تابعنا على

جور نار

رهائن في أيدي رهائن

نشرت

في

داء التفرقة و الاحتراب … من “التوتسي” إلى التونسي

هل وصلت البلاد إلى مرحلة الخروج عن السيطرة؟ توشك أن تكون كذلك، و لو لا بقية احترام للقوانين و مظاهر الدولة في بضعة مجالات، لقلنا إننا انتقلنا إلى حال الدولة الفاشلة … أو إلى ما بشر به أحد وزراء الداخلية السابقين الذي نبهنا إلى احتمال “الصوملة”، و نسي الهُمام أن يقول لنا بأن سيادته كان من بين الحافرين لأساسها …

عبد القادر المقري Makri Abdelkader
عبد القادر المقري

قبل 2011 كنا من بلاد العالم القليلة التي “لا يحدث فيها شيء” تقريبا … و هو تعبير كان يطلق طوال أيام الحرب الباردة على بلاد الكتلة الاشتراكية و أوكرانيا تحديدا … و المعنى ليس أنه لا أناس و لا حياة و لا أعمال خير أو شرّ تقع في تلك البلاد، بل أن الدولة تُطبق على كل حركة و كل من يتحرك … أي أنها الفاعل الرئيسي في كل ما يحدث و لا خبر يتسرب عن أفعالها و أفعال مواطنيها إلا ما تريد له هي أن يخرج إلى العالم و وكالات الأنباء و شاشات التلفزيون الذي لا يمكن إلا أن يكون رسميا … فالاقتصاد مخطط، و السياسة مخططة، و كذلك الثقافة و المجتمع و العلاقات و حتى نسبة النمو الديمغرافي و جنس الأجنّة الإيكوغرافي !

نعم … عشنا تلك الفترة بكل جوارحها و جوارحنا، و كم يجد المؤرخون اليوم مفارقة في تدوين تاريخنا الذي يبدو بعيده أسهل في التدوين من قريبه، و العثور على شواهد منقوشة في الحجر عن عهد قرطاج (على قلتها) و فترة الاحتلال الروماني (على كثرتها) و ما يلي ذلك من عهود مر اليوم عليها من الألف سنة فما فوق … قلنا العثور على شواهد من تلك العصور، كان أيسر من تدبير مقال أو خبر أو تحقيق يصف بأمانة حال تونس في الستين عاما الأخيرة … خاصة إذا بحثنا في أرشيف صحفنا المحلية و إذاعتنا و تلفزتنا الوحيدتين، اللهم إلا مباريات الكرة و أحوال الطقس …

تلك فترة مضت الآن، و لا فائدة في التثريب عليها و التشنيع على أصحابها، فلكل زمن أحكام و لكل ظرف مقال … و خاصة لكل مرحلة شطران من الكأس من الظلم النظر إلى أحدهما و تجاهل الآخر … و يمكن حتى الرجوع إلى أسئلة صحفيين أجانب عند بعض زيارات رئيسيْنا الأوّلين إلى العواصم الكبرى و استفهامهم حول غياب الديمقراطية عن نظامنا … و الجواب الذي كان يأتيهم تقريبا في كل مرة: “من المبكر الكلام عن ديمقراطية سياسية في مجتمع مبتلى بمخلفات قرون من الجهل و الفقر و الأمراض لعل أفتكها داء القبليات و العروشيات إلخ” …

كنا في سرّنا و في تراكننا نسخر من هذا الجواب، بل و نحنق عليه و كان منفيونا أكثر طلاقة في التعبير ضد هذا المنطق الرسمي المتكرر … و قد صدرت كتب كثيرة في المهجر عن حالنا و بأقلام تونسية لعل أجرأها كانت للمرحوم إبراهيم طوبال و الدكتور منصف المرزوقي (المفكر الحقوقي لا السياسي الساعي إلى الكراسي)، و خاصة كتاب التونسية الرائعة “صوفي بسيس” حول الزعيم بورقيبة و عهده في جزأين … و معها مجلة “جون أفريك التي كانت علاقتها مع سلطتنا القائمة تتراوح بين المد و الجزر، بين التصريح بالدخول أو الحجر …كما كانت تخرج هنا أو هناك مقالات كثيرة من منابر أجنبية أو تونسية مهاجرة، فيها ما هو لوجه الوطن، و فيها ما هو لأجل غايات لا علاقة لها بالوطن … ”

المهم … مر شريط الزمن كما أراد و جاءت أحداث 2011 و طوى التونسيون صفحة النظام القديم بما فيها من مرّ و أيضا من حلو أغفلناه في البداية و ها أن طعمه و ذكراه يعودان إلينا مع الأيام … نقف اليوم المسافة الضرورية التي يحددها المؤرخون للحكم على أشخاص أو أحداث بأعصاب هادئة و معطيات أنضجها الوقت و أكسبها نفيا أو إثباتا … و خاصة مكّنها من أدوات تقييم عادلة لعل أصدقها عامل المقارنة بما جاء بعدها من مراحل … و للعلم، فقد أخذت دولة مثل غانا مدة 12 سنة لكي تعرف قيمة فترة زعيمها الاشتراكي”كوامي نكروما” بعد الانقلاب عليه و تحطيم كل ما بناه من إرث إيجابي و سلبي … كذا فعلت شقيقتنا الإفريقية الأخرى “بوركينا فاسو” التي تردّ الآن الاعتبار لمرحلة وطنية طويلا ما تعرضت لظلم شديد، بعد اغتيال المناضل القاري الكبير “توماس سنكارا” …

من ملامح ما بعد 2011 تونسيا، أننا انتقلنا من النقيض إلى النقيض بسرعة لا تصدق … فبعد أن كنا نعيش مع حزب واحد، أصبح عدد الأحزاب عندنا يفوق المائتين … و بعد أن كان النظام رئاسيا فرديا صار برلمانيا متطرفا لا تعرف مَن المسؤول فيه مِن غير المسؤول … و بعد أن كانت مواقفنا الخارجية تتسم بحياد مطلق يكاد يكون غيابا، أصبحنا نهاجم أجوارا و أشقاء و نتدخل في شؤون غيرنا جهارا و نصطف وراء محاور ضد محاور و نرسل حتى أبناءنا ـ بالآلاف ـ للقتال في أرض غير أرضهم و قضايا غير قضيتنا … و بعد أن كان الاقتصاد موجها مسطّرا ليس بالغني جدا و لا بالفقير جدا و يضع كامل السكان تقريبا في أرض وسطى لا تشبع و لكنها لا تجوع، أصبحنا أمام منظومة ليبرالية متوحشة تحوي أصحاب المليارات (من الدنانير) و نابشي الحاويات بحثا عن سد رمق و لأول مرة صارت لدينا جيوش من فاقدي المأوى (أس دي أف) و أطفال شوارع لا يحصيهم حصر … و بعد أن كانت الدولة تتدخل في الكبير من شؤوننا و صغيرها إلى درجة كنا نضيق بذلك، أصبحت الدولة بعيدة عنا تاركة إيانا في حال سبيلنا و كل منا يتدبر أمره يأكل أو يجوع، يعمل أو لا يعمل، يقرأ أو لا يقرأ، يُضرِب أو يَضرب أو يُضرَب … لا يهمها في ذلك شيء …

في كلمة … تحولنا من “البلد الذي لا يحدث فيه شيء”، إلى البلد الذي تحدث فيه أحداث جسام و غرائب عظام و فرجة مجانية لأواخر النشرات و طرائف صحف العالم … العالم و ضواحيه بتعبير الشاعر آدم فتحي …

اليوم الدولة تتفرج … على نفسها أولا و قد تحولت إلى أهزل الصور و أسوإ المقامات، لا يحترمها مواطن و لا تقيم لها وزن دول أخرى مهما صغُرت … و أصبح رؤساؤنا بتعدادهم اللامحدود (واحد للدولة، و واحد للبرلمان، و ثالث للحكومة و رابعون و خامسون و سادسون في الأحزاب و اللوبيات و “الغرف المظلمة” كما قال الآخر) قلت أصبح رؤساؤنا يُستقبلون في الخارج من قبَل وزير و نائب وزير و رئيس بلدية حتى … و صار منصب الوزارة في متناول أي هابّ و دابّ، إلى درجة أصبحنا لا نحفظ أسماءهم و لا حتى أسماء وزاراتهم المتقلّبة من يافطة إلى يافطة، و كان الله في عون الخطاطين و صناع الأختام و في كل شهر لهم طلبية بتغيير كل الموديلات المتعلقة بالإدارات المركزية و الجهوية و المحلية الكثيرة … بل قل كان الله في عون المتعاملين مع إداراتنا التي يتركونها بعنوان ليجدوها من الغد بعنوان آخر و وجوه أخرى تنكرهم تماما و تنكر ما تعهد به أسلافهم المغادرون …

الدولة صارت تتفرج أيضا على المواطنين كل يسير نحو مصير يريده أو لا يريده و البقاء للأقوى، إنهاالغابة يا مولاي … قد يلائم هذا الوضع الكواسر من ذوات الظفر و الناب، و لكن ما حال أغلبية الحيوانات الوادعة المقصوصة الجناح و اليد الضاربة؟ … و ما حال شعبك الزاخر بالكائنات السفلى قاصرات و قصّرا؟ … و من يتذكّر تلك الجهات النائية التي لا تعثر فيها بغلة عمر، بل تسقط ابنة عامل بسيط في بالوعة، و يهوي طبيب شاب في هوّة قفص أسانسير؟ … و من يستمع لأحد عشر مليون صرخة وجع، في ليلة دهماء من ليالي ديسمبر الأصمّ؟؟

الطبيعة لا تحب الفراغ، و داروين قال لنا من زمان بأن في الأدغال من لا يقتل يُقتل، و نفس الكلام قاله شاعرنا الجاهلي حول الذي لا يذود عن حوضه بسلاحه … عندما تغيب السلطة و لا تأخذ حق مظلوم فهي تقول له خذ حقك بيدك … و هذا تقريبا ما هو بصدد الحصول في شمال البلاد و جنوبها … الحق هو القوة و القوة اتفقنا منذ 3 آلاف سنة (هي عمر الدولة التونسية المستمرة) هي احتكار للدولة إلا في ما ندر من مراحل … القوة المسلحة و لكن أيضا القوة موزعة الخيرات و الأدوار و ساعات العمل و أجور العاملين و جرايات المتقاعدين و هوامش أرباح التجار و مكوس الجمارك و ضرائب الشركات و رجال الأعمال …

هذه هي الدولة التي اتفقنا عليها و رضينا بها و سلمنا لها كل شؤوننا إلى حد الاستسلام … و هي نفس الدولة التي كانت تجمعنا تحت علم واحد و نشيد و جنسية أوراق مدنية و شعب واحد بأربع و عشرين ولاية و 300 معتمدية و ألف قبيلة و ما يزيد عن مليوني عائلة و دفتر عائلي … و ما أن انفرط عقد الدولة، حتى انقسمنا من جديد و عادت إلينا غرائز التوحش و انقلبت بيوتنا إلى مغاور و طالت لحانا حتى لامست التراب و تحولت أقلام الكتابة (التي كنا نحرر بها شكاوانا إلى الإدارة السابقة المنصفة نسبيا) في أيدينا إلى هراوات غليظة و حراب مسننة بحجر الصوّان …

إن ما يحدث هذه الأيام ليس تطاولا على الدولة كما يردد البعض، فالدولة كائن متخيَّل لواقع هو نحن … إنما هو عملية انتحار جماعي بدايته لعبة مسلية و نهايته إبادة عامة أو دخول استعمار مباشر … و لا تتسرع حبيبي و لا تقل إن عهد المستعمرات قد ولّى، فها أمامك دول أقدم و أعرق تنهار و تُسلب سيادتها بأسهل مما تصوّرت هي و نتصور نحن الآن … و عادت إلى وضع التابع الخاضع المستعبَد، منذ أن حارب بعضها البعض الآخر، و قطع الرزقَ جزء منها عن جزئها الآخر، و رفض قسم منها العيش مع القسم الآخر …

في حين أن دولا أقل تاريخا و تماسكا موروثا، و لكن أقل جهلا و عماية، نجحت في التوحّد رغم أنه في بلجيكا توجد قوميتان رئيسيتان، و في سويسرا ثلاث قوميات، و في “رواندا” هوتو و توتسي بينهم ثأر بملايين الجثث … أما في الهند فمجرّة من الأقوام و الديانات و اللغات و الأحزاب و الميولات، بعدد حجارة نهر “الغانج” من المنبع إلى المصبّ ّ …

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

موقف الدول العربية من الاعتداء الوحشي على غزة:

صن نار