تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة رقم 22

نشرت

في

Premium Vector | Sketch of the vintage radio receiver. vektor illustration

هل لي ان اذكّر بان انتقالي من المرحلة الاولى للتعليم الثانوي الى الرابعة آداب كانت سنة تحوّلات كبيرة ..؟؟

عبد الكريم قطاطة
<strong>عبد الكريم قطاطة<strong>

لابدأ بمحيطي العائلي …عبدالكريم في نظر كل سكان الحوش اصبح مهابا ..حتى الملاحظات والنهي التي كانت تلاحقني خفّ ازيزها ..حتى عيّادة الغالية اصبحت ترى في ولدها بذرة امل لمستقبلها علّه ينوّر حياتها بعد تعب السنين، فتراها تلجأ الى الملاحظات الناعمة شكلا ولكنّها المحذرة دوما من الاخطاء والمنزلقات ..اتذكّر جيّدا انّها شاهدتني مرّة مع “ولد برّبة” وهو في مثل سنّي لكنّه مصاب بمرض الرمد الذي قضى على ثلثي عينيه ثم جانب النظافة فيه يكاد يكون منعدما … كان جميع اتراب الحومة يتحاشونه ..وكان ذلك المهجور من قبل الجميع …

شاهدتني عيادة مرّة معه وانا اعانقه بكل حنّية …وبكل ودّ وربما بكثير من الشفقة …همست بعتاب جميل: “يا وليدي توّة ما لقيت تعنّق كان احمد ولد بربّة ؟؟؟ ما شفتش حالتو كيفانهيّة والذبّان اللي يدور عليه ؟؟؟ اجبتها بكل الم: علاه يا عيادة ما خلقوش ربي ..؟؟؟ ولعلّها فهمت المي فردّت باقتضاب ..لا حبّيت نقلّك وبرّة …انا نحبّ نشوفك في مراتب عليا والمهم تعرف اشكون تصاحب وتبعد على اولاد الحرام اللي لا يناموا ولا يخلليو شكون ينام …واتذكّر جيّدا اني ذات مرّة وانا اردّ على مثل هذه الملاحظات الزجريّة لخّصتُ لها ما تنتظره منّي بالقول: شوف يا عيادة حاجة من الاثنين انا راني كي نكبر يا نذّن يا نقيّم فيها الاذان …

دائما في محيطي العائلي كانت تلك السنة سنة تحوّل كم هو مهم ومؤثر جدا في حياتي …في تلك السنة (كدت اقول في بيتنا رجل لعبدالقدوس) ..في تلك السنة في بيتنا راديو…لست ادري كيفاش طلعت عند الوالد سي محمد، كي يقتني مذياعا ..كان من النوع الذي يشتغل بالبطارية يحملها على ظهره ويقع كبسها بشريط بلاستيكي… تماما كما تحمل المرأة الريفية رضيعها فوق ظهرها وتشدّه بمليتها ..ومن جملة عبثنا انذاك اننا كنّا نتساءل عن كيفيّة ارضاعها لذلك الرضيع اثناء شغلها حتى لا تضيع الوقت ..كنّا نقول عنها ستخرج ثديها من تحت ثيابها وترمي به في حركة الى الوراء تماما كما نرمي”الكشكول” على عنقنا لنحميه من البرد شتاء .. حتى يصل ثديها الى فم رضيعها دون عناء …تصوروا ثديا في طوله كالكشكول ..؟؟.شفتو ما اخيبنا ..؟؟

كان المذياع بالنسبة لي الحدث السعيد وايضا بالنسبة لسكّان الحوش الذين كانوا يتحلّقون حوله كل صباح بداية من العاشرة لتكسير اللوز الجاف وللاستماع الى اكثر برنامج جماهيري انذاك: “اغنية لكل مستمع” في الاذاعة الوطنية . وهو برنامج خاص باهداءات الاغاني … اكهو …وكانوا في حوشنا يتقاسمون الاغاني الاولى لفلانة الثانية لفلتانة وهكذا …وبعضهم يتفاءل بما وفّر له حظه الذي قد ينبئه بعريس وهو يستمع الى جواب حب ..”وختما لك الف سلام من قلب لا بيهدا ولا ينام قلب حبيبك” …بينما الاخر يصفرّ وجهه وهو يستمع الى راح راح راح خاصة والاخرون والاصحّ الاخريات تتغامزن على حظّها التعيس ….والمذياع في رمضان هو كنز من كنوز سليمان ..فتحيّة الغروب لعادل يوسف عندليب الاصوات، وحكايات او سمر عبدالعزيز العروي وشاناب والحاج كلوف واختبر ذكاءك…

يوم الثلاثاء كان جميع سكان الحوش يتحلقون حول ذلك المذياع للاستماع والاستمتاع … خاصّة في فصل الصيف حيث تتنوّر وسطية الحوش بـ “كربيلة” من جهة وفنار من جهة اخرى لاضاءة بعض اركانه… و انذاك الستاغ والصوناد كانتا خارج دائرة الوجود… ولتحلّق العائلات الثلاث في اللمّة متعة حميمة جدا رغم كل التجاذبات بين السلايف… لمّة يبدو انّها اضمحلّت تماما في حياتنا الان، لأن التحلّق اصبح ثنائيا بين كلّ فرد وهاتفه (وتسمع كان تك تك…كل “يشاتي” على هواه … ما ابشعنا في عصر الانترنيت عصر رغم كل ايجابيّاته قضى على اجمل ما في الجمال…اللمة العائلية …اليس كذلك يا عالم ..؟؟؟

المذياع بالنسبة لي كان مجالا لاكتشاف محطّات اذاعية اخرى ….مشرقيّة بالاساس ..في تلك السنة اكتشفت الاذاعات المصرية (صوت العرب من القاهرة واذاعة الشرق الاوسط من القاهرة )… هاتان الاذاعتان قهرتا امّي رحمها الله وكانت كلّما راتني متيّما بالمذياع في لياليّ الاّ وعلّقت ..مع هاكي القاهرة هواشي؟ …يرّاها مقهورة ..هي لم تكن لها رغبة في الاستماع الى المذياع عموما ولكنّها كانت تلاحظ ان الاذاعة عامة والاذاعة القاهرية خاصّة اخذت تأخذ من وقتي الكثير على حساب دراستي ..وهي للامانة كانت محقّة نسبيا في ذلك ..فانا وكما تعرفون لم اكن يوما محراث خدمة في الدراسة ولكن سهراتي مع الاذاعتين المصريتين وخاصّة اذاعة الشرق الاوسط، اصبحت يومية بل الى حدّ الادمان ..انذاك وجدت في في هذه المحطة انماطا جديدة من الاساليب الاذاعية…

دعوني اقل لكم اننا نحن التونسيّين كنّا منبهرين باللهجة المصرية من خلال ما نستمع اليه من اغانيهم او من خلال الكم القليل من الافلام التي شاهدناها … كنّا نحسّ بعمق الغرام ونحن نستمع الى احمد مظهر او رشدي اباظة او عبدالحليم او ايّ مصري كان وهو يقول متغزّلا بحبيبته °وحياة عينيك مشتاق اليك” خاصّة بصوت ذلك البلبل الحزين فريد الاطرش لليليا في فلمه …يسري ذلك الغزل في عروقنا خاصة نحن المراهقين سريان المخدّر في “جواجينا”… ثم في تلك الاذاعة اكتشفت انذاك عالم الاشهار الذي كان مفقودا تماما في اذاعتي تونس وصفاقس . اقول لمن هم من نفس تلك الحقبة هل تتذكرون (كانت كانت سيجارة حبيبي) و(الفروج الدنماركي) و(دخّن سالم وانت سالم)؟؟ ثمّ وهو ما شدّني لتلك الاذاعة اسلوبها التنشيطي ..الخفيف الديناميكي ..

الاذاعة انذاك في تونس اذاعة معلّبة جامدة الى درجة الثقل الزئبقي ..اذا انّها كانت تعتمد في جلّها على البرامج المسجّلة وباللغة العربية …تصوّروا فقط انّه لا وجود لبرامج مباشرة باستثناء النشرات الاخبارية والمواجيز ..او نقل المباريات الرياضية او بعض السهرات الغنائية .فقط ؟؟؟ لذلك كانت حركية وخفة التنشيط في اذاعة الشرق الاوسط اكتشافا بالنسبة لي… لذلك كنت استحوذ وبشكل متعسّف على الاخرين ليكون المذياع ملكي بداية من التاسعة ليلا حتى منتصف الليل ..ومانيش ديمقراطي ويلعن جد والدين بو الديموقراطية اللي وصّلتنا بعد 14 جانفي لهذا الوضع الكارثي ..وطزززززززززززززززززززززز في الديموقراطية اللي ماشية بتونس للكارثة من جرّاء الانتهازيين الكوارث اللي على كل لون يا كريمة …يمّة عليك يا تونس يا غالية قدّاش طيّحولك قدرك وعبثو بيك ها الكوارث…

في تلك الاذاعة ايضا وككل الاذاعات المصرية هنالك موعد مع السحر شهريا ..اخر خميس من كل شهر حفلة العظمة على عظمة ..الست ام كلثوم وفي سهرة شهرية تقدّم اغنيتين واحدة جديدة واخرى قديمة ..يااااااااااااااااااااااااااااه اشي عوّدت عيني على رؤياك ..اشي يا ظالمني ..اشي بعيد عنّك اشي امل حياتي واشي واشي واشي ….اريد ان اطرح سؤالا كم يؤلمني طرحه: بالله اش يحسّو ارواحهم الناس اللي من جيلي وجيل القمم الفنية وهوما يشوفو صغارهم واحفادهم يتغناو بـ “اشترق تق”..؟؟؟ كثيرا ما اسمع من البعض اجابة من نوع (كل وقت ووقتو() و(كل جيل عندو فنّو)… لهؤلاء اقول انتم فعلا على حق لان الاجيال مختلفة جدا والعصور ايضا مختلفة جدّا… فقط تذكّروا انه من جملة العصور هنالك عصور يجمع عليها المؤرخون بانها عصور الانحطاط …واترك لكم تصنيف اي عصر هو جدير بصفة الانحطاط ..شكرا اذاعة الشرق الاوسط التي كم متّعتني وكم كان لها تاثير عميق عليّ…وتاثير سكناها في لاشعوري لاجد رواسبها الجميلة تخرج الى السطح ذات سنة وللحديث تفاصيل في قادم الورقات ..

في تلك السنة من عمري توطّدت علاقتي بساقية الداير هذه المنطقة والتي تبعد عن مركز المدينة 6 كم طريق المهدية… اخذتني منذ السنة الاولى من تعليمي الثانوي من ساقية الزيت 7 كم عن وسط المدينة طريق تونس… ظروف التنقل الى وسط المدينة كانت ايسر عن طريق المهدية، لكن علاقتي لم تتوطّد بشكل عميق الا ابتداء من السنة الرابعة ..عامل العمر لعب دورا هاما ..كانت علاقاتي في السنوات الاولى منحصرة مع عائلة “المدّب التريكي” رحمه الله لان ابنه رضا (صديق كلّ عمري) ربطتني به علاقة حميمة جدا منذ صغرنا ..كنّا ومنذ الطفولة وحتى سنوات متقدمة جدا لا نقترق بتاتا …كنت اكبره عمرا بسنة وكنّا متلازمين بشكل يعرفه الجميع ويحسده البعض واستمر الى مرحلة متقدمة من العمر ثمّ ..آه …. آه من الايام آه لم تعط من يهوى مناه ….ساعود الى التفاصيل ..

اذن كانت علاقتي مع اصدقاء الساقية محدودة في البداية ..الا ان تلك السنة كانت سنة تطوّر نوعي وكمّي مع العديد ..الحرّية التي اصبحت افرضها على عائلتي حرّية الوقت ..حرّية الصّداقة ..حرّية لعب الكرة ..كلّها مكنتني من مخالطة عديد الانماط …سنتها اكتشفت لعبة البولاط في حانوت خويا احمد الفقي متّعه الله بالصحّة و اطال عمره …دكاكين الحلاقة انذاك لا تتجاوز في الساقية الاربعة حيث كل حلاّق له نوعية معيّنة من الحرفاء عمريا ومهنيا ..وحانوت “بو احمص” كما كنا نسمّيه جلّه شباب فيه التلمذي وفيه الصّايع …وكم كان اولئك الصيّع على غاية من الجمال والضّمار والطيبة ..الا ان التوصيفات في ذلك الزمن لمعنى _الصّايع _ هو الذي لم ينجح في دراسته ويدخّن او يشرب الخمر ..رغم ان اولياءهم ومن ماثل اولياءهم سنا هم اقرب الى ابي نواس في تعاطي الخمر من الصيّع … علاوة على فتل “شنباتهم” رمز الرجولة والذكورة معا كلّما حضروا حفل زفاف فيه “مرا” علّهم “يباتوا بيها” حسب تعبيرهم ..

انذاك لم اكن ادخّن بالمعنى الحقيقي للتدخين ..قمت بتجربة سجائر القراطيس صنعا لكن لم ترق لي النكهة … بل اكثر من ذلك كنت اتأفف من رائحة دخان السجائر واندهش من قوم اسمّيهم “اخّ بفّ” تعبيرا عن الزفير والشهيق وهم يدخّنون … في الساقية كان ملتقانا اليومي باستثناء الاثنين (عطلة الحلاقين والتجارين بساقيتنا) بحانوت حلاقنا وكان مجاورا لمدرسة الامانة للفتيات من جهة ولحانوت الفواكهة الجافة (حمّاص) لواحد من افضل من عرفته الساقية اخلاقا وسلوكا … سي المبروك الله يرحمو… هو جنوبي كسائر الحمّاصة من اصيلي مدنين ويقدر ما كان اخوه صلفا جدّا معنا بقدر ما كان سي مبروك لطيفا وديعا باسما ..تصوّروا ان كلّ الصيّع انتذاك يقتنون منه سجائرهم “بالكريدي” دون ان يدوّن اسم اي واحد منهم …وكلّه ايمان بأنهم سيرجعون يوما ما عليهم من دين .. وايمانه في محلّه دون شك واشكون يغيّر سي مبروك ؟؟؟

هذه بسيطة .لكن دعوني اقل لكم ما حدث لي معه يوم ان اصبحت من قبيلة الصيّع وادخّن مثلهم ..اوّلا سي مبروك هذا كان يحبّني بشكل مختلف عن الجميع كان يسمّيني “كريّم” بضم الكاف ..هكّة رشقتلو اشكون يسالو … ثمّ كان كلّما يهم بمغادرة حانوته للتسوّق من وسط المدينة يكلّفني انا او لا احد بتعويضه كحمّاص في حانوته . نعم اشتغلت صانع حمّاص عند سي المبروك … .وكنت اقبل بكل حفاوة وطيب خاطر لأجل ذلك الرجل الطيب الجميل ولكنها كانت مني حفاوة انتهازية …. نعم انتهازية ….ذلك لان حانوته وكما اسلفت كان يبعد بضعة امتار عن مدرسة الفتيات الابتدائية والتي فيها انذاك “هسكّة” اي تلميذات مكتملات التكوين جسديا ..وتلك فرصة لي حتى اغازل احداهن ..والمغازلة انذاك وحتى في تلك السن لا تتجاوز ابتسامة ماكرة اعرف مسبقا انّها تؤدّي رسالتها .. ثمّ ماذا بعد ذلك ….؟؟؟؟صدّقوني لا شيء …. لا شيء …

باستثناء واحدة منهن تجرّات ولست ادري كيف بعد ان تفاعلت مع ملاحقتي لها بابتساماتي الماكرة تجرأت على ان ترسل لي عن طريق اخيها الطفل (5 سنوات) رسالة فيها بالضبط حرفيا بحباك …ولست ادري ما دخل الالف الزائدة بعد الباء ؟؟ وفيها ….صورتها .نعم صورتها لم اقل عنها المرحومة ..ليس لاني اعرف شيئا عنها الان بل لانه لو °شلّق ° بها احد اخوتها الذكور وخاصّة والدها الصارم جدّا والذي لم اره يوما مبتسما لكانت في عداد المرحومات وربّما لحقني شويّة الطشّ …..ويوم فاقت بيها عيادة قالت لي بالحرف الواحد، اشنية هالمرعوبة (قطعة الفحم الرديئة) مانيش راضية عليك لو كان تفكّر تاخذها ..ما اعزك وما اهونك تاخذ حطبة كيف هذي …

عيّادة وغيرها ولحدّ يوم الناس هذا لم يعرفوا ان اقدارنا هي التي تسيّر حياتنا وان الجمال له مقاييس اعمق من مرعوبة وبيضاء وشقراء ..ومربوعة قدّ وطويلة وقصيرة وفمها واسع وخشمها طويل وحجرة فمها عالية وعودة على دودة وان افضل ما قيل في العلاقات في العشق في الجمال في اي عمر ..في اي زمان .في اي مكان .. خوذو عيني شوفو بيها … وحتى اكون صادقا معكم، مانيش ماشي نعطيكم عيني تشوفو بيها … ده كلام ؟؟؟

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

جور نار

ورقات يتيم… الورقة 115

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…

عبد الكريم قطاطة

عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟

في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…

مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…

تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…

اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…

إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…

قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…

الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟

موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…

قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

جور نار

لا تخرّبوا سور وسقف الوطن… فنحن غدا من سيدفع الثمن!

نشرت

في

محمد الأطرش:

كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.

تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.

سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.

الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.

هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟

أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…

ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟

يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.

أكمل القراءة

صن نار