بنات أفكار
دور الناقد التونسي أحمد حاذق العرف، في ما عُرِفَ بـ”حركة الطليعة” (1968- 1972)
نشرت
قبل سنة واحدةفي
من قبل
التحرير La Rédaction
محمد صالح بن عمر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تصدير من الصحفي والأديب عامر بوعزة:
كي تعرف جيدا (أحمد حاذق العرف) وتدرك مكانته الرفيعة في الساحة الثقافية التونسية، ينبغي أن يكون لديك بعض إلمام بالحركة الأدبية والمسرحية في تونس نهاية الستينات وطيلة فترة السبعينات، أن تعرف الطليعة، ومجلة الفكر، وغير العمودي والحر، والانسان الصفر، وتكتشف بمفردك من خلال مجلات تلك المرحلة ومناظراتها، كيف كان (الناقد) عنصرا أساسيا في هذا المشهد..
منذ أيام، وأنا أحاول الكتابة عن أحمد حاذق العرف، اكتشفت نصا يمكن اعتباره مرجعا أساسيا لفهم تجربة الرجل في مجال النقد الأدبي والمسرحي ودوره في حركة الطليعة الأدبية.
النص لمحمد صالح بن عمر الذي ارتبط اسمه باسم أحمد حاذق العرف وشكّلا معا ثنائيا نقديا انتصر لقيم الحداثة التي بشّر بها حبيب الزنّاد وسمير العيادي وغيرهما من كتّاب الطليعة…
نص يقرأ كما هو…فليس أفضل منه لجعلنا نسافر عبر الزمن إلى مرحلة هي من أخصب مراحل التطور الثقافي في بلادنا خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أقرّر منذ البدء ودون تردّد اعتمادا على معرفتي الدّقيقة لمسيرة الناقد التونسي أحمد حاذق العرف التي انطلقت في نهاية ستينات القرن العشرين أنه دون أيّة مجاملة ، من أفضل من أنجبت البلاد التونسيّة من نقّاد تخصّصوا في الأدب التونسي، إلى جانب الثّالوث اللاّمع :محمّد الحليوي ( 1907 -1978 )ومحمّد صالح الجابري (1940 – 2009) وأبي زيّان السّعدي (1937 – 2014 ) .

ففي نهاية الستينات وبداية السبعينات، كان العرف الناقد الوحيد الذي وقف إلى جانبي في مواجهة الهجومات التي كان يشنّها العشرات من خصوم ما عرف بـ” الطليعة” وفي الدّفاع عن مقولاتها الثّلاث: التجريب في السرد، وإمكان كتابة الشعر خارج أوزان الخليل، واستخدام المناهج الحديثة في النقد. وهذه الأفكار التي رُفضت إذ ذاك قد تحقّقت لها بعد قرابة العقدين الغلبة في البلاد التونسية بداية من التسعينات.
وعلى الرّغم من أنّ أحمد حاذق العرف لم يكمل دراسته الجامعيّة فقد تميّز بسرعة بديهته وقدراته المذهلة على الفهم وسداد تحاليله واطّلاعه المعمّق على مدوّنة الأدب التونسي .
تغطّي الشهادة التي سأقدّمها في هذه المداخلة سنة ونصف شهر تقريبا، تمتدّ من بداية شهر أكتوبر 1971 إلى منتصف شهر نوفمبر من سنة 1972. والتّاريخ الثاني هو تاريخ مغادرتي العاصمة نحو جزيرة قرقنة حيث عيّنت للتدريس لأوّل مرّة .وهذه الفترة هي التي عرفت فيها أحمد حاذق العرف عن قرب وترافقنا في دوريّتين هما جريدة “المسيرة” ثمّ جريدة ”الناس”. وقد التقينا بعد ذلك في بعض المناسبات عندما كنت أعود في العطل إلى العاصمة لكنّنا لم نقم بأيّ عمل مشترك ، إذ انسحبت عمليّا من الساحة الثقافيّة حضورا ونشرا حتى سنة 1974.
لقد بدأ أحمد حاذق العرف ينشر مقالاته النقديّة سنة 1969 إلاّ أنّه لم يلفت انتباهي بوجه خاص إلاّ سنة 1971 حين نشر بمجلّة “الفكر” ردّا على مقال لـ”علي دب” نشر في عدد سابق من تلك المجلة وتهجّم فيه على اللون الشعري الذي استحدثته وسمّته ”غير العمودي والحرّ”. وكان علي دب إذّاك عائدا لتوّه من العراق حيث زاول دراسته الجامعيّة فوجد في تونس لونا من الشعر لم ير مثله في المشرق العربي فاستهجنه وعدّه خارجا عن فنّ الشعر.
وكنت في ذلك الوقت أشرف بالاشتراك مع حسين الواد وحمّادي التهامي الكار على الصفحة الأدبية لجريدة”الأيام”* – وكنّا قد سمّيناها ”تجاوزات” – واقتصرنا فيها على نشر الشعر غير الموزون والقصص التجريبية والنقد المتوسّل بالمناهج الحديثة التي كانت في ذلك الوقت ثلاثة هي الشكلانية والبنيوية والنصّانية. فورد ذات يوم على الصفحة مقال من أحمد حاذق العرف يتناول فيه “غير العمودي والحر” وقد عنونه بـ”كلمات على جدران أفريكا”. فتسلّمه رئيس التحرير عمر فضة الذي كان صاحب السلطة شبه المطلقة في الجريدة (بحكم أنّ صاحبها المرحوم محمود الزغني كان صحفيّا قارّا بجريدة ”العمل” لسان الحزب الحاكم ويحجّر عليه القانون الجمع بين عمله فيها ووظيفة أخرى. لذلك لم يكن يأتي إلى مقرّ الجريدة إلاّ في مناسبات متباعدة واتّصالنا به كان في أكثر الأحيان بالهاتف أو خارج مقرّ الجريدة).
ولعمر فضّة هذا تاريخ معروف بالبلاد في الحقلين السياسي والصحفي قبل الاستقلال وبعده. فقد كان يوسفيّا و رأس تحرير جريدة ”البيان” للزعيم صالح بن يوسف ثمّ جريدة “البيان الجديد” التي حلّت محلّ الأولى بعد توقيفها من السلطات الفرنسيّة. لذلك كان حاقدا على بورقيبة وكلّ الذين معه ومنهم محمد مزالي مدير مجلّة “الفكر” وبشير بن سلامة رئيس تحريرها.
وكان عمر فضّة قد عارض بشدّة منذ البداية في وجود صفحة ثقافيّة بالجريدة . وحين فرضها عليه صاحبها، ظلّ لا ينفكّ عن انتقاد محتواها والسخرية من اسمها، محرّفا إيّاه على سبيل التّهكّم إلى “التّجا..وِزَّاتْ”. فحين اطّلع على مقال أحمد حاذق العرف ووجده ينوّه بكتابات بشير بن سلامة الذي كان الراعي الأوّل لتجربة “غير العمودي والحر” امتنع عن نشره. لكنّنا تصدّينا له ورفعنا الأمر إلى صاحب الصحيفة فأجبره على نشره .غير أن عمر فضة انتهز فرصة تحكّمه في دواليب الجريدة لغياب صاحبها عنها، فنشر المقال لكن بعد أن أتبعه بتعليق وصف فيه أحمد حاذق العرف بـ”الوصولي”. فكانت تلك الحادثة سببا في عدم انضمام العرف إلى مجموعتنا وظلّت علاقته بنا يشوبها شيء من التوتّر.
وللإشارة قد شكّلت صفحة “تجاوزات”، على الرغم من قصر الفترة التي ظهرت فيها ، مرحلة جديدة. فبعد أن كنت شخصيّا قبل ذلك الوقت أنادي بإنشاء أدب تونسي لا شرقيّ ولا غربيّ، أدّى النقاش بيني وبين رفيقيّ حسين الواد وحمّادي التهامي الكار، إلى إدخال تعديل على ذلك الاتجاه لتصبح الدعوة إلى إنشاء أدب عربي جديد لكن غير مستورد من الغرب، معتبرين الرواية و”النوفيل” وقصيدة النثر أجناسا دخيلة على الأدب العربي .وهو ما يستدعي التخلّي عن الكتابة فيها، وإنشاء أجناس سرديّة وشعريّة عربية إمّا بابتكارها وإمّا بتطوير الأجناس التراثية أو باستنباطها من الواقع المعيش. ويكون ذلك طبعا يخوض مغامرة “التّجريب”. وهذه النقطة قد أبقتنا مرتبطين ارتباطا وثيقا بحركة “الأدب التّجريبيّ” التي أنشأها عز الدين المدني ونظّر لها في كتابه “في الأدب التجريبي”(5)، إلاّ أنّ تخلّينا عن فكرة “التونَسَة” قد أبعدنا عنه وعن مجلّة “الفكر” بعض الشيء. لذلك قد يكون من المفيد جمع النّصوص التي نشرت في صفحة “تجاوزات” وإصدارها في كتاب يكون شاهدا على هذا التّطوّر الحاصل في اتّجاهنا، لكن في حدود حلقتنا تلك فحسب.
هذه المقدّمة ضرورية لفهم إسهام أحمد حاذق العرف في حركتنا التي شاعت تسميتها منذ سنة 1970 بـ”الطّليعة”- وهي تسمية تحتاج إلى مقالة مستقلّة لما تنطوي عليه من أبعاد لا يتّسع المجال للخوض فيها هنا .
لقد توقّفت صفحة “تجاوزات” بتوقّف جريدة “الأيّام” في 21 جوان 1971. وكان ذلك بقرار من وكيل الجمهورية التونسية لأسباب بيّنتها في مذكّراتي التي سأنشرها لاحقا. وقد تزامن توقّفها مع بداية العطلة الصيفيّة التي قضّيتها بفرنسا بين مدينتي غرينوبل وباريس. وحين عدت إلى تونس في شهر سبتمبر اتّصل بي السيد سالم كرير المرزوقي صاحب صحيفة “المسيرة “، عارضا عليّ الإشراف على الصفحة الثقافيّة لجريدته ، إثر خلاف جدّ بينه وبين المشرف عليها، الشاعر محمد مصمولي . فتردّدت في بادئ الأمر لأنّه كانت لي تجربة سيّئة مع تلك الجريدة في سنة 1970 حين أحدثت فيها ركنا أسبوعيّا بطلب من رئيس تحريرها إذّاك الصّديق محمّد الطيّب قيقة لكنّ صاحبها أقاله بعد بضعة أسابيع من شروعي في تحرير ذلك الرّكن. وبإقالته حجب الرّكن نهائيّا ، كما تخلّى عن كلّ الصحفيين والكتّاب المحسوبين عليه، ثمّ لأنّ جريدة ”المسيرة” كادت تتخصّص في مهاجمتنا حين كنّا نشرف على الصفحة الثّقافيّة لجريدة ”الأيّام”.
لكن حين أعلمت حسين الواد وحمّادي التهامي الكار بذلك العرض حثّاني على قبوله حتى نتمكن من مواصلة العمل الذي شرعنا فيه بصفحة ”تجاوزات” عازيين موقف المسيرة السابق منّا إلى شخص المشرف على صفحتها الأدبيّة لا إلى صاحب الجريدة . فأعلمت سالم كرير المرزوقي عندئذ بموافقتي واقترحت عليه فكرة الإشراف الجماعي على الصفحة الأدبية لجريدته مع رفيقيّ المذكورين فوافق على ذلك.
ولكي لا ندخل اضطرابا على اتجاهنا في هذه الصّفحة الجديدة اخترنا أن نسمّيها “بنائيّات” (في صيغة الجمع على غرار ” تجاوزات” ).
لكنّ حسين الواد وحمادي التّهامي الكار سرعان ما انسحبا ، إذ سجّل الأوّل في شهادة الكفاءة في البحث وقرّر الآخر التّفرّغ لدراسته ، لأنّه كان طالبا في السنة النهائية بدار المعلمين العليا التي لا تسمح قوانينها لطلبتها بالرّسوب.
ولمّا كنت دائما أنفر من العمل الفردي التجأت إلى أحمد حاذق العرف – وكان طالبا بمركز الفنّ المسرحيّ – ليحل محلّهما.
وبذلك انطلقت مرحلة جديدة ستكون بالغة الأهمّية من حيث مراجعة بعض الأسس النظريّة التي قام عليها اتّجاهنا. وأوّل هذه الأسس توجّهنا الشكلاني الخالص الذي كنّا نبرّره بأنّ غرضنا حضاري لا آني . وهو إحداث أشكال شعريّة وسرديّة عربيّة مختلفة عن الأشكال الوافدة من الغرب . وهو الغرض الذي أعلنت عنه سنة 1970 في مقالي المنشور بمجلة “الفكر” بعنوان “لماذا الأدب الطّلائعيّ التّونسيّ ؟ “ والذي استمرّ التمسّك به في مرحلة ”تجاوزات”. لكنّ النقاش المطوّل وشبه اليومي الذي كان يجري بيني وبين أحمد حاذق العرف في شأن هذه القضيّة بمقهى “برازيليا” الذي اتّخذناه مقرّا لنا والذي كان يوجد داخل مبنى “البالماريوم” قد أفضى إلى التّراجع عن مبدإ إهمال المضمون و الاقتصار على العناية بالشّكل. وذلك على اعتبار أنّ الأشكال الفنية مهما بلغت من التّطوّر فهي غير قادرة وحدها على شدّ اهتمام القارئ ،خاصة في بلد يواجه قضايا حضارية وسياسية واجتماعية معقّدة ولأنّ فصل الأدب عن الواقع المعيش يعني عمليّا فصله عن الحياة .
والذي زاد في تمسّكنا بهذه الفكرة هو ما كنّا نراه من أنّ التجريب في القصة والشعر قد تحوّل عند الكثيرين من الكتّاب والشعراء الجدد إلى تقليعة قوامها التّلاعب بالألفاظ والكسر المتعمّد للقواعد دون الاستناد إلى بديل فنّي صلب متماسك. وهو ما تسبّب في ظهور تيّار بأكمله ينسب نفسه إلى “الطّليعة” لكنّ سمته الغالبة هي التساهل في الكتابة والتصنّع في إنشاء النّصوص . فكان لا بدّ عندئذ من تعديل الكفة وتصحيح المسار.
ولكنّنا مع ما قرّرناه من ضرورة “إضافة المضمون الثوري إلى الشكل الثوريّ” رأينا أنّ الكاتب ينبغي أن يكون مستقلاّ و ألاّ يتحوّل إلى بوق دعاية لحزب أو نِحلة أو اتجاه إيديولوجي بل إنّ رجل السياسة المستنير هو الذي يتتلمذ على الكتّاب ويتلقّى دروسه منهم لا الذي يحوّلهم إلى بيادق ويسخّرهم في خدمة مذهبه. وهو الموقف الذي بقيت متمسّكا به وفيّا له إلى اليوم .
وهناك مراجعة أخرى قمت بها في الفترة نفسها مع أحمد حاذق العرف تهمّ موقفنا من الأجناس الأدبيّة. فقد اتّفقنا على أنّ الكاتب حرّ إمّا في الالتزام بشروط جنس من الأجناس المتداولة (شعر – قصّة – رواية – مسرح ) فيكون عندئذ شاعرا أو قصّاصا أو روائيّا أو كاتبا مسرحيّا، وإمّا في المزج بينها داخل نصّ واحد بهدم الحواجز القائمة بينها. وقد سمّينا هذا النّوع “كتابة”. وللتّاريخ كان قد مارس هذا اللّون من الأدب قبل ذلك ببضع سنوات لكن دون التّنظير له، محمود التونسي وسمير العيادي في عدّة نصوص نشراها في مجلاّت “الفكر” و”قصص” و”ثقافة”.
ومن الإضافات التنظيرية الأخرى التي تمخّضت عنها مناقشاتي مع أحمد حاذق العرف، الانفتاح على التجارب والمحاولات الحداثيّة في الأدب التونسي التي كنا ننظر إليها على أنّها خارجة عن “الطّليعة”، مثل الشّعر القائم على المزج بين الفصحى والدّارجة الذي كان يكتبه صالح القرمادي، و”القصيدة المضادّة” التي ينظّر لها ويكتبها محمّد مصمولي، والشعر الميلودارمي الذي اشترك في كتابته منصف الوهايبي وعمّار منصور على الرغم من خضوعه لأوزان الخليل.
لكن صفحة “بنائيات” سرعان ما خرجت من بين أيدينا. فبدلا من أن يتّخذ صاحب جريدة “المسيرة” قرارا بطردنا منها أخذ يمتنع عن نشر مقالاتنا والنصوص التي نختارها ونسلّمه إيّاها للنّشر ، مفاجئا إيّانا في كلّ عدد بنصوص هزيلة لكتّاب وشعراء نكرات تتضارب شكلا ومحتوى مع ما كنّا ننظّر له وندعو إليه. وهو ما جعلنا نعلمه بانسحابنا من الجريدة ونطالبه بتغيير اسم الصفحة التي نشرف عليها . لكنّه لم يستجب لطلبنا واحتفظ بالاسم “بنائيّات “مع مواصلة النشر فيها لمن يشاء من هواة الأدب الذين يراسلون الجريدة . وأكثر ما نشره هزيل وضعيف المستوى . لذلك لا بدّ لي أن أسجّل هنا أنّ آخر عدد من صفحة “بنائيات” أشرفت عليه مع أحمد حاذق العرف صدر بتاريخ 27 ديسمبر 1971 وأن ما صدر باسم ”بنائيات” بعده لا يمثّلنا.
وفي سنة 1981 بعد توقف جريدة ”المسيرة” بثماني سنوات لقيت السّيد سالم كرير المرزوقي بمدينة توزر بمناسبة التئام مهرجان أبي القاسم الشابي الأوّل الذي شاركت فيه بصفة محاضر، فاعتذر لي عن تصرّفه معي ومع العرف ، معلّلا ذلك بأنّه دعي إذّاك إلى وزارة الدّاخلية حيث طلب منه طردنا من الجريدة فلم يجد الشجاعة لإعلامنا بذلك.
لكن ماذا كانت أسباب ذلك الطلب؟ وما هي التهم التي كانت موجهة إلينا ؟ وإذا كانت لنا صلة ببعض الأحزاب الممنوعة فلماذا لم يُلق علينا القبض أو حتى نستنطق؟ كلّ هذا بقي لغزا.
وبعد خروجنا من جريدة”المسيرة” بقينا ننشط في نادي الخميس بدار الثقافة ابن خلدون الذي كان يشرف عليه سمير العيادي وننشر بمجلّة “ثقافة “ التي كان يرأس تحريرها وتصدر عن تلك الدّار.
وفي آخر شهر ماي من سنة 1972 اتصل بي الصحفي محمد الطيب قيقة الذي تعاملت معه ، كما سبق أن ذكرت، بجريدة”المسيرة” لبضعة أسابيع حين رأس تحريرها سنة 1970 وغادرناها معا حين أقيل منها . وقد عرض عليّ هذه المرّة أن أنضمّ إلى أسرة تحرير جريدة جديدة اسمها “النّاس” سيتولّى رئاسة تحريرها أيضا. ودعاني إلى حضور أوّل اجتماع ستعقده . فوافقت وحضرت ذلك الاجتماع. لكن المنطق الذي تكلّم به صاحب الجريدة وهو عدل إشهاد متقاعد يدعى الطيّب بن محمود، لم يعجبني. فقد صرّح بأنّ الثقافة الراقية لا مكان لها في جريدته لأنّها (أي الجريدة)، على حدّ قوله، موجّهة إلى عامّة الناس مثلما يدلّ عليه الاسم الذي اختاره لها. ولكي تصل إلى أكثر عدد ممكن من القرّاء ينبغي أن ترتبط بشواغلهم ، مقترحا لهذا الغرض الإكثار من المقالات التي تتحدّث عن الجرائم ومن المحاورات المطوّلة مع نجوم الطرب وكرة القدم، و مبديا رفضه القاطع لإحداث صفحة ثقافيّة. ثمّ التفت إليّ قائلا : طبيعة جريدة”النّاس” لا تتلاءم مع وجود صفحة ثقافيّة فيها لكنّك تستطيع أن تفيدنا كثيرا لو كتبت سلسلة من المقالات تهاجم فيها الكتّاب والشّعراء المعروفين حتّى يردّوا عليك ونحدث بذلك ضجّات متتالية من شأنها أن تلفت انتباه المثقّفين فيقبلوا على اقتناء الجريدة . فلم أردّ عليه لكنّي قرّرت بيني وبين نفسي قطع علاقتي بتلك الجريدة قبل ظهورها، إلاّ أنّ محمد الطيب قيقة عرض عليّ بعد انتهاء الاجتماع أن نشرب قهوة . فجلسنا بمقهى “المغرب العربي”وألحّ عليّ في البقاء ، عارضا أن أكتب في أيّ موضوع ثقافي أختاره ومؤكّدا لي أن كلّ صفحات الجريدة يمكن أن نسرّب فيها مقالا أو اثنين عن الثّقافة . فوافقت.
وأعلمت أحمد حاذق العرف بما حصل فوافق على الإسهام معي في النشر بهذه الجريدة . ولمّا كانت الجريدة “شعبيّة” بالمفهوم السلبي طبقا للغرض الذي حدّده مديرها، رأيت أن أعمل على ترقيتها بتوظيف المنطق نفسه الذي تكّلم به . وذلك بإحداث ركن فيها أحرّره باللهجة الدارجة التونسية لكنّي أخصّصه لمعالجة القضايا الثقافيّة لا القضايا التافهة . وسمّيت ذلك الركن ”بدون بروتوكول”، علّي أوصل بعض شواغلنا الفكريّة إلى فئة ولو قليلة العدد من القرّاء المقبلين على مطالعة المقالات التجارية.
ولقد أحدث ذلك الرّكن ردود فعل مختلفة في الساحة الثقافيّة. فالمثقّفون القوميّون العرب اتّهموا “الطّليعة” عامّة لا شخصي فقط بالإقليميّة الضيّقة وخدمة الاستعمار الذي يسعى إلى عزل تونس عن الوطن العربي ، في حين رحّب به دعاة الدارجة ومنهم خاصّة الهادي البالغ الذي رأى فيه فاتحة خير وبشرى بفتح ثقافي مبين .
والحقيقة أنّ المسألة لم يكن لها أيّ بُعد من ذينك البعدين . فقد قلّبتها أنا وأحمد حاذق العرف من جميع جوانبها وخرجنا بجملة من المبادئ العامّة تخصّ استعمال الدّارجة في الأدب.
ففي ما يتعلّق بالإقليميّة ، فقد فات أصحاب تلك التهمة أنّ الواقع اللّغوي بشبه الجزيرة العربيّة في العصر الجاهلي وحتّى نهاية القرن الرّابع الهجري كان يتّسم بالتعدّد اللّهجي. إذ أحصى النّحاة واللغويّون العرب القدامى أكثر من مائة وخمسين لهجة منها قرابة الخمسين لهجة وردت في القرآن الكريم وحده. وقد كان كلّ عربيّ مزدوج اللّسان: يتكلّم لهجة قبيلته مع أهله وأبناء عشيرته واللغة العربيّة الفصحى في التخاطب مع القبائل الأخرى. ومن أشهر الأدلّة على ذلك أنّ أبا عمرو الشيباني (تـ. 93 هـ) جمع في القرن الثاني الهجري ضمن كتابه الموسوم بالـ”جيم” عددا كثيرا من الشواهد الشعريّة نظمت بتلك اللّهجات . وقد تواصلت تلك الظاهرة حتّى العصر الحديث حيث يزدهر في كلّ أقطار الخليج العربي اليوم ما يعرف بـ”الشعر النبطيّ” وهو شعر يكتب باللهجات المحلّية وقد صدرت منه دواوين كثيرة . لذلك لا يوجد البتّة أيّ عداء أو تنافر بين الفصحى ولهجاتها بل هي في تكامل وتناغم تامّين معها.
يضاف إلى ذلك أنّنا لم نكتب في جريدة ”المسيرة” بالدّارجة فقط بل كنّا نكتب أساسا بالفصحى .وفي هذا دليل على أنّه لم تكن لدينا نيّة استبدال الفصحى بالعامية .
هذه هي مجمل المبادئ والأفكار التي تمخّضت عنها مناقشاتي مع أحمد حاذق العرف في الفترة التي رافقني فيها. وقد امتدت كما ذكرت على قرابة الثلاثة عشر شهرا ونصف. وهي الفترة الأخيرة من حياة ما سمّي بـ”الطّليعة”، إذ تفرّق بعدها الذين نسبوا أو انتسبوا إليها.
لكنّ ما رويته في ما سبق عن علاقتي بالعرف يثير تساؤلا خطيرا لا بدّ من إثارته اليوم خدمة للحقيقة التاريخيّة. فما علاقة هذا المجهود الفكري الثنائي الذي بذلناه معا بمن عرفوا بـ”أعضاء” حركة الطّليعة؟ فأنا والعرف ناقدان لا شاعران ولا كاتبان سرديّان ولم يشاركنا أحد في المناقشات التي دارت بيننا. ويعني ذلك أنّ ما خضنا فيه واتّفقنا عليه ما كانا ليلزم أولئك “الأعضاء” لأنّنا لم نشركهم فيه ولم نعرضه عليهم لنطلب آراءهم فيه.
وما أقوله عن هذه المرحلة ينسحب على المرحلتين السّابقين. فأنا ترافقت في سنة 1970 مع المرحوم الهادي بوحوش الذي كتبت بالاشتراك معه دراسة في ثلاث حلقات عن “غير العموديّ والحرّ” وكان بوحوش أيضا ناقدا لا غير، ثمّ في سنة 1971 مع حسين الواد بصفته ناقدا لا قصّاصا لأنه لم يكن يمارس في قصصه التّجريب. فما علاقة ما ينظّر له نقّاد بحركة سرديّة وشعريّة لم يشاركا في تأسيسها؟ وبأيّ حقّ يتكلّمون باسمها؟ وأنهي بسؤال أخطر : من أدخل محمد صالح بن عمر وحسين الواد وأحمد حاذق العرف الى ما سمّي بـ”حركة الطّليعة”، إذ الحركة مصطلح أدبيّ دقيق الدلالة معناه تجمّع كتّاب أو فنّانين حول قائد مؤسّس للدعوة إلى أفكار معيّنة . ولم يعرف في تاريخ الأدب العالمي ناقدا قاد حركة سردية أو شعرية .
إنّ الأدب التّجريبي الذي أسّسه عز الدين المدني في بداية الستينات (لا في سنة 1968 كما شاع خطأ) كان حركة تامّة الشّروط . لكن من هم الذين كانوا ينتمون إلى حركته تلك؟
في سنة 2009 دعوت عز الدين المدني إلى لقاء مع طلبة التبريز بدار المعلّمين العليا. وبتلك المناسبة قدّمت إحدى الطالبات محاولة في تحليل قصته ”حكاية الباب”. وفي أثناء النقاش وجّه إليه الطلبة عدّة أسئلة منها سؤال عن الأدباء الذين كانوا معه في حركة الأدب التجريبي. فأجاب بأنّهم كانوا ثلاثة: محمد الحبيب الزنّاد ومحمود التّونسي وسمير العيّادي.
لكنّ الآخرين الذين عرفوا بأنّهم من حركة الطّليعة ومنهم أنا وأحمد حاذق العرف، كيف دخلوا الحركة ؟ وهل يكفي أن يكتب ناقد عن حركة حتّى يعدّ عضوا فيها؟
القضيّة شائكة جدا تحتاج إلى الكثير من المراجعة وتعميق النّظر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*”الأيام” هذه، غير أسبوعية “الأيام” التي نشأت واشتهرت في الثمانينات.

تصفح أيضا
بنات أفكار
إصدارات: كتاب “رمضان زمان في تونس بين العادات والتقاليد” … دغدغات لذاكرة مجتمع
نشرت
قبل شهرينفي
15 مارس 2026من قبل
منصف كريمي Monsef Krimi
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منصف كريمي:
تزامنا مع شهر رمضان الكريم صدر هذه الأيام كتاب “رمضان زمان في تونس بين العادات والتقاليد” للدكتور الباحث أنيس المحجوبي، ليرصد من خلاله مؤلّفه ملامح الحياة الرمضانية في المجتمع التونسي في فترات سابقة.

في هذا الكتاب، يرصد المؤلف ما ارتبط بهذا الشهر من مظاهر روحية واجتماعية وثقافية ويحرص على توثيق العادات والتقاليد التي ميزت رمضان في الذاكرة التونسية، سواء في طقوس العبادة والتضامن الاجتماعي، أو في تنوع الأطعمة والمأكولات التي كانت تحضر على موائد الإفطار والسحور، إلى جانب ما كان يرافق ليالي رمضان من سهرات عائلية وألعاب شعبية وأنشطة ثقافية وترفيهية. وفي محاولة من أنيس المحجوبي لاستحضار جانب من الذاكرة الجماعية للمجتمع التونسي وإبراز ثراء تراثه الرمضاني.
وجاء هذا الكتاب حسب مؤلّفه “في إطار محاولة توثيقية تسعى إلى استعادة صورة شهر رمضان كما عاشه التونسيون في الأزمنة الماضية، لا باعتباره مجرد فترة زمنية من السنة الهجرية، بل باعتباره فضاءً اجتماعياً وثقافياً وروحياً تتقاطع فيه الممارسات الدينية مع العادات اليومية، وتتداخل فيه مظاهر التعبّد مع أنماط العيش والاحتفال والتلاقي الإنساني… فالكتاب ينطلق من فكرة أساسية مفادها أن شهر رمضان في المجتمع التونسي لم يكن فقط شهراً للصيام والعبادة، وإنما كان أيضاً موسماً غنياً بالطقوس الجماعية التي تعكس عمق الهوية الثقافية للمجتمع وتبرز تنوع ممارساته الرمزية والمادية”.
وقد ركّز الكتاب بين تفاصيله على البعد الروحي والديني الذي شكّل قلب التجربة الرمضانية في تونس عبر التاريخ، حيث ارتبط شهر رمضان لدى التونسيين بمظاهر إيمانية عميقة، تجلت في الإقبال على المساجد لآداء الصلوات، خاصة صلاتي التراويح والتهجد، وفي الإكثار من تلاوة القرآن الكريم وحضور حلقات الذكر والدروس الدينية التي كانت تنتظم في الجوامع والزوايا، كما كان لهذا الشهر حضور قوي في الوجدان الجماعي من خلال قيم التضامن والإحسان والتكافل الاجتماعي، حيث تتكاثف أعمال الخير وإطعام الفقراء وتبادل الزيارات العائلية، فتتحول الأيام والليالي الرمضانية إلى فضاء للتقارب الإنساني وإحياء الروابط الاجتماعية ليصبح بذلك هذا الشهر لحظة زمنية متميزة تتجدد فيها القيم الروحية وتُستعاد فيها معاني الصفاء الداخلي والتقوى.
ولا ينفصل هذا البعد الروحي عن الجانب المادي واليومي الذي يتجلى خصوصاً في عالم الأطعمة والمأكولات الرمضانية وأشار الكتاب إلى أن الموائد التونسية شكّلت خلال رمضان مجالاً خصباً للتنوع والإبداع الغذائي، حيث ظهرت أصناف عديدة من الأكلات التي ارتبطت وجدانياً بهذا الشهر وفي هذا الإطار يعرض الكتاب تصنيفاً دقيقاً لهذه الأطعمة، فيميز بين أطباق الإفطار الأساسية مثل الشوربة والكسكسي وأنواع الطواجن، وبين الأطعمة الخفيفة التي ترافق السهرات الرمضانية، إضافة إلى الحلويات التقليدية التي تزيّن الموائد مثل الزلابية والمخارق والبقلاوة والمقروض وغيرها من الأصناف التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الغذائية للتونسيين.

كما يتناول الكتاب الدور الذي لعبته الأسواق الشعبية والحرفيون وصناع الحلويات في إحياء هذا التراث الغذائي، حيث تتحول الأسواق إلى فضاءات نابضة بالحياة تعكس حركة المجتمع وتقاليده الاستهلاكية الخاصة بهذا الشهر.
وإلى جانب البعدين الروحي والمادي، يسلّط الكتاب الضوء على الجانب الثقافي والفكري الذي ميّز ليالي رمضان في تونس ليشير إلى أن هذه الليالي كانت مناسبة لازدهار حلقات الأدب والشعر والسمر الثقافي، حيث يجتمع الناس في المقاهي أو في البيوت للاستماع إلى الحكايات الشعبية والقصص التراثية، أو لمتابعة العروض الموسيقية والإنشاد الديني، كما ذكر الكتاب أن المجالس الرمضانية شكّلت فضاءً لتبادل الأفكار والنقاشات حول القضايا الاجتماعية والثقافية، مما جعل من هذا الشهر موسماً ثقافياً حقيقياً تتلاقح فيه المعرفة الشعبية مع أشكال التعبير الفني المختلفة.
أما تناول الكتاب للجانب الترفيهي خلال رمضان فكان من خلال التعرض له كعنصر كان بدوره حاضراً بقوة في الذاكرة الرمضانية التونسية، إذ تحولت السهرات الليلية بعد الإفطار وصلاة التراويح إلى لحظات للمتعة الجماعية والتواصل الاجتماعي حيث كانت الأزقة والساحات تشهد ألعاباً شعبية متنوعة يمارسها الأطفال والشباب، كما تنتشر في المقاهي ألعاب تقليدية مثل الورق والدامة وغيرها من وسائل الترفيه التي كانت تضفي على ليالي رمضان أجواءً من الألفة والمرح لتكشف هذه الممارسات عن قدرة المجتمع التونسي على التوفيق بين روحانية الشهر ومتطلبات الحياة الاجتماعية، بحيث يصبح رمضان زمناً يجمع بين العبادة والفرح الجماعي في آن واحد.
وعموما ومن خلال هذا الإصدار التوثيقي سعى الباحث إلى حفظ الذاكرة الرمضانية التونسية وتدوين مظاهرها المختلفة قبل أن تطمسها تحولات الزمن وتسارع أنماط الحياة الحديثة حيث لم يكتف بسرد العادات والتقاليد، بل حاول تحليل دلالاتها الاجتماعية والثقافية، مبرزاً كيف استطاع المجتمع التونسي أن يطوّر عبر التاريخ أنموذجاً خاصاً للاحتفاء بشهر رمضان يجمع بين الأصالة والتنوع. وهكذا يشكّل هذا الكتاب مساهمة في دراسة التراث الاجتماعي التونسي، ومحاولة لإعادة إحياء صورة رمضان كما عاشته الأجيال السابقة بكل ما حمله من روحانية ودفء إنساني وغنى ثقافي.
جدير بالذكر أن مؤلف هذا الكتاب الدكتور أنيس المحجوبي هو من موليد مدينة الزهراء بولاية بن عروس وهو متحصل على الماجستير والدكتوراه في التاريخ المعاصر وفي الحضارة العربية، كما أنه حائز على الأستاذية في اللغتين الإيطالية والألمانية وسبق أن نشر عدة كتب منها “اليهود في تونس” و”الديوانة التونسية زمن الاستعمار” و”الديوانة التونسية ودورها في الاقتصاد الوطني”.

بنات أفكار
إصدارات: “قصائد الشاعر الرائد صالح سويسي”… لعبد الرحمن الكبلوطي
نشرت
قبل سنة واحدةفي
20 يناير 2025

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عبد القادر المقري:
القيروان تدهشك بأسرارها كما تفعل العرائس الروسية التي كلما كشفت عن وجه واحدة نجمت لك أخرى في نفس الجمال وأكثر… ففي كل المضارب لها خيمة، وفي كل العصور لها شاعر، وفي كل الأغراض معلّقة… وفيما فيروز تصدح بحُصرية “ياليل الصب”، ويجيبها عبد الوهاب بمعارضة من الشوقيات، يقتفي الرواة والناشرون أثر ابن رشيق شاعرا وناقدا، وابن شرف شاعرا وموسوعيا، وتكرّ سبحة الأسماء حتى زمننا الحديث من الشاذلي عطا الله إلى محمد الفائز إلى جعفر ماجد إلى ما سمي في الثمانينات بـ “مدرسة القيروان” المتصوفة (الوهايبي، القهواجي، الغزي…) إلى هذا الشاعر المتفرّد حقا في وقتنا المتخم بالمتشابهات: عبد الرحمن الكبلوطي…

الكبلوطي اقتلع مكانه في ستار الكعبة القيروانية على ازدحامها بالحُجّاج والمنشدين، سالكا إلى ذلك دربا قلّ أن سلكه غيره… فهو شاعر له نبرة خصوصية تعرفها من دون أن تتعب في اسم صاحبها، وقد نعود يوما إلى ذلك… ولكنك وأنت منشغل بأشعاره الرامية أغصانها على الخمسين سنة الأخيرة (ولا أكبّره) يفاجئك بين فينة وأخرى بمصنّف غير شعري وإن كان على وشيجة بالشعر… إنه التوثيق والتحقيق لشعراء آخرين قد تكون أغفلتهم الذاكرات، أو تغافلت عن زوايا من عطائهم، فيما أضاءت بقوة أركانا أخرى لنفس الأعلام…
سبق للكبلوطي أن أثرى المدوّنة البحثية بمؤلفات عن امرئ القيس والشعر الفرنسي وأنطولوجيا عن شعراء القيروان عامة، ثم بتحقيق دواوين لمحمد الفائز القيرواني والشاذلي عطا الله… وهاهو أخيرا يصدر عن دار الأمينة للنشر والتوزيع، كتابه الجديد “قصائد الشاعر الرائد صالح سويسي القيرواني”… وهو أيضا ثمرة جمع وتحقيق وتبويب مضنية، ولكن حصيلتها إنصاف لا ريب فيه لشاعر ومصلح يجهله كثيرون، ويظلم مكانته كثيرون أيضا…
يقع الكتاب في 259 صفحة (بما فيها الفهارس والحواشي) من القطع المتوسط وطباعة جيدة الحرف والورق، ويتحلى غلافه الأول بصورة المحتفى به ، فيما يقدم غلافه الأخير نبذة عن المحقق وسوابقه شعرا ونثرا ودراسة ومسرحا… ولكن الأهمّ من هذا حرص محقق القصائد على مقروئيتها شكلا وموضوعا…
فبعد مقدمة تترجم للشاعر وحياته ومؤلفاته… وتفسر وجاهة اختياره وتحدد تموضعه في الحركة الأدبية والسياسية والإعلامية مطلع القرن العشرين… ينحو المحقق إلى إعطاء فكرة عن تنوّع القصائد وفتح شهية القارئ لتناولها قصيدة قصيدة حين يأتي دورها… كما يبيّن طريقة اشتغاله على مادة شعرية متناثرة بين الصحف القديمة ومصنفات دارسين سابقين ونسخة أولى من “ديوان” لقصائد الرجل كانت مشوّشة حافلة بالنقائص … دون أن ينسى سواء عند عرض هذه القصائد أو انتقاء أبيات منها في المقدمة، أن يشير كعادته إلى البحر العروضي الذي اتزنت به، عائدا دون قصد إلى هويته التعليمية الصارمة، وغامزا ـ داريا أو دون أن يدري ـ من قناة بعض شعراء الزمن الأخير المختلة أوزانهم كما تختلّ لغتهم وقرائحهم…
بعد جمع المتن الشعري وتصحيح أخطائه، عمد المحقق إلى تبويب هذه القصائد حسب أغراضها، ووضع لكل باب عنوانا مسجوعا كأنه لكتاب من عصر خال، وهو أقرب لشخصية الكبلوطي ظرفا وبلاغة… وإليكها:
ـ حب القيروان الأبية… وأجواؤها الروحانية
ـ خدمة الأوطان بالعلم والإيمان
ـ مجتمع الخطوب ومستودع العيوب
ـ خواطر وتأملات من تجارب الحياة
ـ حسن التوجيه في رحلات الترفيه
ـ أثر الثقافة ودور الصحافة
ـ فكاهات ومداعبات في المجالس والمراسلات
ـ المدح والتهاني مع أخلص الأماني
ـ قذائف الأهاجي، من مِنها الناحي؟
ـ رثاء الأصدقاء ومناقب العظماء
إلخ
وبين معابر هذه القصائد وأبواب عرضها، تجد نفسك مجايلا للشاعر مجالسا له، معاشرا للناس والخطوب ممن ومما عاشر وعاش… فقد عمّر صالح السويسي بين سنتي 1871 و1941، سبعين حولا لم يسأمها كما فعل زهير بثمانينه، واخترق في زمنه أحداثا امتزج بها أو سمع عنها أو رمت بظلالها على بلده ووجدانه ولو بعد أمد… ففي سنة ولادته انهزمت فرنسا أمام بيسمارك، وما عتمت بعد عشر سنوات أن استعادت سطوتها ولكن جنوبا، حيث احتلت القطر التونسي الذي ظل عصيّا عليها طيلة نصف قرن من استقرارها بالجزائر قبل ذلك… كما تخللت الفترة حربان عالميتان، ومؤتمر صلح وثورة مصرية أدت إلى تحرر نسبي… في الأثناء أيضا نشأت ثم تفجّرت حركة وطنية ونقابية وثقافية تونسية محتدمة… ورافق ذلك انفتاح نوافذ وروافد، ومحاولات نهضة وإصلاح، ومدارس فكر وأدب وفنون… وظهرت أسماء محمد عبده والشابي وقاسم امين والطاهر الحداد وطه حسين وحافظ وشوقي … وهبت رياح أدب المهجر وأبوللو وتحت السور والرشيدية وزخم الصحافة والمسرح لما بين الحربين…
ولد السويسي كما ذكرنا سنة 1871 في مدينة القيروان، منارة شمال إفريقيا وحاضرة بني الأغلب، وأرض “حصباؤها درّ ومسكٌ ترابها” وأضاف قائلا فيها:
بلاد لها عزّي وغاية مطلبي
ونفسي لها تصبو على منتهى البعد (46)
أو:
يا جنة الخلد بل يا قيروان ومن
حبي لها فاق عن وصف وتبيين (62)
وجال في ثناياها معيدا تذكارات مجد ومتنهدا على عهود ذهبية ابتعدت، فكان هذا التصوير الأندلسي الروح، للفسقية القيروانية:
وعشية راقت ببركة أغلب
حيث المياه جرت بأحسن منظر (48)
هذا عن المكان… أما الزمان فهو فترة ظلام وجهل وفقر وتخلف، زاد عليها الاحتلال الأجنبي سوءا على سوء… فإذا بالسيد يُستعبد، وبالعزيز يُذل:
فالله قد جر الشقاء لذا البلد
ولكم سلاه المجد والعيش الرغد (92)
ما أبعدنا عن رغيد عيش غابر، أما في تلك الأيام فقد:
تغيّرت البلاد ومَن عليها
ودون رجوعها خرط القتاد
تلبّد في أفاق الفكر جهل
فأوجب كل شرّ في العباد (72)
ويفصّل شاعرنا مظاهر البؤس التي رانت على البلاد والتي منها أيضا بغي المترفين وتفاقم الظلم المؤذن بخراب العمران، على حد تعبير ابن خلدون:
يجور الظالمون وبعد حين
ويا ويل الذي في الكون جارا (74)
ينذرهم ويعيد عليهم ما قيل في فراعين الماضي:
قل للألى بغرور الملك قد فتنوا:
آثار من غبروا درس إلى الجيل (54)
وقت فسدت فيه الرعية بعد الراعي:
سرت المطامع في الورى
فجميع اهل الارض أشعب (103)
شعب فيه فاسدون وطمّاعون، ولكن فيه كادحون شرفاء، فإذا به يهتمّ بوضعهم على غرار ما فعله معاصراه الحامي والحداد، فهاهو مع عمال مات منهم من مات في حريق بمصنع:
وقد كان قبل الصبح يذهب باكرا
ليكسب أجرا قدر ما يحمل الظهر…
مضى عنهمُ صبحا وعاد إليهمِ
حريقا، فكيف اليوم يُمتلك الصبر (93)
ولكنه يلتفت إلى النخبة فيجد تذبذبا عكس الرواية الرسمية التي سادت بعد عقود:
فالشعب ينظر حائرا
لم يدر للزعماء مذهب (103)
تماما كما خاب ظنه في رجال الدين:
خطباء هذا العصر خطب في الورى
ووجودهم ضرب من النكبات
لا لوم إن تبدو المساجد فرّغا
والعذر بان لتارك الصلوات (90)
فإذا به يهبّ في أبناء البلاد خطيبا بدوره:
يا أهل تونس قومي استدركوا رمقا
من عزكم قد أراه اليوم منقلبا
هيا ادفعوا عنكمُ دهماء مظلمة
سحابها أرعدت ما أرسلت صببا (69)
الواقع نفسه كان يمر به ما جاورنا من ديار بني يعرب، وكذا الدعوة إلى نهوض بدأت بوادره هنا وهناك:
ما آن أن تنهضي يا أمة العرب؟ (70)
وفعلا فقد أطلّت بشائر إصلاح وتيار تنوير حمل رايته مصلحون كبار منهم الشيخ المصري محمد عبده، وقد عبر السويسي عن عرفانه لهذا العلَم العالم، وقال محزونا حين بلغه خبر وفاته:
والعلم منذعر لموت إمامه
وتصدعت مصر البلاد وهنده (194)
ويبدو أن دعوات شاعرنا للإصلاح قد ألّبت عليه أكثر من مؤلّب:
فكم خائن تحت الخفا يتستّر
وفي صحف الأعداء دوما يحرر (76)
يحررون في صحافة العدوّ، وأيضا في تقارير وشاية إلى سلطة المستعمر، وما لبث ذلك أن رمى به سنة 1897 في دياجير العقوبة والمنفى إلى الجنوب التونسي:
فكم فوّقوا نحوي سهاما من الأذى
وصاغوا من الأقوال كل مفنّد
رموني إلى الأعدا بكل سعاية
وصرت عن الخلان أشهر مُبعد* (45)
إبعاد زجري وتغريبة شقاء دونما شك، إلا أن المنفى يخفّ لظاه مع حفاوة توزر وأهل الجريد بضيفهم القيرواني، حفاوة بلسمت بعضا من جراحه وتركت فيه أثرا طيبا:
تجردت في ارض الجريد عن الضنى
وعافية ألبستُ قد حلها الركب
بها الهمم القعساء والفخر والأُلى
نموذجا في توزر صانها الرب (127)
لعلها نوع من التضامن الوطني يتجاوز الأشخاص إلى المصير المشترك، وها أن شاعرنا يَنشُد حب الناس فينشد:
انا شاعر كالطير حل بأرضكم
أغنّي على الأغصان في وضح الفجر
أريد التقاط الحَبّ بالحُب فيكمُ
فان لم أجد حُبّا رجعتُ إلى وكري (96)
ويختم بَوْحه باستشراف نهاية للطغاة شبيهة بوعيد الشابي في “حذار”، ولعلها نفس روح النبوّة الثائرة ترى بعين الشعر ما لا تدركه عيون الساسة:
أرى تحت الرماد وميض جمر
ويوشك أن يصير إلى اتقاد (73)
أما من حيث “التقنية” الشعرية، فيمكن أن نقول إن السويسي خزّاف متنوع الصنعة مشتغل على صلصال القصيدة في مجمل أغراضها، من الرثاء إلى الحماسة كما رأينا، إلى الهجاء وهو فيه جريريّ الإيلام:
يا ايها الاعور المنحوس طالعه
ابشر باخذ شديد البطش مقتدر (هجاء 189)
يعني قذفا وتهديدا، لم يكن سهلا هذا الرجل ! ومن الهجاء ينقلب صاحبنا إلى المدح، وهل خير من الرسول الأكرم مستأهلا لهذا:
يا (مصطفى) أنا في جمالك عاشق
ولقد تركت هوى الذي لا ينفع (50)
عشق واهتداء أيضا:
فكم ضل الذي قد تاه عشقا
ومن يهوى الرسولَ فلا يضلّ (52)
ولعل هذا الضرب من المديح النبوي أكرم وأسلم عاقبة من غيره:
مدحنا اناسا لا مروءة عندهم
وفعلهم من فعل ابليس اشنع (114)
عشق النبيّ، وأيضا عشق الجمال كأيّ شاعر، وهاهو صاحبنا في إحدى الغزليات:
قلت يا ربة الجمال انعطافا
فالغواني من طبعهن السخاء (219)
قبس من الشوقيات؟ نعم وهو معترف بذلك ومؤكد حبه لأمير القافية، ولكن ذلك لم يمنعه من صوغ رقائق أخرى تمس بعذوبتها الوجدان:
ارى الحب منقوشا على كل صفحة
من الكون حتى في النبات وفي التُرب
تعانُق أشجار وتغريد طائر
وتقبيل اوراق وزهر مع العشب
…. وفي جذب انواع الحديد لبعضه
بقوة تاثير غرام بلا ريب (221)
بل ويجنح إلى الوصف الحسّي ويتفنن في ذلك منتهجا منهج الموشح الأندلسي أو ما يقترب منه:
تلك العيون السود
حرب على الأُسود
وانظر الى الخدود
شقائق النعمان (224)
كما أن شاعرنا اعترته أحيانا حالات وجودية، فإذا بقصيدته تنضو فيلسوفا معرّيّا متأملا:
عيش ونعش معدّ
لنقل تلك الرفات (105)
ويختزل معاناته الطويلة بأسلوب مهجري:
قاسيت في هذي الدنا
كل العنا
ومآل جسمي للفنا
يوم الرحيل (107)
…وجبراني حينا آخر، ألم يصدع صاحب “العواصف” ذات يأس من حضارة مصطنعة (باطلة هي المدنيّة وكل شيء فيها)؟ كذا فعل السويسي القيرواني، ولكن بأكثر تجريحا، في قوله:
كل تمدين تراه
زخرفا من صنع وَبْش (113)
وينزاح التعبير حينا آخر إلى ألسنة الحيوان وقصص الغاب الآدمي في حقيقته:
فجاءت الطيور للحمائم
تشكو إليها فعل ذاك الظالم (81)
وحينا ثالثا إلى توظيف ديكورات ألف ليلة وليلة:
فطار ذاك القصر في الفضاء
وصار ذاك الجمع في هباء (84)
إنها النهايات التي عرفتها كل الممالك الجائرة، أكانت من أهل البلد أو من الدخلاء عليه، ولكن ليس ألطف منها ما ينتهي إليه شاعر بعد رحلة عمر:
فلا يكسب الشعر صاع شعير
فرحمة ربي على الشاعر (110)
رحم الله هذا الشاعر العتيّ الذي لم نفِه هنا كل حقه وهو الذي كتب في هذه الأغراض كما كتب في غيرها، وقال سخرية أيضا وفكاهة وصحافة وترسّلا ووصف مدن وطبائع ناس، وملأ الدنيا في زمنه كما أقفرت منه في أزماننا وذاكراتنا… وأطالت القدرة عمر صديقنا أستاذ الشعر والنثر عبد الرحمن الكبلوطي حتى يضيء أمامنا مزيدا من الدروب التي جهلناها أو التبست علينا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*بعد تعديل من المحقق، تلافيا لخطإ عروضي في أصل النص

بنات أفكار
“المسافة صفر” للشاعر وليد السبيعي… رحلة هوليوودية مع مآسي فلسطين
نشرت
قبل سنة واحدةفي
9 يناير 2025من قبل
منصف كريمي Monsef Krimi
منصف كريمي:
بعد عملين من جنس النثر وهما “الأزهر…الجنرال الفارس” و”حنبعل…الفرار الأخير” الصادرين سنة 2020 ومجموعتيه “لست أرى في النساء سواك” و”إلياذة تونس” المنشورتين سنة 2021 وروايته “أنطالاس” ومجموعته الشعرية “دراكولا الحب” المطبوعتين بالجزائر سنة 2022 ومجموعته “كل النساء…أنت” سنة 2023، صدرت مؤخرا عن دار وفاء للنشر المجموعة الشعرية “المسافة صفر” للشاعر وليد السبيعي وهو من مواليد سنة 1979 بالكاف وطبيب أسنان متخرّج سنة 2005 من كلية المنستير.

وجاءت هذه المجموعة في 91 صفحة ضمت بين دفتيها 31 نصا أدبيا مهداة كلها الى “الصامدين على آخر الأسوار… بدمائهم يردّون مغول العصر…” وإذ تنحت هذه النصوص من صميم واقع مرير يعيش على ايقاع حزنه الشعب الفلسطيني وفي ايجاز وتكثيف شعري يختزل هدير الموت ونبض الحياة من خلال مشاهد متضادة تمنح النصوص بُعدًا ملحميًّا يتجانس صوتيا ويتماثل تركيبيا ويتقابل دلاليا مع بعد غنائيّ اخر يجمع بين ثنائيّة الموتِ والحياةِ في لغةٍ إيقاعيّةٍ تتعاضد فيها الوظيفةُ التّأثيريّةُ والوظيفة الإنشائيّة.
يعتمد الشاعر في ديوانه هذا، إيقاعِ الحروفِ و التّوليدِ اللّفظيِّ بما يشكلِ نانصهارا في القضية الفلسطينية وعذابات أبناء غزة وعبر إيقاع جنائزيّ حزين ومن خلال صورٍ تجسّدُ فاجعةَ الموتِ والفقدِ و الوَجَعِ والألمِ فالشاعر اختار ان يكون لنصه معنى ومن منطلق قناعته انه لا معنى للكتابةِ و للإبداعِ مطلقا إنْ هو تخطّى الواقعَ وأقصاه.
كما تأخذنا هذه المجموعة في رحلة تبدأ واقعية حوارية عن ثنائية الحب والحرب والمعادلة الصعبة بين اليومي المتعوّد والألم والتشرّد وعذابات الذات وأوجاع التّاريخِ لتنتهي ملحمة شعرية تؤسس لأسطورة المارد الفلسطيني.
ويوغل النص الشعري في السرد وهو يروي حكاية الحياة اليوميّة للشعب الأبيّ في شكل درامي حواري أقرب الى السينما والصورة التي جعلت مما يحدث في غزة هوليوودا واقعية وخالدة عرى بها الشاعر زيف هوليوود ونفاق الغرب، وهنا تكمن قدرة الشاعر على صياغة نص جامع بين الفنون الشعرية والسردية الروائية والسينمائية الفرجوية لان عذابات الفلسطينيين أكبر من أن يعبّر عنها شكل ابداعي واحد.
وقد تمكّن الشاعر من خلال مجموعته هذه من تحويل الوجع الفلسطيني الى أسطورة ملحمية تختزل الصراع الأزلي بين قُوَى الحياةِ وقُوَى الموتِ ذلك انه كما قال عن هذه المجموعة الناقد “رضا الجبالي” في عصر التّغييبِ القسريِّ ومحاولاتِ القطعِ الجماعيّةِ يُكتَبُ الشّعرُ ليبقى ويخلُدَ”، وقد اشتغل الشاعر وهو جرّاح أسنان من خلال هذه المجموعة على رتق آلام الفلسطينيين وغرس جرعة أمل بالانتصار في بصيرتهم مستعملا لا الادوات الطبية بل أدوات شعرية خاصة به لم نعهدها في مجموعات شعرية مماثلة.
السبيعي جمع بين الشعرية والسردية والتصوير الحيّ عبر الكلمات للآلام والامال وهو ما يغري بمزيد استقراء هذه المجموعة التي جاء غلافها هدية من الرسامة الفلسطينية منال القدومي وهي حاليا طبيبة أسنان في فرنسا وقد سبق لها ان درست طب الأسنان في تونس،
يشار إلى أن وليد السبيعي نشر مجموعته “المسافة صفر” لتوزع مجانا وليست للبيع لقناعة الشاعر بأن فلسطين هي قضية شعب وعمر وليست مطية لربح المال.
استطلاع
صن نار
-
صن نارقبل 5 ساعاتحركة “فتح” في مؤتمرها الثامن: ما الجديد، وما مستقبل القضيّة؟
-
صن نارقبل 5 ساعاترام الله: طفل شهيد وإصابات… في هجوم للمستوطنين وقوات الاحتلال
-
صن نارقبل 5 ساعاتبعد فشل المفاوضات: استئناف القتال يبدو وشيكا… وإيران تلوّح برفع التخصيب إلى 90 بالمائة
-
صن نارقبل 5 ساعاترودريغيز: فينزويلا… لن تصبح الولاية 51!
-
صن نارقبل 6 ساعاتأكّدت على استمرار قوة إيران… ترامب يتّهم وسائل إعلام بلاده بالخيانة!
-
صن نارقبل يومينغزة: بحرية الاحتلال تعتقل صيادين… خرجوا لطلب الرزق!
-
صن نارقبل يومينالضفة الغربية: الاحتلال يقتحم مخيم قلنديا… واستشهاد شاب فلسطيني
-
صن نارقبل يومينلبنان: غارات الاحتلال تشمل عدة مناطق… والمقاومة تردّ بالمسيّرات والصواريخ
