تابعنا على

جور نار

ورقات يتيم … الورقة 49

نشرت

في

عبد الكريم قطاطة:

في حياة الواحد منّا ما يُسمّى باللحظة الفارقة ..وقتها لن يرحمك الزمن ولن يمكّنك من بونيس الانتظار… وقتها يجب ان تكون ..

عبد الكريم قطاطة

كان جميع الزملاء التونسين متحلّقين حولي بعضهم برغبة جامحة في معرفة قراري وبعضهم بشفقة على هبلة من هبلاتي… اذ كيف لواحد مثلي يفرّط في مرتب شهري يتقاضاه من مؤسسته على امتداد سنتين ويُوضع مباشرة في دفتر ادّخاره البنكي دون المساس منه ولو بـ”دانقي” واحد، من جهة …ثم هو ايضا يتمتّع بمنحة جامعية من المعهد 130 د شهريا، علاوة على ما تجود به بعض الاعمال الاضافية كمركّب افلام في شركة خاصّة … و”الجود” الاضافي هذا مرموق جدا… من هذه الزاوية ترك كل هذه المغريات المادية تدخل حتما في خانة سوء التقدير للاقدار التي حبتني بهذه الفرص ..وهذا منطقي ومعقول ومهبول من يعمل ضد هذا التيار ..

لكن يا جماعة يا جماعة*…

… في تلك اللحظة الفارقة التي سآخذ فيها قراري حول مواصلة دراستي او اجراء المناظرة والعودة الى بلدي صفر اليدين من المنح والمرتب والعلاوات الخاصة، ارتسمت على شاشة فكري لوحتان اولاهما تعليق كتبته يوما على احدى صوري وانا ادرس بمركز تكوين الاطارات التابع للتلفزة التونسية: (لابد ان اصل يوما الى هيمالايا)… وارتأيت يوم اتمام الدراسة والولوج الى دنيا المهنة اني مازلت في حدود الشعانبي**…

..اللوحة الثانية والتي تابعتني طيلة حياتي، وعدي لعيادة بان اكون لها “راجل وسيدي الرجال” وانا ااهديها كل براهين الدنيا على انّ ولدها لن يخيّب آمالها فيه …انتفضت من مكاني بين زملائي دون الاعلان عن اي قرار وتوجّهت مباشرة وتوّا ..توّا..الى مكتب مدير المعهد ..اندهش من مجيئي وبادرني بالقول ..اهلا ..يبدو انك اخذت قرارك ..انا امهلتك اسبوعا فاذا بك تاتيني بعد نصف ساعة …قلت له نعم . لا فائدة في تأخير قرارا اليوم الى الغد… ساُنهي علاقتي بالدراسة في المستوى الثاني وانا مستعد لاجراء مناظرة المستوى الثالث والعودة الى بلدي في انتظارالنتيجة … صمت قليلا وقال: “انا فخور بقرارك ..لانه قرار شجاع ..الاسبوع المقبل سامكّنك من اجراء المناظرة وفي نهايته ستعود الى بلدك ..انه قانون اللعبة يا ابني” …

في الحقيقة انا ايضا كنت سعيدا جدا وفخورا بالقرار ..لم اكن يوما مثاليا في مثل هذه المواقف ولكن كنت دوما اعطي للجانب المادّي في حياتي الدرجة العاشرة من اهتماماتي …ولهذا يقول عنّي العديد ممّن يعرفونني وهم محقّون في ذلك (هاكة علاش قعدت طول عمرك منتّف)… في قراري كان كلّ همّي مزيد العلم والمعرفة حتى أقترب من هيمالايا … قلت اقترب ولم اقل اصل لأن الوصول الى هيمالايا فقط والاكتفاء بها كآخر محطّة من الطموح، هو يعني عندي الموت … حياة الانسان بالنسبة لي قطار لا يعرف التوقف الا عندما يشاء الله ذلك ..لذلك وبعد سنوات من العمر ضحكت من نفسي وانا اعتبر هيمالايا هي المحطة الاخيرة والهدف الاقصى ..بعد سنوات من عمري اصبحت اؤمن بان هيمالايا لا تساوي شيئا امام حدود السماء… نعم يجب ان نرسم يوما ما هدفا في الطموح نسمّيه حدود السماء والتي ننظر من موقعها الى كل العالم ليبدو لنا هيمالايا نقطة صغيرة جدا… ولنكتشف ان الحلم لم يكن كبيرا وهائلا كما رسمناه… وحتى عندما نحقق الوصول الى حدود السماء، علينا ان نتجاوز ذلك الى ما بعد حدود السماء …

