وها انا بصفاقس في اكتوبر 79 …. كمّ الفرح الجماعي في عائلتي في حومتي لدى خطيبتي وعائلتها وخاصة امّها التي لم تكن تنتظر قدرا ابنتها الوحيدة تتزوّج يوما وتبتعد عنها لتستقرّ بعيدا عن صفاقس …
كانت تفضّل في قرارة نفسها ان يفوز بوحيدتها ابن اخيها الذي كان، واعتقد انّه مازال، يحبّها بشكل مهووس .. الله غالب، ليس كلّ من يحب ينال ما ومن يحبّ ورُبّ ضارة نافعة… لأن هذا الحرمان هو الذي اعطى وجعا جميلا للقلم عبر تاريخ القصة والرواية التي كُتبت والتي لم تُكتب في العشق والحب …فماذا عن معظم المبدعين في القصة والرواية والمسرحية والشعر والموسيقى لولا وجع العشق المجنون ؟؟؟؟ (توة عاد ولّى الممنوع والاسود ونستناو السيكلاما والفاروزي زادة) …هل كنّا نستمتع يوما وابن بني عبس يهيم حول ديار عبلة وينشد (يا دار عبلة بالجواء تكلمي)؟… ماذا عن شمشون ودليلة ..؟؟ ماذا عن ابي فراس واراك عصيّ الدمع ..ماذا عن احمد رامي و(ياما حليتلك اهاتي انت والايام عليّ) …ماذا عن (حتى في احضان الحبايب شوك يا قلبي)؟ …
وبجاه ربّي ما تقولوليش انت موش مريڨل وانا موش مريڨلة … ماذا عن القباني وهو يغمس ريشة قلبه في اوجاع الحب… ماذا عن بنت المستغانمي في ذاكرتها او فوضاها او في الاسود الذي لم يلق ببطلتها رغم انّ مجرّد عبارة (الاسود يليق بك) اوقعتها في شراك العشق الموجع …ماذا عن عاشقي التيتانيك لولا تلك النهاية الفاجعة… ماذا عن “ذهب مع الريح” (ذلك الفيلم الاسطوري الرهيب) لولا انّ الحبّ فيه ذهب مع الريح ..ماذا عن ميشال بيكولي ورومي شنايدر في فيلم (آخر اشياء في الحياة) والذي ينتهي بحادث مُميت لحظات قبل انتصار الحبّ … لكأن الحب في جُلّه يُولد توأما مع الالم .. بل ولكأن الحب في جلّه لا طعم له دون ألم … وهو ما اُُطلق عليه كثيرا توصيفة ثنائية العذوبة والعذاب …
في اليوم الاوّل الذي ولجت فيه باب الاذاعة وانا احمل معي مشروع اوّل نواة تلفزية للانتاج، كنت لا اعرف عميقا الا مجموعة اقلّ عددا من اصابع اليد الواحدة …المدير انذاك المرحوم قاسم المسدّي والزميل الهادي المزغنّي (ومعرفتي بهما من خلال فترة عملي بالمؤسسة الام حيث كان يشتغلان هما ايضا بالمركزية ثم انتقلا لاذاعة صفاقس) ..وايضا مختار اللواتي الذي كان زميل دراستي الثانوية بالحيّ (معهد 15 نوفمبر حاليا)… البقية اعرف منهم سماعا اذاعيا لا غير وحتى السماع كان عرضيا ايضا … المرجوم قاسم المسدّي كان سعيدا بدخولي لاذاعة صفاقس وهذا طبيعي جدا ..ليس فقط لان كلينا يعرف الآخر جيدا… بل لأن ولادة مشروع النواة التفزية في عهده كمسؤول اوّل عن اذاعة صفاقس سينضاف لتاريخه المهني … وللامانة ..الجلسة معه لم تطل كثيرا فقد خصًني بثقة عمياء وقال لي بالحرف الواحد: اعرفك قادرا على تحقيق كل ما نصبو اليه معا ..اخدم على روحك ومن جهتي ساوفّر لك كلّ الامكانيات …
ولو تدرون ماهي الامكانيات المُتحدّث عنها ..كاميرا فيلم من تونس جلبها معه واحد من افضل المصورين التلفزيين في المؤسسة وهو ابن حومتي وابن دفعتي واطيب خلق الله (الهادي ملّاك) و”ناغرا” آلة تسجيل الصوت كُلّف بها واحد من امهر تقنيي الصوت في صفاقس الزميل الهادي العكروت .. وطاولة مونتاج فيلم وهي طاولتي التي عملت عليها دائما في قسم المونتاج ..طبعا وسيارة ادارية متى احتجنا للتصوير ..وفقط … شفتو الامكانيات الهائلة …؟؟؟… كنت واعيا جدا بضحالة تلك الامكانيات ولكن اصراري على نحت العمل باظافري كان ايضا كبيرا …
ارتايت في اوّل حلقة من الانتاج بعد ان وقع الاتفاق على ان تكون شهرية (وهذا يعني عمل يومي لا يقل عن 12 ساعة حتىّ نفي بوعدنا الشهري) ..ارتأيت ان اجلس لبعض المثقفين المنتمين لاذاعة صفاقس لاستقراء اوّلي لافكارهم والتي يجب ان تخرج من التصوّر السمعي البحت الى السمعي بصري …واخترت من ضمنهم الزميل محمد الحبيب السلامي ليُعدّ لي تصوّرا نقديا لسلوكياتنا وهو المعروف بذلك الاسلوب …ثم تحادثت مع الزميل عبد الله الوافي حتى يُعدّ لي عملا تمثيليا قصيرا بالاشتراك مع الزميل منصف الوكيل ..في الجانب الغنائي ارتايت ان اصور اغنية من اغاني اذاعة صفاقس تحمل عنوان (يا نسمة جاري) وهي تعدد مزايا الجار .. لكن من جانبي اردتها سخرية سوداء حول سلوكيات بعضنا البعض في الجيرة …
في الحلقة الاولى من انتاج النواة كذلك لم احصر الانتاج في مدينة صفاقس… كنت افكّر في برمجة موضوع واحد على الاقلّ من احدى ولايات الجنوب …لذلك وقع اختياري على الطريقة التقليدية في عصر الزيتون بمطماطة حيث الحمار يدور ليلا نهارا يجرّ (الرحى وسط المدار)… ولمن لا يعرف الرحى هي عجلة حجرية تزن اطنانا… ولمن لا يعرف المدار هو حوض يوضع فيه الزيتون وتنهال عليه الرحى وهي تدور وقائد رحلتها حمارنا المسكين المُعذّب باشغال شاقة لمدة ساعات، وهو يدور حول الحوض في علاقة غرامية مدمّرة مع الرحى …. قمت باعداد المخطط التقني لتصوير هذه المواد حسب دليل برنامج واضح ودقيق المعالم من حيث الشكل والمحتوى، وكانت رحلة مطماطة آخر محطة في دليل العمل ذلك الاسبوع ..
قبل السفر بيوم جاءني احدهم بكل لطف الدنيا ورجاني ان يكون في الرحلة رغم انه لا ينتمي لفريق التصوير او الاعداد …اجبته دون ايّ تردّد وهل مثلك من يُردّ له طلب …دعوني اعود في فلاش باك اسبوعين الى الوراء منذ انتمائي لاذاعة صفاقس رسميا بمشروع نواة الانتاج التفزي … ثاني مكتب دخلت له في اوّل يوم لوجودي بصفاقس بعد مكتب المدير، كان مكتب الزميل الهادي المزغني … علاوة على انه زميل لي في مؤسسة التلفزة كمنتج ومنسق برامج، فقد كان اوّل من شجّعني … وقتها كنت قمت بمونتاج فيلم قصير حول حديقة الحيوانات بالبلفيدير على طريقتي ..دعوته للمشاهدة فاعجبه وبرمجه في برنامجه الاسبوعي التلفزي (من هنا وهناك)… اذن واعترافا بالجميل في زمن كنّا نعترف فيه بالجميل، كان ثاني مكتب ادخله هو مكتبه ..فتحت الباب وفوجيء بي اُطلّ عليه من نصف فتحته ..اهلا اش تعمل هوني يا طفل ..؟؟؟ ضحكت وسلّمت عليه ثم سلّمت على سيّدة كانت جالسة في مكتبه قائلا: اهلا ابتسام ..؟؟ وبابتسامتها المعهودة الملفوفة بشيء من التعجّب والسعادة ..قالت مرحبا ..تعرفني ..؟؟ اجبت اعرفك منذ كنت تلميذة تكتبين القصص والشعر وتقرئينها علينا نحن عشّاقك كتلاميذ مراهقين نتلهّف لا فقط اسماعك بل لرؤيتك …
ازاددت تعجبا وايضا سعادة وهي تسمع كلمة وقحة من نوع (عشّاقك)… ابتسام في آخر مراحل دراستنا الثانوية كانت شعلة من النشاط والحيوية وكنا اذا تناهى الى مسامعنا انه سيكون لها نشاط بالاتحاد الثقافي بصفاقس (مندوبية الثقافة الان) نتسارع صدقا للحضور ..كيف لا وفتاة من معهد الفتيات بباب البحر هي نوارة تلك العشوية …وهي فعلا انذاك كانت محط انظار المعجبين من تلاميذ الاقسام النهائية كلّ يطمع في ابتسامة من ابتسام ..بل ويلهث من اجل ذلك ..انا صدقا لم اتجرّأ يوما على ان اكون من ذلك الفيلق فحتّى ثيابي التي على قدّها (اشي ترقيع واشي تكميش واشي ازرق على اسود) لم تكن لتضعني في مرتبة القافزين والطامعين … يومها كان اوّل حوار مع زميلتي ابتسام المكوّر انذاك … و”الغطاسي” ايام التعليم الثانوي…
ولأن ذاكرتي البصرية على درجة قصوى من الحدّة تذكرتها وهي بمكتب الزميل الهادي المزغني ودون عناء ..وكان ردّ فعلها ايجابيا للغاية بعد ان قدّمني لها الزميل المزغنّي الى درجة انّها عرضت عليّ استضافتي في برنامجها (العاب وانغام مع ابتسام) في حلقته المقبلة …حذّرها سي الهادي بقوله اخطاك راهو “وحيّد” … فكان ان ردّت عليه: وانا اخترتو على خاطرو يظهر وحيّد … ابتسام و لي معها الف حكاية وحكاية في الاوراق القادمة كانت اوّل زميلة عرفتها وافضلهنّ …
قبل الخروج من مكتب سي الهادي سالته عن قريبة مازالت في خطواتها الاولى بالاذاعة… انّها زكيّة بن عياد وهي زوجة ابن خالي والذي بدوره يشتغل تقنيّ صوت ومنذ اليوم الاول من افتتاح الاذاعة قادما من الاذاعة الامّ … زكية وهذا يعرفه الجميع احبّها عشرات المرات اكثر من ابن خالي رحمه الله… هي الطيبة… دماثة الاخلاق… الروح المرحة… وخاصة بنت باب الله… ماذا تريدون عنها اكثر من هذا ؟؟… سالت عن مكتبها فعرفت انها تعمل بمكتب المنتجة الزميلة السيدة القايد… طرقت الباب فجاءني صوتها: (تفضّل) ..فتحت الباب فاذا بها كعادتها …ضحكة السعادة والفرح الغامر من اعماق الحُشاشة …ولكنّها فوجئت ببرودتي وانا انظر الى ذلك الكائن البشري المنغمس في كراسته والتائه في ملكوت الله… ولأنها زكيّة، انهالت عليّ كعادتها وباسلوبها الذي لا زيف فيه متوعدة ثائرة: “تي اشبيك يا عزاء متلّه يعطيك بلحاط (هذه دعوتها التي اصبحنا نتبادلها كلما غبنا عن بعضنا البعض، من جانبي او من جانبها) ..يعطيك بلحاط قداش توحشتك” …ولأنها تضرب في الاعماق بجمالها الفريد وبعمق صدقها لم ابحث يوما عن معنى (بلحاط) … قبلت بها كما هي لأن هناك تفسيرات لبعض الكلمات او التعابير تفسد رونقها …
افقت بعجالة من غيبوبتي وقلت لها هامسا: يا سخطة تي هذا موش ..؟؟؟ لم اكمل تساؤلي حتى قالت: ايه هاكة هو ..؟؟ نظرت اليه… النافع ربّي، ما عبرنيش اصلا، ما فاقش بيّ اللي انا دخلت… مددت له يدي وسلّمت عليه (عالسلامة سي محمد)… ردّ عليّ السلام بنغمة جدّ حنونة: يسلمّك ولدي… وعاد الى عالمه (كراسة وستيلو بيك)… ارادت زكية استدراجه للكلام فقالت له: تي هاكة ولد عمّة عبدالقادر (تعني زوجها)… لم يرفع راسه ولكنه همهم بصوت مسموع: نتشرفو، اما موش بهاكة الراجل المهباط اللي عندك… اقتربت منه وقالت: يا سي محمد الشيء بعيد على بعضو… هاذا قماش آخر وهابط من فرانسا… ولم تُكمل جملتها حتى نهض سي محمد من كرسيه ومدّ يده بحرارة لي وقال: مادام جاي من فرانسا الشيء يولّي شيء آخر …ايّا ايجا نشرّبك قهوة …كنت في قمّة السعادة ..رجل اسمع عنه الكثير، اقرأ عنه القليل في تونس (كيف العادة يحبّونا برشة) ولكن الاهمّ انّي احسّ به وبجماله…
انه الجمّوسي وما ادراك…
خلتني يومها طائرا يحلّق وهو في طريقه الى مقهى الاذاعة باب البحر انذاك، مع علم من اعلام تونس شعرا فنا ادبا وانسانا … كانت قهوة واحدة لتجعل منّا متلازمين كلّما سمحت لي اوقاتي المهنية بذلك… كنّا نشترك في حبّنا المهبول لفرنسا… وفرنسا ان لم تعلّمك اشياء تعلّمك فن الحبّ المهبول وماهي بعض التربّصات القليلة في ذلك الميدان حتى تصبح لديك قناعة بان العشق مهبول او لا يكون… تصوروا بالله معي: يأتي الواحد منّا ليُعبّر عن عشقه لشخص ما، لقصيدة ما، لشاعر ما، لاغنية ما، ويقول بكل برودة اعصاب: باهية يعطيه الصحّة مولاها …توة هذا عشق ..؟؟ انا اجزم انّ التعبير عن عشقك لأي شيء لأي شخص لأي شاعر لأي موسيقي ..لأي ..لأي ..لأي …عليه ان يكون من نوع (يلعن جد والدين بوك العاشر محلاك) وهذه في قاموسي لا تدخل ضمن خانة السبّ ولا تحت طائلة القانون ..وحتى ان دخلت يوما تحت طائلة القانون وحكم عليّ القاضي بالجزاء الذي يراه مناسبا لقوانيننا المعلّبة فاني ساقول له شكرا سيدي القاضي لانك اثبتّ ان الحمار يستحيل ان يلد انسانا ولكن بمقدور الانسان ان يلد حمارا مثلك ..
براف …تتذكّرون ذلك السيّد الذي رجاني بكل لطف ان يرافقني الى مطماطة في رحلتي المهنية لتصوير اسلوب عصر الزيتون التقليدي …؟؟؟ انه هو ..الفنان الانسان محمد الجموسي … وكان لنا ذلك، بعد اعلام المدير طبعا …كانت رحلة لا تُنسى لاّنه يومها اكتشفت جانبا آخر لا اعرفه في الجموسي: النكت “الخضراء” كما يقال عنها اي تلك التي (زايدة حبتين) وليتها كانت ثلاث في الجرأة وفي المسكوت عنه…ت صوّروا فقط ان سائق السيارة الاذاعية زميلي حبيب بيوض اطال الله عمره اوقف السيارة بجانب الطريق لانه اصبح عاجزا عن السياقة من فرط الضحك… صدقا والله هذا ما حدث…
اتممت عمليات التصوير… ارسلت الاشرطة الى المخبر المركزي بتونس العاصمة… قمت بعملية المونتاج وبمعدل 10 ساعات يوميا وشددت الرحال لتونس العاصمة لعملية الميكساج، ثم لعرض العمل على المسؤولين عن المتابعة… كان الموقف الجماعي يمكن تلخيصه في: برافو عبدالكريم …عدت الى صفاقس وانتظرنا ساعة بثّه في اليوم المقرّر لذلك… واسمع يللي ما تسمعش… البعض ينتظر بشوق وتوق ..آخرون وهم موجودون في كل زمان وكان: ايا توة نشوفو هاللي يقولولو سي عبدالكريم اش ماشي يعمل …وصنف حاقد خُلق ليكون حاقدا وبشكل مجاني…
اقول هذا لانّ الحكاية (حكاية وجودي الفعلي في اذاعة صفاقس من طقطق لسلامو عليكو) اخذت زمنيا شهرا واحدا فقط… وحتى اختلاطي بزملائي لم يكن كافيا بتاتا حتى لنتعرّف على بعضنا البعض كما ينبغي …فقط مع تقدّم العمر وبعد العديد من الهزّات، ايقنت انّ جينات قابيل ستوجد في البشر حتّى البعث … …
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.
في الفترة ما بين 2004 و 2010 لم تكن الاحداث التي عشتها كمّيا كثيرة وها انا امرّ على ابرزها لاخلص بعدها لقهرة الربيع العبري…
عودة لسنة 2004… في اواسط تلك السنة بدأت رحلة تعاقدي مع جامعة صفاقس كخبير مدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا… صاحب المقترح هو مدير معهد الملتيميديا انذاك الزميل والصديق “عبدالحميد بن حمادو” الذي أعرفه منذ درسنا معا في تعليمنا الثانوي بمعهد الحيّ… سي عبدالمجيد فكّر في انشاء مادّة للعلوم السمعية البصرية ببرامج بعض شعب المعهد…تحادث في الموضوع مع زميلي الكاميرامان انذك مفيد الزواغي فأشار عليه بالاتصال بي وكان ذلك… وانطلقت مسيرتي كمدرّس لهذه المادة لمدة عشر سنوات بعد ان طلبت ترخيصا في الامر من رئاسة مؤسسة الاذاعة والتلفزة وتحصلت عليه، شرط ان لا يؤثّر ذلك على واجباتي المهنية… ومنين يا حسرة ؟
في وحدة الانتاج التلفزي كنا نعيش البطالة الدائمة ونتقاضى على ذلك رواتبنا ومنح الانتاج ايضا… وكان كلّما عُيّن مسؤول جهوي أو وطني جديد، قام بزيارة اذاعة صفاقس للتعرّف على احوالها وطبيعيّ جدا ان يزوروا وحدة الانتاج التلفزي… وكنت مطالبا كرئيس مصلحة الانتاج ان استقبلهم وان اقدّم لهم بسطة عن الوحدة وعن انتاجها… وكنت دائما اردّد نفس الاسطوانة التي كم اقلقت المديرين الذين تعاقبوا على رأس اذاعة صفاقس… كنت اقول لضيوفنا الاعزاء (اعني المسهولين): وحدة الانتاج التلفزي فيها كلّ شيء الا الانتاج، وبقية التفاصيل تأتيكم من مديري!…
مقابل ذلك كانت علاقاتي مع منظوريّ في مصلحة الانتاج التلفزي على غاية من الودّ والاحترام … بل ذهب بي الامر الى إعلامهم انه بامكان ايّ منهم ان يتغيّب لكن عليه يكتب لي مطلبا مُسبقا لرخصة غياب دون ذكر التاريخ، احتفظ به عندي حتى يكون وثيقة استظهر بها اداريّا كلّما اقتضى الامر وذلك لحمايتهم وحماية نفسي… وفلسفتي في ذلك تتمثّل في الآتي: مالفائدة في حضور موظفين لا شغل لهم ؟ خاصة انّ بعضهم يقطن عشرات الكيلومترات بعيدا عن صفاقس المدينة… ثمّ اليس واردا للموظّف الذي لا شغل له أن يصبح شغله الشاغل احداث المشاكل مع زملائه ؟ اذن مخزن مغلوق ولا كرية مشومة… لكن في المقابل واذا اقتضت مصلحة الوحدة ان يعملوا 16 و 18 ساعة ما يقولوش (احّيت)…
تلك العلاقة التي وضعت اسسها بيننا كرئيس ومرؤوسين رأيت عمقها يوم مغادرة الوحدة للتقاعد… يومها أحاط بي زملائي ورفضوا رفضا قاطعا ان اكون انا من يحمل بنفسه وثائقه وكلّ ماهو ملكه الخاص الى منزله… وحملوها عني جميعا وبكلّ سعادة مخضّبة بدموع العشرة… والله يشهد اني وطيلة حياتي كمسؤول سواء اذاعيا او تلفزيا لم اقم يوما باستجواب كتابي لايّ كان… ولم اخصم لايّ كان من اعدادهم في منحة الانتاج وفي الاعداد المهنيّة…
اذن وعودة الى علاقتي بجامعة صفاقس كمدرّس للعلوم السمعية البصرية بمعهد الملتيميديا ثم بعده بسنتين بمدرسة الفنون والحرف، حاولت ان اعطي دون كلل لطلبتي… كنت قاسيا معهم نعم… ولكن كان ذلك بحبّ لا يوصف… وبادلوني نفس الحب ان لم تكن دوزته اكبر … كنت الاستاذ والاب والاخ والصديق و كنت ايضا صدرا اتّسع حتى لاسرارهم الخاصة… رغم اني كنت ايضا بوليسا في امور الانضباط وتقديس العلم… وطلبتي الذين هم في جلّهم اصبحوا اصدقاء بفضل الفيسبوك شاهدون عليّ… ولعلّ من الاوسمة التي افتخر بها ما حصل في نهاية السنة الجامعية سنة 2012…
إذ ككلّ نهاية سنة جامعية يقع توزيع شهائد وجوائز للطلبة المتفوقين في جميع السنوات… وفي اخر القائمة سمعت من منشط الحفل يذقول: (الان الجائزة الاخيرة في هذا الحفل وادعو الاستاذ عبدالكريم قطاطة لتسلّمها)… فوجئت حقا بالاعلان… وكانت لوحة رُسمت عليها زيتونة وكُتب فيها (شهادة تكريم للاستاذ عبدالكريم قطاطة نظرا إلى عطائه الغزير لطلبة المعهد)… واعذروني على اعادة جملة تُريحني كلما ذكرتها وهي… “وبعد يجي واحد مقربع ويقلك شكونو هو عبدالكريم اش يحسايب روحو ؟؟” … بل تصوروا انّ زميلة من اذاعة صفاقس بعد حادثة ذلك الفيديو المنحوس حول من هم اعلام العار في نظري سنة 2012 (رغم انّي صححت فيما بعد ماجاء فيه ووضحت انّي لم اعمم وختمت بالاعتذار .. لكن وقت البعض يبدا يستناك في الدورة مهما وضحت وكتبت واعتذرت يكون موقفه”قاتلك قاتلك”)… تلك الزميلة ذهبت الى ادارة مدرسة الفنون الجميلة وطلبت منها فسخ عقدي معهم لاني لا اشرّفهم… وضحكوا منها وقالوا لها فيما قالوا: هاكة موش فقط استاذ الطلبة، سي عبدالكريم استاذنا وشرف لنا ان نكون تلاميذه… ورجعت المسكينة الى منزلها خائبة مذهولة مهمومة وغبينتها غبينة، المغبونة… وانا مسامحها…
قضيت 10 سنوات بمعهديْ الملتيميديا ومدرسة الفنون الجميلة وحتما ساعود الى اشياء عديدة حدثت فيها خاصة بعد قهرة جانفي 2011…
الحدث الاخير سنة 2004 كان دون جدال كُرويّا… تتذكّرو نوفمبر 2004 ..؟؟ وبالتحديد يوم 20 منه ؟؟ تتذكّروا هاكي التشكليطة السافيّة ؟ تتذكّرو زوبا وهو يمشكي في ملاعبية المكشّخة واحد بعد واحد ؟ تتذكّروا كيفاش علّق تيزييه في سقف الملعب ؟؟ انّه نهائي الكأس الشهير… وانه يوم سقوط امبراطورية فرعون الكرة ولد شيبيوب… وانا نعرف انو بعض المكشخّين ماشين عاد يسرسطو ماجاء من سور في كتابهم .. عن بطولاتهم .. عن القابهم وتونس بكلّها تعرف عن محصولهم في الشمبيونزليغ وطبعا ماشين يذكروني بهدف بوتريكة ويختمو بـ (ما تكلموناش احنا ماشين لكاس العالم في امريكا).. لاصدقائي المكشّخين الباهين فيهم وهم قلّة لانّ اغلبهم لا يورّيك ولا يفاجيك .. فقط لاصدقائي نحب نسألكم سؤال وحيد ..توة هدف زبير السافي في هاكي الفينال موش سميّح موش شيء يعمل 5555 كيف؟
موش تقول الواحد صيفا يبدا في يدو مشموم ياسمين وطاولة معبّية بالبطيخ والدلاع والهندي وما ننساوش الفقوس .. وهي تصير كورة من غير فقوس ؟…ويعاود يتفرّج عليه ويعشق العزف متاع زوبا ورقصتو كيف انتوني كوين في زوربا اليوناني ؟ وفي الشتاء يبدا قاعد تحت كوسالة وكاس تاي منعنع ويعاود يتفرّج على زوبا وهو يعزف اشي الحبّ كلّو واشي انت عمري .. واشي انساك ده كلام ويختمها ب ميا موري … نعرف اصدقائي المكشخين الباهيين يعرفوني بليد وماسط وخايب وقت نحكي على مكشختهم ..اما يدبّرو روسهم قلتلهم حبّوني؟… واذا حبوك ارتاح والله… دعوني الان اسرّ لكم بما لا يعرفه اغلب محبّي الفريقين حول ذلك النهائي… واصدقائي ومهما كانت الوان فرقهم يعرفون جيّدا انّي صادق في ما اقول والله شاهد على صدقي…
قبل خوض النهائي كان لنا لاعب معاقب (وسام العابدي)… ولد شيبوب كلّم هاتفيا انذاك احد مسؤولي النادي وقللو نقترح عليك اقتراح لفائدة الزوز جمعيات… قللو نسمع فيك هات… قللو تهبّط وسام يلعب الطرح وانا نقول للملاعبية يسيّبوا الطرح… تربح انت وتعمل شيخة انت وجمهورك وانا نعمل احتراز عليكم وناخذ الكاس… طبعا المسؤول رفض وبشدّة… ولد شيبوب قللو راك ماشي تهبط من غير قلب دفاعك وسام… تعرف اش معناها ؟ معناها ماشي انييييييييييي………… بزوز .. المسؤول ظهر حتى هو قبيّح وقللو .. انا منيش مهبّط وسام واحنا اللي ماشي انننننننننني ……… بزوز … وكلمة عليها ملك وكلمة عليها شيطان ..ولكم ان تعمّروا الفراغ وتربطوا بسهم … لكم حرية التعليق مهما كانت الوان فرقكم لكن مع ضوابط الاحترام …السبّ والشتم والكلام البذيء لا مكان لها في صفحتي! …
كنتُ بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مقالي الأسبوعي في جلنار، حين بلغ مسامعي صراخ وألم ووجع عائلات من قضَوْا تحت أكوام حجارة سور معهد المزونة، رحمهم الله.
تمرّد القلم بين أصابعي، ورفض إتمام ما بدأه والانصياع لأوامري، وما أكتب، معلنًا الحداد على من ماتوا، ووُئدت أحلامهم تحت حجارة سور جريح ينزف دم سنوات الإهمال والتخلي.
سور أصابته لعنة “باركينسون” تشريعاتنا المهترئة، فارتعش وجعًا. سور لم يرأف بحاله أحد من القائمين على شؤون ترميمه، وترميم ما يحيط به. سور سال دم جراحه، وأسال دم من مرّوا بجانبه وأمّنوه على أرواحهم. سور توجّع وتألم طويلًا، وبكى… ولم يسمع بكاءه أحد، حتى أبكى أمهات بعض من اعتادوا المرور بجانبه… سور تآكل، وبانت عورته، فغضب وانهار على من كانوا يمرّون بجانبه، يتكئون عليه، ويستظلون به من غضب الشمس وثورة الأحوال الجوية، وهم في طريقهم لطلب العلم.
الغريب ما قرأته بعد الفاجعة، وما سمعته من صراخ من خرجوا يهددون بالويل والثبور وعظائم الأمور. أغلب من خرجوا علينا يولولون، يطالبون بمحاسبة من تسبب في الفاجعة، ويطالبون بتحميل المسؤولية لكل من قصّر في أداء واجبه أو غفل عنه.
هكذا نقفز على كل وجع ومأساة، لنواصل الدعوة إلى الانتقام من كل ما سبق، ومن كل من سبقونا في تحمّل مسؤولية خدمة هذا الشعب… هل يجب أن ننتقم ونثأر بعد كل فاجعة أو فشل ممن سبقونا في تسيير شؤون مؤسسات البلاد؟ هل يجب أن نشيْطن كل من سبقونا في خدمة الوطن بعد كل وجع يشعر به جسد هذه الأمة؟ ألا يجدر بنا أن نعتبر مما حدث، ونبدأ بإصلاح حالنا وأحوالنا؟
أتساءل: ألا يتساءل أحدكم لماذا كل هذا العزوف عن تحمّل المسؤولية؟ أليس للفصل السادس والتسعين من المجلة الجزائية دور كبير في هذا العزوف، الذي أفرغ مؤسساتنا من كفاءات كنّا نفاخر بها، ونطمئن بوجودها على حالنا وحال مؤسساتنا وحال البلاد؟ ثم، أليس للفصل الرابع والعشرين من المرسوم عدد 54 نصيب مما نحن فيه، ومما عشناه ونعيشه؟ فمن كان يرى في السور عيبًا وخطرًا، لن يكتب عن الأمر، ولن يُنبّه لخطورته، خوفًا من أن يُتهم بنشر أخبار زائفة وإشاعات كاذبة…
ألم نغرق اليوم في وحل الفصل السادس والتسعين، ورعب المرسوم الرابع والخمسين؟ لماذا تنشر تشريعاتنا وبعض قوانيننا الخوف والرعب في نفوس كفاءاتنا، ومن يملكون القدرة على تحسين أوضاعنا؟ أيمكن للأمم أن ترتقي وهي تعيش تحت وطأة الخوف والرعب من قوانينها؟ كيف نطلب من بعضنا خدمة الوطن وهم يعيشون رعب القانون، ورعب الحقد، ودعوات الإقصاء والثأر والانتقام من كل قديم، وكل مخالف في الرأي، وكل من لا يعلن لنا البيعة، ولا يقف صارخًا “مزغردًا”، مصفقًا لأخطائنا، ملمّعًا لفشلنا، داعيًا لنا بطول العمر وجزيل الثواب؟
يا من تستمتعون بوجع خصومكم، ومن لا تتفقون معهم، ومن تركوا أثرًا طيبًا وانتصروا عليكم بما حققوه وأنجزوه…الوطن أمانة بين أيادينا جميعًا، فجنّبوه الفتنة، وجنّبوه الأحقاد، وحافظوا على سور الوطن…ولا تخربوا سقفه، فإن انهار سقف الوطن، فنحن، نحن الشعب، من سيدفع الثمن… نعم… نحن الشعب من سيدفع الثمن.