تابعنا على

دفءُ نار

الوزارات التونسية اليوم بحاجة إلى زعماء صناديد لا إلى وزراء موظفين

وزارة التربية نموذجا …

نشرت

في

يقول فيكتور هيغو “إن سقوط الرجال العظماء يُحوّل التّافهين و الصّغار إلى أناس مُهمّين…و عندما تشرف الشمس على المغيب في الأفق، يُصبح بإمكان أصغر حصاة أن تصنع ظلا كبيرا و تتوهّم أنه أصبح لها شأن” (مترجم).

منصف الخميري Moncef Khemiri
<strong>منصف الخميري<strong>

إن الأزمة التي تمرّ بها تونس اليوم على كل المستويات السياسية و الاقتصادية و المالية… أصبحت أزمة مُركّبة و عميقة و مُنذِرة بتداعيات خطيرة جدا على السّلم الاجتماعية و السيادة الوطنية و مدنية الدولة و مركزيتها و أمن البلاد و استقرارها.

و كأنّ بلادنا أصبحت غير قابلة للحُكم اليوم أمام استفحال الأزمة و شمولها لكل القطاعات و المرافق العمومية بدون استثناء، و لأن المرحلة التي كان التونسيون يتحدثون فيها و بحماس شديد عن الإصلاحات الكبرى أي اصلاح المالية العمومية و الصناديق الاجتماعية و إصلاح منظومة التربية و التعليم و الصحة و النقل العموميين…أضحت مرحلة منتهية تجاوزتها تطورات السنوات الأخيرة و التي تميزت خصوصا بـــ :

  • فقدان الأمل و الثقة في إمكانية استرجاع الدولة لمكانتها المتآكلة أصلا و بالتالي قدرتها على إجراء أية إصلاحات جوهرية كفيلة بإنقاذ قطاعات استراتيجية متداعية للسقوط والانهيار التام.
  • إفراز الانتخابات لنُخب سياسية لا تحمل أي مشروع حقيقي للإصلاح بل أكبر هواجسها (بالنسبة إلى العدد الأكبر من الذين يتصدّرون المشهد البرلماني بصورة خاصة) السعي إلى الإثراء السريع و ردّ الجميل للّوبيات التي دفعت بهم هناك أو التحصّن بمؤسسات الدولة للإفلات من الملاحقة القضائية أو كذلك الاستمرار في المحاولات الناعمة لتركيز دعائم المشروع المجتمعي الجديد الذي رأينا مؤشرات قوية له في 2011 و 2012 و 2013 بصورة خاصة (استعراض القوة العضلية و حتى المسلحة، الاغتيالات الفكرية و السياسية على قاعدة التكفير، التعليم الموازي، الخيم الدعوية، التّجنيد و التّسفير، الشّرطة الإسلامية، الخ…).
  • استفراد السياسي (باسم شرعية الصندوق و ديكتاتوريته) بالرأي خاصة التشريعي منه و إرغام معظم الكفاءات و الخبرات على الانسحاب القسري من المشهد حتى تعطّلت كل المرافق و أصبح الحديث عن الاصلاح من قبيل الترف و تمضية الوقت.

إذا كان الإصلاح – بما هو ترسانة كبيرة من المراجعات و التجديدات الجذرية و المُكلفة- له ثمن باهظ، فتأجيل الإصلاح له ثمن أكثر فداحة بكثير.

لنأخذ مثال إصلاح قطاع التربية والتعليم و التكوين نموذجا. تأجيل الإصلاح يعني (ببساطة و في غير رؤية تحليلية تليق بالدراسات الأكاديمية المتخصصة) :

  • تواصل النزيف بعشرات الآلاف من التلاميذ المُغادرين سنويا لمقاعد الدراسة بدون توفر الحد الأدنى من التحصيل و التكوين المؤهِّلين للاندماج في الحياة.
  • مساهمة تفشّي وباء كورونا و اعتماد نظام الدراسة بالتّفويج (كما يقول إخوتنا في الجزائر) و ارتفاع نسب الغيابات و مقاطعة بعض الدروس و اندثار دفاتر المناداة … في التّقليص من حجم المكتسبات الدراسية و المعرفية بما ألقى بآلاف الشباب واليافعين في شوارع و أزقّة وبِطاح و “طوابي” و خرائب تنمو فيها كل أنواع الحشائش و الطفيليات و الفطريات المُبيدة.
  • تواصل العمل بمسالك و شعب دراسية في الثانوي و في التعليم العالي هي عبارة عن “منافذ مستودعات” لا تؤدي إلى فرص حقيقية لا دراسيا و لا تشغيليا.
  • استمرار اختلال التوازن المُريع بين الجهات و المؤسّسات التربوية داخل نفس الجهة تحصيلا و تأطيرا و فرص نجاح.
  • اختلال التوازن بين الشعب الدراسية الذي أخذ أبعادا مُرعبة خلال السنوات الأخيرة حيث تورّم حجم الشعب القاحلة و العقيمة (الآداب و الاقتصاد و التصرف على نُبلهما)على حساب الشعب العلمية التي تكاد تندثر في بعض الجهات و بعض المعاهد (نعم تكاد تمّحي تماما من بعض الجهات !)… و إذا اعتبرنا أن أنجب التلاميذ يختارون الشعب العلمية … لكم أن تتصوروا طبيعة المآسي المنجرة عن الزجّ بأجيال كاملة في شعب لا تؤدّي إلى أي شيء أو تكاد.
  • ارتفاع منسوب اليأس في صفوف العائلة التونسية و المنجرّ عن اعتبار التعليم العمومي لم يعد يتّسع للأسف إلا لنسبة مائوية ضئيلة بمقدورها التأقلم مع مقتضيات بعض الشعب العلمية و خاصة الرياضيات في الثانوي و بعض العروض التكوينية الجادّة في التعليم العالي فحسب.
  • التقدم خطوات حثيثة أخرى في تهميش منظومة التكوين المهني و توقّفها عن لعب دور الرافد الأساسي لاستيعاب الموهوبين يدويا و حِرفيّا و مهاريا و فتح معابر مستجدّة أمام من لا يستطيعون متابعة الدراسات التقليدية الطويلة و توفير كفاءات تقنية متوسطة في مجالات عدة مجتمعنا (و حتى سوق الشغل العالمية) في أشدّ الحاجة اليها من ناحية اخرى.

هذا جرد لبعض الإخلالات الكبرى التي تنخر منظومتنا التعليمية و تُهدّد بتهاويها التام اليوم، و لوْ يُتاح لي شخصيا أسبوعا تشريعيا و تنفيذيا واحدا لعرضت على التصديق جملة من الإجراءات العاجلة الكفيلة حسب اعتقادي المتواضع بإيقاف النزيف و إنقاذ ما تبقّى من بناية المدرسة التونسية العريقة، و ذلك على النّحو التّالي :

أولا : إرساء هيئة وطنية مستقلّة تماما و تتكوّن من خبراء الوزارات الثلاث : التربية و التعليم العالي و التكوين المهني (في ظل عجز الدولة عن توحيدها) من أجل ضمان الانسجام و الترابط بين الإصلاحات الموضعيّة التي من المفروض إقرارها بداية من السنة الدراسية و التكوينية و الجامعية القادمة.

ثانيا : بعث بنك وطني للتربية تتأتّى موارده بصورة أساسية من أداءات قارّة تُوظف على الثروات الكبرى و الشركات الأجنبية العاملة بتونس و المساهمات الطوعيّة للتونسيين العاملين بالخارج و سائر المدافعين عن المدرسية العمومية من الميسورين… و يعتني بصورة أساسيّة بتعهد المنشآت التربوية و تجهيز مراكز التكوين و دعم المخابر الجامعيّة البحثيّة.

ثالثا : إعادة الاعتبار للمطالعة باللغات الثلاث و التعبير الشفوي و إقرار إجباريّتهما و إقرار خطة وطنية في المجال و إسنادها تكوينا و تحفيزا و تأطيرا. ولم لا رصد رُبع الميزانية المخصصة لتنقل إطارات الدولة و نواب البرلمان إلى الخارج من أجل تمتيع المعلمين و الأساتذة و التلاميذ المتميّزين في هذا المجال بإقامات لغوية في بعض البلدان المعنية بتلك اللغة ؟ !

رابعا : وضع هدف وطني يُطلق عليه “هدف الــ 1 % زيادة في نتائج الباكالوريا في كل الجهات” مع ضمان مقاومة “المنشطات المغشوشة” … و إذا تبيّن أن الارتقاء بنسبة 1 % في النتائجممكنة فذلك يعني منطقيا أن تدني النتائج ليس قدرا محتوما و أن وزارة الإشراف تمتنع قصدا عن بذل مجهودات هي قادرة عليها بالوسائل و الامكانيات و الموارد المُتاحة حاليا.

خامسا : القيام بمراجعات أولية فورية في خارطة المسالك و الشعب من خلال اطلاق خطة وطنية للنهوض بالرياضيات و المواد العلمية و حذف شعبة الإعلامية (مع الإبقاء على الاختصاص  كمكوّن أساسي في باقي الشعب) و التقليص ‘لى أدنى المستويات من عدد الموجهين إلى شعبتي الاداب و الاقتصاد و التصرف (10 بالمائة على أقصى تقدير) و تعميم مخابر التقنية على كل المعاهد.

سادسا : إدراج المسالك التكوينية المُمهننة كمسالك توجيه رسمية ضمن المنظومة التعليمية و التكوينية بصورة عامة بعد التاسعة أساسي (بالنسبة الى كل من لا يتوفّر على إمكانيات حقيقية لمواصلة الدراسة بالتعليم الثانوي الطويل)… و خلق معابر تنافذ مرنة بين المنظومتين في كل المستويات الدراسية مع تمكين تلاميذ مستوى المؤهل التقني اختياريّا من اجتياز امتحان الباكالوريا و الحائزين على المؤهل التقني من الالتحاق بالتعليم العالي (كما هو معمول به حاليا فيما يخص حق الحائزين على الباكالوريا من الالتحاق بمسالك التكوين المهني في مستوى مؤهل التقني السامي).

سابعا : تخفيف العبء على تلميذ الباكالوريا من خلال إعفائه من دراسة المواد التي لا يحتاجها مُطلقا في توجيهه الجامعي كل حسب نوع الباكالوريا الذي ينتمي إليه.

ثامنا : الاستعداد لوجستيّا و على مستوى الموارد البشرية للاستفادة القصوى من التدفّق العالي للأنترنات بحلول تكنولوجيا الجيل الخامس.

تاسعا : الإعلان بصفة مبكّرة عن إجبارية امتحانات السادسة ابتدائي و التاسعة إعدادي.

عاشرا : مراجعة النظام التأديبي بصورة فوريّة باتجاه فرض أكثر صرامة و التزام بالضوابط المدرسية (مثل زجر المخالفات و منع الهواتف الجوالة و فرض الزي الموحد في المدارس الابتدائية…).

لا أعتقد مُطلقا أن التذرّع بالاعتراض المحتمل للنقابات و الأحزاب والجمعيات له ما يبرره لأن جل هذه المقترحات لها وجاهة مفروغ منها و تستفيد منها كل المجموعة الوطنية بصفة آنية و مباشرة…إلا بالنسبة إلى من يُرضيه الوضع القائم و يخدم مصالحه.  

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

دفءُ نار

رمضان.. و حالة الطوارئ الغذائيّة…

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبير عميش:

حالة طوارئ لدى العائلات، فمنذ أيام وحتى قبل حلول شهر رمضان بدأ الاكتظاظ والازدحام… حركة المرور تكاد تكون مشلولة… طوابير من السيارات أمام المغازات الكبرى وصفوف أمام محلات صنع المرطبات والحلويات وأمام باعة اللحوم والدواجن والأسماك والخضر والغلال والفواكه والتوابل… وما تسمع كان “آش حضّرت لرمضان؟” وتتواصل هذه اللهفة وهذه المظاهر حتى بعد حلول الشهر.

حالة طوارئ لدى الدولة، وهي تُطمئن الشعب عبر بلاغاتها بأنها تمكنت من تخزين لا أدري كم من مليون بيضة وأنها ضخّت كميات إضافية من الزيت النباتي المدعّم ومن السكر والفارينة، وحالة استنفار لدى المسؤولين الذين يؤكدون على تسعير اللحوم وعلى الصرامة في مراقبة عمليات البيع ويهدّدون المخالفين ويتوعدونهم (لكن في بلادنا ديما الواقع يخالف الكلام والمواد المدعومة ناقصة أو مفقودة وأسعار الحكومة موش هي أسعار الواقع).

حالة طوارئ في الإذاعات والتلفزات ، فلا تجد سوى أحاديث عن قضْية رمضان ومواكبة لواقع الأسواق ولا تسمع إلاّ برامج الطبخ والتصنيف ولا تتابع إلا إعلانات عن الطعام هذا للإفطار وهذا للسهرة وهذا للسحور…

حالة طوارئ في الشوارع والمجالس، فلا ترى إلا اللهفة في العيون ولا تسمع إلا اشنوّة المنيو الليلة؟ وحديثا عن الشوربة والبريك والسلايط والطبق الرئيسي والحلويات ولوازم السهرة.. كل هذا من أجل شهر الصيام الذي يفترض أنّه مجعول للتراحم والاحساس بالفقراء والزهد والاعتدال.. فرمضان في جوهره ليس شهر الإفراط في الطعام، بل شهر التخفف، وضبط النفس، وتغيير العادات الغذائية، وفرصة للتخلص من التخمة والسكريات والوزن الزائد. والصوم هو مدرسة للصبر والتوازن، لا موسما لمضاعفة الاستهلاك…

لكن في بلادنا وفي البلدان العربية خرج رمضان من غايته ومقاصده الأساسية ليصبح شهر الاستهلاك بامتياز إلى درجة أن البعض يستدين أو يقترض لمجاراة نسق الاستهلاك العالي، وصارت المائدة هي الغاية وصرنا نرى القيمة في تعدّد الأطباق، ونسينا أنّ رمضان فرصة لإصلاح علاقتنا مع ذواتنا ومع أجسادنا وأنّه ليس سباقا نحو الموائد… بل عودة نحو القيم… وأنه شهر الرحمة موش شهر اللحمة، وشهر الرأفة موش شهر اللهفة.

أكمل القراءة

دفءُ نار

بورِك رمضانكم

نشرت

في

(اللوحة من تصميم الفنان الكبير محمد الأطرش)

Motif étoiles

أكمل القراءة

دفءُ نار

مُراكمة اللّغات بدلاً من تحاذُفها*  

من أجل تعزيز القدرات التواصليّة للتلميذ، عوضا عن تعليم القواعد الحجريّة منذ الطفولة الأولى

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منصف الخميري:

تفاعلا مع ما يجري من نقاش في الآونة الأخيرة حول واقع تدريس اللغات في بلادنا وتراتبيّتها الهيكلية وتدنّي المستوى العام للتلميذ التونسي، لا فقط في اللغات الأجنبية بل وفي اللغة العربية الأم كذلك، يهمّني أن أدلي ببعض الملاحظات بهدف الوقوف على بعض أوجه هذه “العلّة” الحقيقية التي تُعيق نجاح بناتنا وأبنائنا وتميّزهم وبهدف صياغة بعض المقترحات التي قد تساعد على تجاوز واقع الحال.

ما يُلاحظ أوّلا

أن المستوى العام لتلاميذنا في اللغات وكذلك في الفلسفة باعتبارها مادة مؤثرة وباعثة على التفكير المنطقي على طول مسار التلميذ حتى في التعليم العالي وفي المسارات العلمية والهندسية (أنظروا في هذا الصدد الاثار الفلسفية والفكرية المُبرمجة سنويا في الاقسام التحضيرية العلمية للمدراس الهندسية الفرنسية الكبرى) كما تعبّر عنه المعدلات المُحرزة في الباكالوريا، هو مستوى متدنّ للغاية لا يُساعد في كل الأحوال على مباشرة دراسات جامعية تتطلب مهارات لغوية وتواصلية كبيرة مهما كان حقل الاختصاص. إذ أن :

  • 54.41 % من المُحرزين على الباكالوريا تحصلوا على 10 أو أقل من عشرة في مادة العربية في كل الباكالوريات مجتمعة (76180 ناجح سنة 2025).
  • 39.37%  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الفرنسية
  • 32.64 %  تحصلوا على عشرة أو أقل في مادة الانكليزية
  • 60.12 %  تحصلوا على عشرة أو أقل  في مادة الفلسفة

وهذا يعني أن ضعف مستوى ناشئتنا في لغتهم الأم يُثير مخاوف أكبر من تلك التي يُثيرها ضعف المستوى في اللغات الأجنبية، بالرغم من “اليُسر العام” في اختبارات امتحان العربية في الباكالوريا التي تُضاهي مستوى امتحان التاسعة أساسي كما يُقرّ بذلك السادة المتفقدون. وقد يعود هذا “الجفاء” إزاء الفُصحى إلى وعي تلميذ اليوم بأن اللغة العربية لن تعترض سبيله في جميع المسارات الجامعية إلا إذا اختار شعبة اللغة والآداب العربية من ناحية، ومن جهة أخرى إلى عدم سعي الدولة منذ عقود – رغم براعتها في تصريف اللغة- إلى تفعيل العربية لتكون لغة ناقلة للعلوم والتكنولوجيا والمعارف المختلفة، كما هو الحال بالنسبة إلى الصينية أو اليابانية أو الفارسية أو التركية عندما تمّ تحطيم الأسطورة القائلة بأن “العلوم تلينُ –طبيعيا- للّغات الأوروبية”. مع الاعتراف كذلك بأن الانزياح القائم اليوم بين العامّيّة والفصحى la diglossie في لغتنا يزيد الأمر تعقيدا إضافيا لا تعاني منه بلدان أخرى مثل روسيا أو الصين أو كوريا الجنوبية.

ثانيا : تدنّي مستوى تلاميذنا في اللغات هو عابر لجميع الباكالوريات، لكنه أكثر فداحة في شعب مدرسية بعينها : الاداب، والاقتصاد والتصرف، والإعلامية أساسا.

إن نسبة التلاميذ الذين لا يحصلون على المعدّل في العربية تساوي 70% في الباكالوريا آداب و69 % في الباكالوريا اقتصاد وتصرف و 65.38 %  في علوم الاعلامية (هل تشابه النسب الثلاثة هو مجرد صدفة ؟ لا أعتقد شخصيا ذلك) . بينما لا تتجاوز هذه النسبة الـ 14.11%  في باكالوريا رياضيات ! ومن المفارقات  أيضا أن نسبة الحاصلين على أكثر من عشرة في مادة العربية تصل إلى 65.71 % في باكالوريا علوم تجريبية بينما لا تتجاوز 25.89 % في باكالوريا آداب على سبيل المثال.

ولتدعيم هذه الحقائق، فإن :

من تحصلوا على عشرة أو أكثر في الفرنسية باكالوريا آداب، تساوي نسبتهم  30.30 %  مقابل 81.58 % في باكالوريا رياضيات.

أما من تحصّلوا على أكثر من عشرة في مادة الانكليزية فنسبتهم تساوي 36.27 % في باكالوريا آداب في حين تبلغ 86.68 % في الرياضيات و 47.47 % في العلوم التقنية و 58.14 % في العلوم التجريبية.

وفي مادة الفلسفة، كانت معدلات الشعب العلمية أفضل من باكالوريا آداب، حيث بلغت على سبيل المثال نسبة المتحصلين على عشرة فما أكثر  46.19 %   في الاداب مقابل 54.17 %  في الرياضيات.

ذلك يعني – في ما يعنيه- أن ما تكسبه منظومتنا التربوية من جودة على مستوى تملّك اللغات بفضل جيوب التميّز في الباكالوريات العلمية بصورة خاصة، سرعان ما يتلاشى على مستوى المعدلات العامة جرّاء تدهور مستوى الملتحقين بشكل جُزافي يفرضه غياب البدائل الأخرى نحو شعب الآداب والاقتصاد والتصرف وعلوم الاعلامية بصورة خاصة.

وبناءً على ذلك، يصحّ القول بأن أزمة اللغات في مدرستنا التونسية هي أزمة مُركّبة تتداخل فيها طبيعة البيداغوجيا المُعتمدة في تدريس “التكلّم الصّرف المُنهمر دون كلفة أو وجل”  قبل “كيف نتكلّم ووفق أي قواعد نتكلّم” ومستوى تكوين المُدرّسين وغياب التوجهات الوطنية الواضحة (غير الشعاراتية) للدولة وهيكلة التعليم وما يُعرض من شعب ومسالك إلى جانب ما يغيب من معابر ومختصرات.  

ثالثا : النحو الداخلي بواسطة الشفاهي والتواصل في وضعيات ذات معنى بالنسبة إلى التلميذ بدلا من قصفه منذ بدايات ابتهاجه بمفاتن اللغة، بما اختلفت فيه البصرة والكوفة والتمييز بين المفاعيل عندما يبدأ التأويل.

يبدو أن تلميذنا التونسي لا يُقبل على درس اللغة – مهما كانت هذه اللغة- بشكل فيه فرحة التعلّم وبهجة التعبير عن مشاعره والدّفع بما يعتقده صحيحا أو خاطئا…خوفا من الاصطدام بقواعد اللغة الصمّاء والاشتباك غير محمود العواقب مع شرطة العدد والمعدود والممنوع من الصرف وخشية التّيه في متاهات اللغو والوقوع في شراك حِباله التي كلما صعدت درجة وإلا وزاد طولها ورعونتها. من الأمثلة الناجحة اليوم ـأكثر من غيرها- في إقدار الأطفال على تعلّم اللغات (الوطنية والأجنبية على قدم المساواة) هي اللوكسمبورغ وسنغافورة، حيث تُمارس ما يُسمّى بالمقاربات الانغماسية في تدريس اللغات (يعجبني شخصيا أكثر تعبير تعلّم اللغات بواسطة المعايشة أو بواسطة الغَمر، كما في تقنية السّقي الزراعي) بحيث لا تكون اللغات “مواد مستقلة بذاتها تُدرّس بشكل قواعدي صرف” بل تكون بمثابة  قنوات للريّ اللغوي غَمرا أحيانا وقطرة قطرة أحيانا أخرى، من خلال وضعيات لعبيّة مرحة وألعاب أدوار تواصليّة مُحفّزة … خاصة في المراحل التعليمية الأولى. فلا يتمّ بالنتيجة تبجيل البعد الهيكلي (النحو) على البعد الاستعمالي الحيّ (الحياة) حتى لا يُكبّل اللسان قبل أن ينطق بعدُ.  

يقول أصحاب هذا التوجّه بأنه لا يجب أن نُعطي الطفل دروسا تشريحية حول مهمة العضلات والأنسجة والأوتار من أجل تعليمه كيف يمشي، لأن الانسان يتعلم المشي من خلال فقدان التوازن والمحاولة والخطأ والغريزة… فإذا كان النحو هو التركيبة البنيوية للغة فالكلام هو حركتها.

رابعا وأخيرا : لا نُواجه ظاهرة ضعف تلاميذنا في اللغات، بالعقاب والمنطق المردود بعد الباكالوريا !

بعد حصولها على معدّلات الباكالوريا للتلاميذ وأعدادهم في كل المواد التي تمّ اجتياز الامتحان فيها، تعمد وزارة التعليم العالي إلى احتساب ما تُسمّيه بمجموع النقاط لترتيب التلاميذ وتوزيعهم على مختلف مسالك التكوين لديها (اعتماد الحساب مع الاستئناس باختيارات كل مترشح للتوجيه الجامعي وكيفية ترتيبها).

هنالك إجراءان لافتان للانتباه في هذا الخصوص وجب التوقّف عندهما :

– يتكوّن هذا المجموع من عنصرين أساسيين هما المعدل العام للتلميذ في الباكالوريا ضارب 4 يُضاف إليه 6 ضوارب خصوصية أخرى موزّعة على المواد الأساسية في كل شعبة من شعب الباكالوريا (مثلا بالنسبة إلى الرياضيات يُضاف الى المعدل العام ضاربان للرياضيات وضارب ونصف للعلوم الفيزيائية ونصف ضارب لعلوم الحياة والأرض وضاربان للفرنسية والانكليزية …). بمعنى أن معدلات التلميذ في الباكالوريا، المتدنية بصورة عامة  تُحتسب مرتين في هذه الحالة : مرة في المعدل العام ومرة ثانية في الضوارب الخصوصية…بما يجعل منه إجراءً عقابيا لا موجب له، يُعيق التلميذ في الحصول على ما يرغب فيه بدلا من تحييد هذه الهِنات وتذليل تبعاتها.

– إضافة أعداد الفرنسية والانكليزية إلى مجموع النقاط (المُحتسبة بعدُ في المعدل العام) برّرته وزارة التعليم العالي حين إقراره بـ “ضرورة تحفيز تلميذ الباكالوريا على تحسين مستواه في اللغات الأجنبية” وهذا ضرب من الديماغوجيا الصرفة لأن التلاميذ لا يهمّهم الاطلاع على كل هذه التفاصيل الفنية إلا بعد نجاحهم النّاجز ومواجهة استحقاقات ما بعد الباكالوريا.

ونقول في النهاية بدون أي تحفّظ إن:

إيجاد روافد إسناد لغوي خارجي في العائلة والمحيط ووسائل الاعلام (لا وجود لأي برنامج إذاعي أو تلفزي جادّ أو ترفيهي حاليا في تونس يُعنى باللغة أو الثقافة) وحسم ازدواجية تدريس العلوم باللغة العربية ثم اللغة الفرنسية بشكل جريء وبعيد عن الهوويات الكريهة والتمسك بـ “فرنسية” لم نخترها على حدّ سواء، ومراجعة الطرائق التي نُدرّس بها اللغات، وإيجاد الحوافز المُجزية لمدرّسي اللغات خاصة في المناطق المنسيّة حتى ننهض بمستواهم .. وغيرها قد تشكّل حزمة من الاختيارات التي تُساعد على إطلاق ألسنة ناشئتنا بما يُصلّب عودهم دراسيا وشغليّا، ويُخرجهم من مُربّع اليُتم الحضاري وفقدان السّند اللغوي المطلوب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* التحاذف، كلمة فرضها سياقها في علاقة بدعوة البعض إلى قلب الهرميّة المعتمدة وجعل لغات معينة تحذف أخرى.

أكمل القراءة

صن نار