الحياة بحلوها ومرّها علمتني ان لا حدود للطموح، تجسيدا لـ”لو تعلقت همة المرء بما وراء العرش لناله”… لكن المأساة في العديدين منّا انهم يطمحون ويعملون ويسعون الى العرش القذر ..سواء بافتكاك مكان الرب ليفتوا ويستفتوا ويمنحوا صكوك الجنة للغلابة البسطاء ..دون ان يفهموا انهم بفعلهم ذلك يشركون بالله الواحد الاحد ..اذ انه لا يزكّي الا الله …او اولئك الذين يسعون الى عرش الحكم اما سياسيا او ماديا… رغم انّ العلاقة بينهما قائمة على اقتسام عرش السلطة بما معناه (غمّض عينيك عليّ نغمّض عينيّ عليك… ناقف معاك وانت اوقف معايا … وتعرّي عليّ الستر نعرّي عليك الستر)… هل فهمتم ان المصالحة التي يُحكى عنها كذبة؟؟ هي فقط للاستهلاك ..هي فقط حربوشة . احيانا لتلهية عن امر ما وقع او سيقع …واحيانا للابتزاز السياسي كلما قرُب موعد انتخابي …اقول هذا لماذا ..؟؟.لان المصالحة وقعت من زمااااااااااااااااااااااان بين شياطين المال وشياطين السياسة وهذا هو المعنى الحقيقي للتوافق …

يوم اتخاذ قراري لم تكن المعادلة صعبة الحل عندي .. في الكفّة الاولى كان هناك الجانب المادي المهم جدا كمّا ..ثم كان هناك ايضا امكانية الفشل في مناظرة المستوى الثالث وهو امر وارد ..وفي الكفّة الثانية كان هناك وجه عيادة يوم توديعي بمطار تونس قرطاج بتجاعيده الرقيقة وبعينين كم هما الجمال والرهبة ..كم هما الخوف من مجهول مّا لولدها في بلاد الغربة والخوف من بنت الرومية ..وكم هما التوق الذي لا حدود له حتى يعود اليها ولدها سيد الرجال كما وعدها ..وهل هنالك كفّة اخرى تستطيع ان تغلب هذه الكفة؟ ..عندما انتفضت واسرعت لمقابلة مدير المعهد لاعلمه بقراري الذي لا رجعة فيه ما كان وقتها بشر في الدنيا قادر على اثنائي في قراري ..والله لو وضعوا الشمس والقمر وكل الكواكب في يدي لما عدلت عن قراري …وهكذا كنت طيلة حياتي ومازلت لن يردعني اي كان في اتخاذ قراراتي ..قد اخطئ واعتذر ولكن ابدا ان اندم ..لأني اتعلم ايضا من اخطائي ..وحده الذي لا يقرّر هو الذي لا يخطئ …

عدت الى زملائي لاعلمهم ايضا… نظروا اليّ دون اي بوح ..قرات في اعين بعضهم “ملاّ طلعة … يسلّم في النعيم ويمشي للجحيم”…وفي اعين بعضهم “هاكا ماهو يحب روحو موش كيف لخرين …توة يندم ويرجع ياكل في صوابعو” … هذه الفئة لم تفهم يوما انك عندما ترضى بان تكون كالآخرين فمعنى ذلك ان تكون دجاج حاكم… فمتى ينتفض الواحد منّا على ذاته كي يخلع عنه ريش دجاج الحاكم ويكون مختلفا لا متخلّفا ؟؟؟ .. صنف آخر في تعامله مع قراري .. اللامبلاة …اي “يدبّر راسو يخخي هو صغيّر اش دخّلني في امورو؟”…كنت وقتها اقول لهم بنظراتي فقط ..عندكم حق اللي ما يدريها يقول سبول …

في نهاية الاسبوع دُعيت لاجراء المناظرة وبشكل استثنائي ..هكذا قررت الادارة ..مناظرة استعجالية ثم عودة سريعة بعدها الى تونس … نوع من انواع الترحيل … ولانني قبلت بقوانين اللعبة اجريت المناظرة وبدأت الاستعداد بعد يومين منها للرحيل ..كان عليّ ان اتصل يوم الاثنين صباحا لارتّب اموري مع المركز الفرنسي للطلبة الافريقين و المكلف بكل شؤون وجودنا على التراب الفرنسي …كان عليّ ان اسلّم بطاقة اقامتي وان يمكّنوني من تذكرة طائرة العودة لتونس …

كانت الساعة تشير الى التاسعة صباحا عندما وصلت ..وكالعادة وبكل بشاشة الموظّفين الواعين بدورهم استقبلتني احداهن ..اعلمتها بموضوعي… تسلمت منّي بطاقة الاقامة ورجتني ان انتظر قليلا لترتيب اموري ….وانتظرت .. وطال انتظاري ..وقتها همهمت (اشنوة حتى في فرانسا يخلليونا نستناو ساعة زادة؟)… وفعلا انتظرت ساعة كاملة ..حتى تخرج اليّ الموظّفة بابتسامة صادقة وتقول ..اعرف جيّدا اني اثقلت عليك بالانتظار ولكن كل ما ارجوه ان تعذرني عندما تكتشف اسباب ذلك …دعتني الى داخل مكتبها ودعتني للجلوس قبالتها …اخذت مكانها على كرسيها الفاخر وبدات:

السيد عبدالكريم كنت ابحث مع المسؤولين في معهدك عن سبب رحيلك الى تونس وانت لم تُكمل” دراستك ..وابلغوني بكل ما حدث لك …وانا بقدر ما انا متفهمة لموقفك بل واقدّره بقدر ما عليّ اعلامك بالاتي: صلاحياتنا في هذا المركز لا تمكنك من التمتع بتذكرة العودة …لانك بالنسبة لنا انت طالب انقطع عن دراسته وعليه ان يتحمّل مسؤولياته ..نحن نمكّن الطلبة فقط عند اتمام دراستهم من تذكرة العودة ..وفي هذه الحالة انت لست منهم … الا انني وباجتهاد شخصي تحادثت مع نظرائي في المركز وفي المعهد في نفس الوقت… وحاولت ان اجد لك مخرجا من هذه الورطة ..وانت تستحق منّا جميعا هذا الاجتهاد …وعرفت بوسائلي وارجوك عدم توريطي وانا كلّي ثقة فيك، انك نجحت في مناظرة المستوى الثالث .. لذلك اعتبرنا في المركز انك أنهيت المستوى الثاني ومن حقك ان تتمتع بتذكرة طائرة لعودتك ..اهنئك وارجو ان يبقى امر نجاحك في صدرك لان النتائج ستعلن رسميا بعد ثلاثة اشهر من الان… وعودة ميمونة الى بلدك الجميل تونس …ونراك قريبا بيننا” …

ياااااااااااه يادي النعيم اللي انت فيه يا قلبي ….كيف يمكن لي ان اصف من انا ؟؟ اين انا..؟؟

اوووووووووووووووووف كم هي مستبدة وظالمة تلك اللغة التي تتمنّع دلالا وغنجا لتقسو عليك فلا تمنحنا ابجدية جديدة لنصف بها من نحن اين نحن … نعم في بعض حالاتنا فرحا او الما نحتاج الى ابجدية جديدة ..تصبح فيها جميع لغات العالم عاقرا او هي ان اعطتك البعض من احرفها فهي تافهة وسقيمة …نجاح في المناظرة خطوة اخرى نحو هيمالايا …عودة الى تونسي الحبيبة و الى …عيادة الاحب ….يا دي النعيم اللي انت فيه يا قلبي …

ـ يتبع ـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش:

*انا سبقت ذلك الاعلامي السوري في اتجاهه المعاكس والذي هو في الحقيقة “معاكس” باتم معنى الكلمة… لانه اتجاه مسبوق الدفع من مؤجّريه حتى يخدم اجندتهم كما يريدون… وما هو في الحقيقة الا بيدق رخيص لا ذمة له ولا موقف ولا ضمير رغم كل ما يبذله من تمثيل … وهو يجيد ذلك ليظهر بمظهر الاعلامي الفذ الذي يبحث عن الحقيقة كل الحقيقة دون تحيّز ..الا ان حقيقة ذلك الفيصل اكدت للعاقل منّا انه لم يكن يوما لا فيصلا يفصل بين الحق والباطل… ولا قاسما يقسم حرفته الاعلامية بعدل على ضيوفه…

**يوم كان الشعانبي شعانبي وقبل ان يتحول الى زريبة ذئاب تقوم بانشطة رياضية لازالة الكوليستيرول..، حسب رواية بعضهم وربي يفتقهم من بعضهم على بعضهم..، واذا بها تزرع كل الاورام في جسد تونس او هكذا توهموا ..ولم يعرفوا يوما ان تونس عصيّة عليهم وعلى جنرالاتهم الذين لهم خارطة طريق واضحة انتقاميّة ومخرّبة، عملت ومازالت تعمل في الخفاء .. قطّع الله اوصالهم!

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار