تابعنا على

جور نار

أشياء حزينة علّمتنا إيّاها مدرستنا التونسية

نشرت

في

أن تُعلّمنا المدرسة قيما إنسانية متّفق عليها كونيّا فهذا ما هي محمُولة عليه، وأن تُدرّبنا على فكّ رموز الخطّ وأسرار العدّ والحساب فهي كذلك وظيفة من أجلها تأسّست، وأن تكون رافدا موازيا للحضن العائلي يُكمّل التنشئة ويُغنيها، فذاك دور طبيعي تضطلع به المدرسة في كل أرجاء الكون.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

ولكن عندما يحدث أن تُختطف المدرسة أحيانا لتُعلّمنا أشياء حزينة ستُعيق نموّنا وحظوظ نجاحنا في ما بعد وتُرسّخ فينا ما يشبه الإحباط والخنوع وإلغاء مَلَكة العقل والتفكير النقدي…، حينئذ، يتوجّب الحذر والتيقّظ بل والتوقّف من أجل طرح السؤال: لِمَ نُدرّس هذا ولا نُدرّس ذاك ولِمَ نعتمد هذا التمشّي ولا نعتمد ذاك، وأيُّ قيم مشتركة نمرّرها وقيم ذاتية خاصة ندعُها لبيوتنا وخلواتنا ؟

والذين يختطفون المدرسة إمّا دُعاة واعون بأن لديهم مشاريع تبشيريّة ليس هناك أفضل من المدرسة لتكريسها باعتبارها المُحتكر الوحيد للتنشئة المجتمعية، وإما مسؤولون وبيداغوجيون تلتبس عليهم الفضاءات والسياقات فيعجزون عن التمييز بين مائدة الغداء مع أطفالهم وسبّورة الدرس أو ساحة المدرسة مع تلاميذهم، والتفريق بين ما ينفع الناس وبين ما قد يُودي بحياتهم ويهدّد مستقبلهم.

إن الوقوف بروح نقدية جريئة على ما علّمتنا إيّاه مدرستنا التونسية يساهم بشكل ما في الانتباه إلى جملة من السلبيّات غير المرئيّة، ويسمح بتحصين الإصلاحات المرتقبة والنأي بها عن إعادة إنتاج نفس الممارسات والسّلوكات المنحرفة.

مدرستنا علّمتنا المُخاتلة وعدم قول الحقيقة :

كان أغلب معلّمي ستّينات وسبعينات القرن الماضي يتسابقون في طرح ذلك السؤال التاريخي “أين قضّيت عطلتك؟” ربّما تأثّرا بنظرائهم الفرنسيين الآتين من بيئة يترسّخ فيها تقليد خروج العائلات نحو الجبال ومحطات التزلّج ومدن الضواحي وأريافها خلال العطل، وكان أغلب تلاميذنا يُجيبون بنفس الطريقة “في جِبال عين دراهم” …والحال أن لا أحد فينا تقريبا وطئت قدماه وادي الزان أو عين البيّة … قد يقول قائل “ولكن هذا خيال، والتخيّل مطلوب بالنسبة إلى النمو الذهني والعاطفي لدى الطفل”. نعم، ولكن هل يمكن أن نتخيّل عالما لا نعرف عنه أي شيء ؟ وبدلا من ابتداع وِجهة متخيّلة، لمَ لم يشجعونا على وصف أشياء حقيقية عشناها ومارسناها من خلال طرح السؤال بشكل آخر : ماذا فعلت خلال عطلتك ؟ أو صف الجهة أو الحي الذي تقطن فيه.

هذا إلى جانب تحريضنا دائما على الاكتفاء بوصف الحقول الغنّاء وجداول المياه العذبة والمزارع الخصبة والغابات السّاحرة والعيون الصافية والعصافير المُنشدة وأزهار الأقحوان وشقائق النّعمان…وهو عالم يانع يليق بطفولة مزهوّة بصباها وحبورها لكنه يظل عالما مبتورا إذا لم نُحفّز في نفس الوقت على وصف جانبه الآخر الأكثر ظلمة والذي لا تكسوه دائما الثلوج البيضاء بل الحقول الجرداء والبطون الخاوية والشُّرب من الغُدران والشموس الحارقة والرياح الماحقة والملابس البالية والحلم بقطعة حلوى لا تلين لها جيوبنا الفارغة.

وعلّمتنا المدرسة ألاّ نجرؤ على مناقشة أشياء غير منطقية لا يقبلها العقل

كأن يقال على سبيل المثال “بورقيبة رجل استثنائي حارب الاستعمار لوحده وحقّق الاستقلال لتونس” حتى خِلناه ونحن صغارا عملاقا جبّارا قادرا على دحر الجبال ورفع الأثقال، أو  “عليك أن تدعو السماء في كل لحظة ولكن كل شيء مسطّر سلفا”… أو “سنُسأل إن كنّا فعلنا أشياء سيّئة ولكن الله يعلم عنا كل شيء”

مدرستنا فرضت علينا رؤية أحاديّة لتاريخنا

تاريخنا في مجمله “تجميل وتوصيف من المنتصرين لانتصاراتهم” لم يقدّم قراءة موضوعية ونقدية لما حدث، وانتصر لرؤية مُهيمنة لم ترَ في عقبة بن نافع على سبيل المثال سوى فاتح وصحابي، وغضّ الطرف عمّا فعله في حقّ آلاف العزّل الأمازيغ رغم إسلامهم ولم تتحدّث عن كسيْلة كقائد محلي دافع عن شعبه وردّ بشجاعة على الإذلال الذي تعرّض له من قِبل عقبة وجماعته.

مدرستنا علمتنا الأفضلية الاعتباطية بين المواد :

أوهمتنا المدرسة بأن المواد العلمية أنبل وأهم من الانسانيات ومواد الإبداع الفنيوأكثر فائدة من كل ما هو يدوي مثل الفلاحة والحِدادة ومعالجة الخشب وتسفير الكتب وأشغال الحياكة والنسج والتطريز، لذلك تُبرمج دائما المواد الصّلبة في الحصص الصباحية وتُبرمج باقي المواد في الحصص المسائية عندما تتلاشى الأعصاب وتتراكم الأتعاب.  وهي عقلية توارثتها أجيال بكاملها وأفرزت نخبة “صلبة” تتمتّع بكل الآفاق وبياض أعظم متروك على قارعة طرق الرّفاه والكرامة.

عين الذهب ـ سليانة

مدرستنا علّمتنا أنه لا وجود إلا لنوع واحد من الذكاء

يكفي أن يكتبوا في بطاقة أعدادك “تلميذ ضعيف” أو “تلميذ محدود الإمكانيات” حتى يُلقى بك في غياهب النسيان المدرسي مهما كانت بداخلك بذور واعدة ترقُدُ منتظرة من ينفخ فيها الحياة… في الشعر والرسم والنحت والخط والغناء والعزف على النّاي والرياضة والفلاحة والسباحة وتفكيك الآلات وإعادة تركيبها والعناية بالآخرين وحفظ قصص الأوّلين…

مدرستنا علّمتنا أن لا نهتم بثروات تاريخية تحيط بنا من كل جانب

ليس هناك جهة تونسية واحدة لا تتوفر فيها معالم تاريخية ذات قيمة عالمية قريبة جدا من مدارسنا، ولكننا نكبُر ونحن جاهلين بتاريخنا الزاخر ونختزله في “تونس تعاقبت عليها حضارات عديدة“.  فمن يعرف “مغاور عين الذهب” بجبل السّرج بسليانة أو”عين سيدي محمود” بحاسي الفريد و”غار الضبع” بسلقطة في قصور الساف والحمامات الرومانية بالأبيض في معتمدية جلمة من أبناء هذه المناطق بالذات…؟  

مدرستنا علمتنا اجترار التعابير التي ابتُذلت من فرط ما استُعملت.

علّمتنا المدرسة تعابير جامدة وكسولة نستعملها في كل كتاباتنا الإنشائية حتى أضحت بلا روح مثل : يحبّها حُبّا جمّا ويعاني من الفقر المُدقع وكانت البسمة تعلو محيّاه وعجوز شرّيرة وكان رجلا ورعا عُرف بدماثة أخلاقه والمرض العُضال وتعجز الكلمات عن وصف جمالها وعاد إلى البيت فرحا مسرورا…بحيث أن معلّمينا وأساتذتنا لم يدرّبوننا على الخروج من الدّروب الأسلوبية المُستهلكة وبذل الجهد من أجل ترويض اللغة وتوليد بواكير جديدة تتجاوز ما قاله القدماء.

مدرستنا علمتنا أنه عليك أن تعمل لوحدك في ركن قصي وأن الآخر سيسرق جهدك

لم نتدرّب على العمل الجماعي والتفكير ضمن فريق، بالرغم من أن هذه التقليد البيداغوجي يُلزم التلميذ كما يقول فيليب ميريو بــ “ضرورة التسلّح من أجل الدفاع عن وجهة نظره وقبول أن يُخضع نفسه لنقد الآخرين” علاوة على دور التنشئة الاجتماعية وتعزيز روح التعاون ونبذ الأنانية المرضيّة الذي يضطلع به هذا التوجّه في أساليب التعلّم.

علمتنا المدرسة أيضا أن التلميذ هو المُطالب بالتأقلم

 التلميذ يأتي إلى المدرسة من أجل التعلّم وفق ضوابط ومرجعيات وأساليب وثيقة وغير مرنة، وليست المدرسة بمدرّسيها وبرامجها هي المحمولة على التأقلم مع خصوصيات تلميذ متنوّع لا يشبه زميله وله خصوصيات تستدعي من يراعيها لتكون هي المرجع والمنطلق في أي فعل تربوي.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار