي، اصبحتُ علويّأ عموديّا في رؤيتهم (ما يلعّبونيش) … وحتى مع الحوش الذي اقطن به ..اصبحت اتساءل: هل هذا موقعي ؟؟ هل ولدت كي اكون في هذه الحالة الرثة والمزرية ..انا الذي لم اذق يوما طعم سرير انام عليه .. لم اذق طعم “كعبة ميلفي” من بائعها في المعهد وكنت اكتفي بالنظر الى بعض زملائي في الدراسة “يضربوا بالاربعة” في راحة العاشرة صباحا … واشنية هالعيشة وهالمقت ؟؟؟ كلما عدت الى المنزل بعد يوم من الدراسة وبعض “الطوشيع” في الكرة، انهالت عليّ عيادة بوابل اسئلتها: “اشبيك التو … اشبيه سروالك؟؟؟”… (جِدوا لي جملة خارج الدارجة تكون ابلغ واعمق واكثر شفافية عن الطفل والخ …. وسرواله) ..ثم تضيف: “اسمع يولّيشي صنانك تحت ضبوطك راني ديما امك وما تكبرش في عيني!!” ويحدث يومها زلزال مدمر في علاقتي مع عيادة …

ياااااااااااااااااااااااااااه كان مدمّرا انذاك نعم ..ولكن حتى الزلازل لها جمالها ..تأكدوا …لها جمالها ….

ـ يتبع؟ طبعا يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار