تابعنا على

سرديار

الشفق

نشرت

في

نحيب محفوظ:

كانت تعتريني في صباي فترات كآبة ثقيلة. أعزف عن الأهل، أعتزل في حجرة، أكره الطعام، وأحيانًا أبكي، بلا سبب واضح على الإطلاق. عُرضت على أكثر من طبيب، جربت عقاقير كثيرة، بلا نتيجة. وقال أحد الأصدقاء لوالدي: اعرضه على خالد جلال الطبيب النفسي.

نجيب محفوظ

وكُنَّا نسمع عن الطب النفسي لأول مرة، فأعلن أبي عن ريبته فقال الصديق: إنه طب معترف به في جميع أنحاء العالم، ولكن مدة العلاج طويلة، ربما امتدت إلى عام أو أكثر، كما إن تكاليفه بالتالي باهظة!

وتفكَّر أبي طويلا ولكنه بإزاء مرض غامض عنيد قرَّر استشارة خالد جلال. ولما كان عمله كتاجر أصواف في أسيوط يمنعه من إقامة طويلة بالقاهرة … فقد قال لي: ستقيم عند عمتك ليسهل عليك التردد على الطبيب، وعلى أي حال كان في نيتي أن أرسلك إليها لتواصل تعليمك.

وزرنا الطبيب. كان في ذلك الوقت شابًّا بهي الطلعة، دمث الأخلاق، جلِيَّ الاعتداد بنفسه وعلمه. وقد أصغى باهتمام بحضور أبي، ثم حدد لي يومين في الأسبوع لزيارته، وقال: المهم المثابرة والصبر، لست طفلًا، والسعادة قيمة لا يجوز الاستهانة بها.

انضممت إلى أسرة عمتي عضوًا جديدًا بها. عضو لاقى ترحيبًا حارًّا لثراء أبي وكرمه. ومضيت أتردد على الطبيب، وأحضر جلساته العجيبة. بدا لي العلاج في أول الأمر فضولًا لا جدية فيه، ثم أخذت أضيق به وأتذمَّر في مرارة متواصلة، حتى قلت يومًا لعمتي: لا أريد أن أذهب.

فقالت عمتي بقلق: والدك؟!

فقال زوج عمتي وكان موظفًا بشركة الكهرباء: لا ذنب للعلاج ولكن حياتك مملة، لماذا لا تشارك في “الشعلة” نادي حيِّنا الرياضي؟

واشتركت في النادي، ورحت أتدرب على الكرة والسباحة، ولم أنقطع عن العلاج.

وبرعت في الكرة كما برعت في السباحة. تحسَّنت صحتي البدنية، واشتدت عضلاتي، وارتفعت روحي المعنوية في المباريات المحلية، وثمل رأسي بالهتاف والإعجاب. وانقطعت عن زيارة خالد جلال، وزايلتني نوبات الكآبة، وصرت ولدًا سعيدًا بكل معنى الكلمة. واستقبلت المرحلة الجديدة من التعليم بفؤاد جديد. ولما كنت قد أدمنت الثناء من خلال تفوقي الرياضي فقد أصررت على التفوق في الدراسة لأنعم بالإعجاب على المدى. وانتقلت من نصرٍ إلى نصر، ومن بهجةٍ إلى بهجة، وتناسيت مرضي، فلم يخطر لي ببال إلا في لحظات نادرة من لحظات الوحدة والفراغ، عند ذاك كان يُخيل إليَّ أنه رابض في مكان ما، وأنه يتحيَّن فرصة للانقضاض، ولكنها كانت لحظات نادرة جدًّا ومتباعدة جدًّا، وسحابة أو سحابتان لا يمكن أن تُعكِّر صفو سماء صافية.

وفي أثناء دراستي بمدرسة التجارة اكتشفت زهيدة ابنة عمتي. أجل كُنَّا نعيش في مسكنٍ واحدٍ، ولكنني نظرت إليها ذات يوم ونحن منفردان فخُيِّل إليَّ أنني أكتشفها من جديد. لمْ أرَ من قبل ذلك تلك النظرة الساجية العذبة، ولا ذلك الجسد الناضج المتناسق، وتبادلنا نظرات جديدة تمامًا فتورَّد وجهها وارتبكت، وانبعث من أعماق شعور متوثب حار وبهيج وطموح إلى غير حد. وُلِدَ الحب في تلك اللحظة في مهده الذهبي فباركه الحياء والمكر الحسن والحلم المبدع، وسرعان ما أُعلِنت خطبتنا.

تخرَّجت في مدرسة التجارة، اشتغلت مساعدًا لأبي في أسيوط، ثم حللت محلَّه عقب وفاته في نهاية العام، ثم خضت تجربتي مع السوق والزواج في عام واحد، والحق لقد أحببت العمل كما أحببت الزواج، وأصررت كعادتي على النجاح، وحذَّرت نفسي دائمًا من الفراغ ومن تذكُّر الماضي، وأنجبت ذرية كثيرة فكنت كل عام أستقبل وليدًا جديدًا، وزخرت حياتي بالتجارة والحب والأبوة.

واندلعت نيران الحرب العظمى فانفتحت أمامي أبواب جديدة للأرباح الأسطورية. انهمكت في عمل لدرجة فاقت كل تقدير. وما لبثت أن أنشأت متجرًا ضخمًا للصوف في القاهرة، وانتقلت أنا وأسرتي إلى العاصمة، ثم شيَّدت قصرًا، ورسَّخت قدماي في دنيا الثراء والجاه، حتى انتُخبت رئيسًا للغرفة التجارية.

وجاءني ذات يوم خالد جلال للشراء، صار كهلًا وقورًا وما زال محافظًا على بهاء طلعته. عرفته ولكنه لم يعرفني. صافحته وأنا أقول: سعادتك لا تذكرني!

وحكيت له تجربتي معه وهو يتابعني مبتسمًا، ثم سألني: وكيف حال الصحة؟

فقلت له بثقة: عال والحمد لله.

فقال لي بهدوء: الشفاء بيد المريض في أغلب الأحوال.

وجعلت نفسي في خدمته حتى غادر المحل راضيًا شاكرًا. ورغمًا عني تسللت إليَّ ذكريات قديمة استقبلتها بنفور، حتى خُيِّل إليَّ لحظة عابرة أن عدوِّي القديم رابض غير بعيد. لم تكن إلا لحظة عابرة بالغة السخف، أما ما كان يضايقني كثيرًا فحملة كاريكاتور الصحافة على أغنياء الحرب وتصويرهم لهم في صورة قُطَّاع الطرق، يا لهم من أوغاد حسودين! وهل ينجح الإنسان إلا بالجهد والعرق؟!

وكان كلما أتم ابن من أبنائي تعليمه أشركته في العمل، ولكنِّي استأثرت بعقد الصفقات الكبيرة، والقيام بالرحلات التجارية الهامة، وكان أبنائي مُثُلًا طيِّبة للبرِّ والحذق، وقدوة تجارية في المثابرة وتقديس العمل والمال.

وبتقدُّم الأيام والعمر أرخيت قبضتي رويدًا عن بعض التبعات، وحمَّلتها الأبناء المجدين. لماذا فعلت ذلك رغم هيامي بالعمل والنشاط؟ ربما لأني أردت ألَّا يُفاجَأ الأبناء يومًا بمسئوليات لمْ يتدربوا على ممارستها، وربما لأنني طرقت أبواب الشيخوخة ولم تعد الطاقة تسعف كما أسعفت في الماضي، وربما لتسرُّب قطرات من الضجر إلى زوايا نفسي. وظفرت بشيء من الفراغ سمح لي بالانطلاق بالسيارة ساعتين كل يوم في الخلوات أو الطريق الصحراوي منفردًا بنفسي أو بصحبة زوجتي. وفي تلك الأوقات المريحة عاودني شعوري القديم بالعدو الرابض فطاردني التوجُّس من جديد.

وذهبت إلى خالد جلال. بات شيخًا مجلل الشعر بالشيب يواري عينيه وراء نظارة طبية كحلية اللون. وذكَّرته بنفسي للمرة الثانية في حياتي، فرفع حاجبيه وهو يبتسم، فبادرته دفعًا لأية شماتة: المسألة من قبيل الاحتياط.

فقال بهدوء: الوقاية خير من العلاج.

– لعله توجد الآن عقاقير للوقاية بدلًا من الجلسات الطويلة.

– لا بد من الجلسات، لا بد من الصبر.

فقلت ضاحكًا: لم يعد في العمر بقية كافية!

– اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا …

– ولكن عملي لا يسمح لي بأن أهرش ظهري!

– آسف، إني على استعداد لأعطيك ما عندي.

فشكرته وقلت وأنا أقوم للانصراف: سأفكر في الأمر.

رجعت وأنا أفكِّر، لا صبر لي على الجلسات ولا وقت. وقد يسيء ترددي على عيادته إلى سمعتي وأنا رجل سمعته في السوق تساوي مليونًا من الجنيهات. وسرعان ما قرَّرت حذف الموضوع من رأسي. ولمَّا اشتد بي الضجر خطرت لي فكرة غاية في الإبداع. قلت لزوجتي: لقد انقضى العمر بين ثلاثة أماكن محدَّدة تفوح منها رائحة الصوف، وقد أتممت رسالتي، وأكرمني الله بأبناء هم زينة السوق، فما رأيكِ في أن تتأبطي ذراعي ونمضي لرحلة طويلة حول العالم؟

أُخِذت زوجتي التي أمضت عمرها بين السراي وبيوت الجيران، القانعة السعيدة بكل ما حولها، وقالت بخوف: حول العالم؟

فقلت بحماس: أجل، أوروبا … أمريكا … الجبال … البحيرات … الناس …

فقالت بفتور: أريد أن أحقق حلمي الصيف القادم بالحج إلى بيت الله.

– ليكن ذلك في العام المقبل!

كلا، إنها لا تريد ولا تحب. ولا داعي لإزعاجها. ولأقم بالرحلة منفردًا. وقمت بالرحلة في أبهة لا تتاح إلا لأصحاب الملايين. وفي مدينة نابلي شعرت بعدوي القديم يتحرك. تمطَّى حتى صار شبحًا ثم تجسَّد وحشًا. ترى هل أعتزل في حجرة وأنشج في البكاء؟! وفي شدة اليأس تعلَّقت بفتاة صغيرة في السابعة عشرة، وكانت شهرتي كمليونير تنتشر من حولي. فتصيَّدني أبوها البستاني وأسرته فوقعت كذبابة في خيط العنكبوت. وتزوَّجت منها، وواصلت الرحلة، ونجوت من المخاوف. غمرتها بالهدايا، أغدقت على أسرتها، سبقتني أنباء مغامرتي إلى مصر، وانقلبت بين يوم وليلة حديث الناس والصحافة؛ عريس في الخامسة والستين عروس في السادسة عشرة. ملكة جمال … مصاصة دماء … ثروة مهددة بالفناء. انكسر قلب زوجتي، وتجمَّع أبنائي في اتحاد مضاد للدفاع عني في الظاهر، ودفاعًا عن الثروة المهددة في الواقع. وجُنَّ جنوني فقررت أن أعصف بهم. وإذا بهم يقيمون دعوى بطلب الحجر عليَّ! وفي المحكمة شُرِّحت تشريحًا بلا رحمة، فارق السن، الأموال التي نثرتها يمينًا وشِمالًا ثم فضحوا مرضي القديم باعتباره نوعًا من المرض النفسي والجنون أُهْمِل حتى استفحل. بت ويا للأسف مسألة عامة تُناقَش، المجالس والمقاهي والغرز والصحافة، تجلَّى الحقد المكبوت من قديم على نجاحي. اتُّهِمت بالسفه. تدهور الشيخوخة، الجنون، اتهمني المتدينون بأنني ألقى جزاء استغلالي للعباد في أيام الحرب، وقال الشيوعيون إنني رجل طبيعي جدًّا ولكنني رأسمالي بلا زيادة ولا نقصان. ودُعي خالد للإدلاء بشهادته فكانت شهادته حاسمة في إدانتي. اعترف بأنني مصاب بمرض نفسي منذ صباي، وأن حياتي لم تكن إلا سلسلة من المحاولات اليائسة للهروب من المرض ومن العلاج. وقد سألته المحكمة: وهل يتيسر نجاحه التجاري لمريض نفسي؟

فأجاب خالد جلال: يتيسر له النجاح في التجارة، بل في العلم، بل في الحكم، إنما العبرة بالنتائج!

وبلغت المأساة ذروتها فصدر حكم بالحجر عليَّ. هكذا انتهت حياة النضال والكفاح والمجد. وسرعان ما ساءت العلاقات بيني وبين زوجتي الصغيرة حتى اضطررت إلى تطليقها، واعتزلت في حجرتي، مُقطَّع الأواصر بأسرتي، أمضغ الكآبة وأبكي كالأطفال. ورغم موجدتي على خالد جلال لم أجد بدًّا من اللجوء إليه. وقد بادرني: معذرة، ما كان يمكن أن أشهد بغير ما شهدت به.

فتجاهلت ملاحظته وقلت: الحال سيئة جدًّا.

– أعلم ذلك ولكن الشفاء مأمول.

فغمغمت: الأمر لله!

فابتسم مشجعًا وقال: لو أذعنت من الأول ما صادفك شيء سيئ، ولعلك لا تتصور أنني كنت سأنصحك بفعل ما فعلت، أنصحك بالرياضة والعمل والزواج.

فقلت بفتور: ولكني فعلت ذلك كله.

– هذا حق، ولكنك تفعله بروح أخرى. هذا هو كل شيء.

(الشيطان يعظ)

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سرديار

مذكرات مدير سابق (5)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

[نزولا عند رغبة صديق صميم سأكتب ما تبقى بالفصحى]

كنت قد أعلمت المندوب ما إن أخرجنا التلاميذ. سي عبدالجليل صيود يذكره بالخير. وكنت بالمكتب  أهاتف المسؤولين لمتابعة حالة المصابين وكان معي ابني. كانت الدموع تنهمر من عينيه عندما دخل علينا تلميذ في حالة قصوى من الهلع. وجهه ممتقع ولباسه خفيف. قفز ابني الى المنزل وجلب له من ملابسه ما يدفئه. هدأته قليلا. كان يهذي بكلام غير مفهوم …

هبّ الأهالي جميعا للمساعدة وكل يبذل ما استطاع من جهد. منهم من قدِم من بعيد لأن ابنه بالمبيت. تحولت الإعدادية إلى خلية نحل، كلفت العمال بالحرص على مراقبة كل تحرك والتصرف بحكمة فهذا الجمع يصعب التحكم به لذلك لا بد من اللين حفاظا على المؤسسة. وهكذا كان.. وعندما حل ركب الوالي والمسؤولين الجهويين، كانت الحماية المدنية قد سيطرت على الحريق وكان التلاميذ في قاعة محميين وقد تناولوا وجبة الصباح. طفت عليهم ومعي من حضر من القيمين وحاولنا تهدئتهم.

***

مر المسؤولون الى المبيت مباشرة، وهذا مؤشر على صحة ما توقعت من الوالي لأن في الأمر سوابق سأذكرها بإيجاز حتى لا يتم تأويلها أكثر من اللزوم وهي مايلي:

(ذات 6 افريل 2011، مر الباجي قايد السبسي من الترحم على بورقيبة إلى القيروان للاجتماع بالجميع، وكنت ممثلا لحزب ما، وتم توزيع الكلمة واستثنوني فافتككت المصدح وتدخلت عنوة وملخص تدخلي تبرئة اتحاد الشغل من أحداث صفاقس انذاك، والتأكيد على أن القيروان مهمشة منذ عهد بورقيبة لا من عهد الزين فقط، وهو ما ساء الوالي والسبسي وكل المسؤولين الجهويين الحاضرين، لأني قلت عنهم إنكم تعملون بنفس ماكينة الفساد ووو. المهم كان تدخلي مستفزا حتى لممثل اتحاد الشغل حينها ههه).

وأظن، قلت أظن وليس كل الظن إثما،  ان السيد الوالي تذكر الحادثة أو ذكّرته بها الحاشية لذلك دخل إلى المؤسسة دون انتظار المدير، وكنت بالمكتب على الهاتف ولم ألتحق بهم فإذا بالجميع يدخل عليّ، فحييتهم وامتلأ الرواق والمكتب بكل الأصناف ومنهم مواطنون. تنحنح الوالي وبدأ خطابه بالأسف ولم يطل كلامه كثيرا حتى قال :“وهذي مسؤولية المدير” وهنا قاطعه المندوب فورا قائلا حرفيا  :“سيدي الوالي في المؤسسة هذي احكي علّي تحب، إلا عالمدير . أنا جيت بيدي نتفقد دون إعلامه نلقاه فوق طاولة يصلّح في الضوء”. وهذا حدث فعلا، وطبعا الوالي بعد ذلك لن يغفرها له وقد يكون، قلت قد يكون، كلامه ذاك احد أسباب تشغيل الماكينة ضده فتمت إقالته بعد مدة. ومما ساءه أيضا قول أحد الحاضرين بصوت مرتفع:“صحيح سيدي الوالي. المدير ولد حلال”  ثم انصرفوا واعدين بالحرص على إنقاذ المصابين ووو

وأغلقنا المؤسسة لمدة يومين لأننا كنا في بداية الأسبوع المفتوح وليس يسيرا بل ليس ممكنا إلغاء الامتحانات.

***

كان الجميع في حالة من الذهول، كل يحاول الفهم والتفسير وكان لا بد أن يبدأ الحديث عن الأسباب والكيفيات ، وكان لا بد من تعدد الاجتهادات لكن والحق يقال لا أحد اتهمني شخصيا بشيء بل على العكس تماما لم أجد إلا الدعم والمساندة من كل الإطار التربوي والمجتمع المدني والنقابة والأصدقاء، والكل يعرض المساعدة من موقعه وهذا بحد ذاته يرفع المعنويات رغم هول الكارثة. ومر اليوم الأول ثقيلا مشحونا لم نهدأ فيه إلا ليلا. ومن الغد جاءت عائلات المصابين وهم من ضعاف الحال فشرعنا في جمع تبرعات تساعدهم على التنقل لأبنائهم والعناية بهم. وبذلك مر اليوم الثاني بعد أن جاء فريق من الحماية المدنية لمعاينة المكان ومحاولة معرفة أسباب الحريق وفي نفس الوقت محققون جعلوا يفتشون في كل شيء ويسألون الجميع. وانصرفوا مرجحين أن يكون السبب خللا كهربائيا !!! فهذا المبيت كان مغلقا (مالة إلبِسْ يا .مدير )

***

بعد مغادرتهم أسرّ إلي أحدهم أنه يشتبه في أن يكون الأمر مدبّرا وألح على إجراء تحقيق سري في أوساط التلاميذ واخترنا بعض الأسماء الموثوق بها، وهكذا كان على أن نؤجل الأمر قليلا حتى تهدأ الأمور، وخططنا لذلك كأن لا يكون التحقيق مباشرا ولا شفويا بل إجابة كتابية، وكل تلميذ على حدة وعلى فترات متباعدة حتى لا يفطن أحد إلى أن التحقيق يجري. ونجحنا في ذلك فجاءت الشهادات متقاربة بل متطابقة…

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

سرديار

مذكرات مدير سابق (4)

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

وقبل ما نوصلو للأهم ذكّرني بعض الأصدقاء بأحداث رأيتها دالة، منها أن أحد الاولياء فرض لباس على زوز بنياتو آك الخيمة أو الڤيطون من اللباس الطائفي فنبهتهم بلطف إلى تلطيفه لأنك ما ترى كان لكموتة،

جاني من غدوة واحد عضروط ڤلص هو بيدو  كشاكشه طالعة، قال اشنوة لباسهم هو الوحيد المحترم ويستر المفاتن ووو… قتلو مالة عندك انت هالبنيات الكل في الكولاج ماهمش محترمات؟ قال لي ايه وربي قال ووو… شديتو مسحت بيه القاعة على تشكيكه في الصغيرات وقتلو مانيش قابلهم واطلع وين تطلع ومشيت. لحقني للبيرو يتمسّح وما نقصدش وانا عندي بطاقة معاق، معاق؟!!! و كرني أبيض. صدقا بهتت.. بعد عرفت انه قريبه مدبرهالو. توة انت مدلس يعني متحيل وعامل هكاكة للبنيات؟!! الحاصيلو من غدوة جاو بحجاب عادي قبلتهم.

لقطة أخرى صارت مع عامل عنده إعاقة في السمع لكن الزور الي فيه يمشّي دولة على حالها، يتحيل على زملاؤه وما يخدمش جملة والفصعة يوميا، يدبر ستوب من قدام الكولاج ويطير لين مرة حصّلته ونبهت عليه وطلبت منه شهادة طبية ومطلب عطلة.. من غدوة اش عمل؟ جاب كوبة متاع باب اليمنيوم من نوع مضخم برشة قال لي جايبهالو نسيبه من المانيا وما يستحقلهاش، وماش يهديها للمدير ، أكيد دارو مضخمة. واحنا باب الادارة الخارجي كوبته عادمة، قتلو باهي ركبها للباب وبعد ايجاني للبيرو، ركّبها فيسع وجاء. مديت له مطلب عطلة معمر بمعطياته وقتلو صحح وبره جيب شهادة طبية بآمس واليوم هههه بعدها ركح مدة باهية . 

                                           ***

نجو توة لردود الأفعال على جرايمي :

كانك من جماعة الصحة بعدما عملو الفيزيتة للتلامذة رجعوا يراقبوا في المطعم ما لقاو حتى مخالفة، قلبوا الدنيا. شي، تعدوا للمبيت الي حليناه يلقوا كل شي متوفر ، ولاو كتبوا تقرير الي المطعم مخالف لشروط الصحة والمبيت غير صالح للاقامة.

أما جماعة البلدية فامتنعوا عن نقل الفضلات وبقات مكدسة يجي عشرة ايام وفي الاخر رصاتلهم نهار كامل ينقلوا فيها وما عادش يجوا يوميا بل مرتين في الاسبوع ..

 الخدامة حرشوا واحد منهم عمل عركة من الحيط على جدول يخدم بيه من اول العام ههه وفي الاخر كمل بيه هكاكة. عملة الحضاير حاول بعضهم خلق مشاكل وبعد ركحوا..

نحنا هكاكة وجاء نهار 28 فيفري2012 الساعة الثانية ليلا، راقد ميت بالتعب تقيمني زوجتي مفجوعة: “العساس يعيطلك طالع اش ثمة؟” والدار فوق مكتب المدير. حليت الشباك قال لي :“اجري، المبيت شعل والتلامذة محصورين” هبطت كيما انا نجري. ملي طليت نلقى النار لاهبة في المبيت والصغار تصيح ومحصورين في الدروج والباب مسكر عليهم من برة ببلوكيس قد كفي ما حبتش تتخلع.

وينو القيم ؟ جاوبني العساس: “سكر عليهم وروّح”، والمفتاح؟ عند القيم العام.. يا والله مصيبة !! نطلبو القيم العام ما يردش. الكوبة كاسحة والسلسلة غليظة والجراري لهبت وبدا الاختناق والمطعم تحت المبيت فيه دبابز الڤاز ونسمعو في لقش من السقف بدات تطيح .. وبدات الناس تهب عاري ولابس وانا والعساس ما خطينا ما عملنا.. المهم خلعنا الكوبة في الاخر وحلينا الباب

                                               ***

الصغيرات خرجناهم للقاعات، ووفرنالهم تغذية. البرد قارس. بقات أكبر مشكلة : ثلاثة تلامذة تحازوا لداخل فيهم الي ما نجمش يقوم.. ويظهر بطل من بين الحضور هو على ما أعتقد القيم سي وسام عاشور . ويندفع ويدخل للمبيت والدخان يعمي.. ويخرّج الاول ويزيد الثاني.. متضررين والنار خذات فيهم شوية. كي رجع للثالث بطى شوية ونسمعو في لطخة متاع لقشة من السقف.. الثالث كان في اخر المبيت ودوّخاته ريحة الجراري وهو راقد.. لحظات لا تردها، بانت دهر .. ويخرج البطل محمل الوليّد.. ما نتفكرش كيفاش بالضبط عشت اللحظة : مزيج من الوجع والغبطة في آن، لا توريهم لمن نحب ولا لمن نكره .

كانت قطع من اللحم تتساقط من يديه وبعض وجهه.. كدنا نشتم رائحة اللحم مشويا .. مشهد مرعب لا يزال محفورا في ذاكرتي وذاكرة أفراد أسرتي الذين التحقوا بي على عين المكان: زوجتي وابني ذو العشر سنوات وصغرونتي ذات الثلاث سنوات ونصف ..

***

 تتوسع العافية وتلهب بفعل الجراري الموس وتلتهم كل شي وتتحطم النوافذ ويتساقط السقف .. واحنا هكاكة مواطن داخل يعيط بصوت جهوري :” إلا المدير ما يمسو حد ، واحد يكلمه ما يلوم الا نفسه ” جاوبوه بعض ناس :” اتهنى من غير ما تقول ” . الموقف كاد يبكيني في تلك اللحظة لكن كان لازم نتماسك .. حلينا الكوجينة وخرجنا دبابز الڤاز .. ونطلب في السبيطار ما يهزش، مرة واثنين وثلاثة وعشرة باش هز ، غالبو النوم

– تفضل ، اش طالب

– خويا معاك مدير الكولاج . عنا حريقة وتلامذة مصابين. يسترك ابعثولنا امبيلانص

– الامبيلانص بلا شيفور . في كونجي .

– بربي تصرّفو

– نكلم المدير ونرجع لك

ونعاود نطلب بعد شوي

– وي خويا . اش عملت ؟

– قال لك اطلب الحماية. مهمتها هي. احنا ما نهزوش الحوادث

وعلق …

ممنوع عليّ نقل تلميذ مهما كانت الاصابة بسيطة. وعملتها. نقلتهم بكرهبتي للسبيطار بالواحد بالواحد وليكن ما يكون… وبديت نتابع بالتلفون باش ينقلوهم للقيروان ولبن عروس ..

الحماية وصلت الاربعة ونص متاع الصباح وبدات تطفي … أطفأت كل النيران الا تلك التي بداخلي ..

ـ يتبع ـ

أكمل القراءة

سرديار

مذكرات مدير سابق (3)

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر ميغري:

  الجمعة الي بعدها مشيت ليلة للمطعم دخلت من جهة باب التلامذة، عملت دورة لاحظت ان التلامذة اغلبهم ياكلو في عناكش وڤاشوش وجناحات، قليل صدر أو فخذ كيما قال لي أحد أولياء التلاميذ ضاحكا: “دجاجكم لا صدر لا ساقين ههه” تعديت للكوجينة، نشكر في الجماعة وكذا، تدعثرت في سطل نظيف، ثبتت نلقاهم برشة سطول يلمعوا بغلاڤاتهم ومن النوع الشفاف الخاص بالمواد الغذائية.

–  اشنوة هاذم ؟

–  متاع الاهالي يجوا يهزوا الصبة لكلابهم..

– مالة بكلهم مربين برجي ألمان وأنواع أجنبية ؟

ضحكوا، ضحكت معاهم وقلت لهم :

–  ايه، خاطر الكلب العربي ياكل الي يجي وما ياكلها كان ممرمدة، لكن ظاهرلي هنا ياكلوا بالمغرفة والفرشيطة (أو الفرڤيطة)

                                           ***

ورميت عيني للفور ويا للمفاجأة !!!

حليته نلقاها صدور يومئذ مكتنزة تكدست في الشقالة وتحتها أفخاذ مثيرة.. للشهية.

– اشنوة هاذم ؟ فضلوا من العشاء ؟!

–  لا ، هذاكة عشاء الإطار التربوي ،

–  والبونوات ؟ وريني تره .

–  لا من غير بونو الحق، سنّة حميدة من سنين .

يعطي عزاء لحميدة قداش عندها سُنَن!

***

اكاهو عاد بدلنا جدول الماكلة ومنعنا الأكل من غير بونو على الجميع … فجاءت النقابات في جلسات وتسوّات بعض الوضعيات رغم شوية مجاملات وبعض الاعتراضات والاحتجاجات.. واشكون عامتها ما يحتجش والا يكيدو العرف؟؟ كلها ثوار ثائرة والعجلة دايرة والمركبة سايرة والقصبة حايرة ومع ذاك ثمة وجوه نايرة وطنجرتها فايرة وما علينا سيدي الرئيس..

                                             ***

هيه، تذكرت. ثمة ظاهرة سخطتني بيها الوزارة عامتها هي أستاذة المسرح. شابة حسناء وأنيقة وعقلية أخرى من عالم آخر وكدس مشاكل يمشي عالارض. أولها جاني الي كاريلها الدار كيفاش تغير محل السكنى وماتشاورنيش، وهزت كراء قداش من ليلة،

– هيه ونا اش مدخلني؟!! 

– مشك عرفها وتحكم فيها!! ،قلها ترجع وتاو نسامحها

– يا ولدي بره يهديك ربي ناقصك انا !!.

وزدتها تبا بيني وبين روحي طبعا. وبعد نهارات الأستاذة هذي صوّرت قيم يضرب في تلميذ (وعلى فكرة: الضرب هو أسلوب التعامل الوحيد مع التلامذة). وهددت بالتبليغ وولات عركة بين القطاعات واجتماع مع الاساتذة ناس ضدها على خاطر تتكيف وناس معاها خاطرها زميلة، فقط لأنها زميلة. وبره عاد. لازم راس من نحاس.. المهم تفضّت المشكلة. ولكن الحق كانوا يموتوا عليها التلامذة ويحبوا ساعتها وهي كانت مندفعة وتعاونهم في مشاكلهم اكثر من اللازم. وتزيد تطلب قاعة اختصاص وطريقة عمل جديدة وبرشة حس لازم قاعة منعزلة وكان ذلك كذلك.

                                           ***

قوس: على ذكر الضرب ، ثمة ليلة وقت حصة المراجعة الليلية قبل ما يطلعوا للدرتوار، أنا في البيرو الي هو متركن الداخل في الادارة نسمع في الضرب طاف طاف رغم بابي مسكر، خرجت، نخزر كان لقيم ڤدع بطول وعرض يفشّخ في تلميذ بالكف، وعلى وجهه

  ياسي فلان ، بربي دقيقة ، من بكري نلوج على نومروك حاجتي بيك عاجلا (مدير ونكذب !!! يا للعجب)

– لحظة سي فلان ، نسوي هالذيل (يقصد التلميذ) شوية ونجيك

– أجّله  لبعد يسترك وايجاني

تلفّت للطفل وكش عليه “اذهب لقاعتك وان شاء الله تعاودها ؟؟”

 وجاء ، سبقته للبيرو وكنت أكاد أتميز غيظا ، ماش نطرشق أصلا مازال داخل قتله:

– لاباس سي فلان؟ اش ثمة ؟

– لاباس . هاك انت قتلي امر مستعجل

– ايه. اشبيه الوليد؟ اش عمل؟

– فرخ حرام حاشاك. اتصور ماشي يجري للتواليت ناديتو طفاني واتعدى فلاش. ما عبرنيش اصلا

– انت وين ساعتها ؟

– خارج من قاعة الانترنيت ماشي نتفقد فيهم

– قاعة الانترنيت؟ عنا قاعة خاصة بالانترنيت تحل في الليل ؟

– لابو لانفورماتيك، ما عناش انترنيت في بيرونا خاطر

– ااه. فهمتك . واللابو محلول لتوة ؟

– ايه . عنا نسخة من المفتاح. من قبل ديجا

– وانت موش المفروض تكون مع التلامذة في قاعتهم ؟

– ماش نقسم روحي على قداش من قاعة؟ ماو زيدونا القيمين تاو كل واحد يشد صالة

– لا هظاكهو الحل. عندك الحق. مفتاح القاعة عندك مالة

– لا. عند سي (…) تاو كي يكمل يسكرها كالعادة

– سؤال بربي: لو تتسرق حاجة من اللابو او تتكسر او يصير دخول لمواقع ممنوعة، اشكون يتحمل المسؤولية؟

– انا مواقع سي فلان؟ اشنوة الكلام هذا؟ متاع هذا احنا؟

– موقع بنك او إدارة أو حاجة. يا سيدي حتى الاستاذ مثلا مخزّن دوفواراته غادي وتتسرب: اشكون نحاسبوا ؟

– ايه . عندك الحق. مالة لازم توفرولنا الانترنيت في الكولاج الكل. اما لتوة ما قتلي اشنية الحاجة الهامة الي ناديتني عليها ؟!!!

(دوّحي يا مباركة بولدك علي، قلت في قلبي)

– لا. شيء شيء. ينوب عليك  جيبلي مفتاح اللابو توة

– سي (…) غادي تاو كي يكمل يجيبو .

– قتلك توة يا سي فلان.

وتبسمت تبسيمة كركم ولعنت ما لعنت في سري.

المهم ما تناصف الثلاثي الثاني كان اكثر الامور ركحت وبدينا نحصدوا في شر فعلنا هههه

استنوا الساعة، موش هذا الاهم ، هاو جايكم في حلقة أخرى وكيما تشوفوا قاعد نختصر ههه

                                        ـ يتبع ـ  

Motif étoiles

أكمل القراءة

صن نار