عندما يمتزج سحر الكلمات ووقعها بجمال النغمات وإيقاعاتها …وعندما تأخذك الريشة وتمازج الألوان واللوحات التي تزين المكان هنا وهناك في مشهد يرتقي إلى قمة التداخل بين رونق الحاضر وحنين الماضي البعيد فنسرح معه في أحلى الرحلات…إلى عالم الخيال والإبداع. إلى أرقى المصافحات وأقوى التعبيرات..تتيه بين الواقع والخيال… وتطرح ألف سؤال وسؤال… هل حقّا ما يقولون ؟ هل فعلا أن الرسم شعر صامت لا يحتاج إلى الإفصاح، وأن الشعر رسم متكلم هرب من اللوحة والرسام واستقر في روح وقلب عاشق للبوح بالكلمات؟ أم أن الشمس والقمر لا يلتقيان مهما طال أو قصر الزمان وأن لقاء الخسوف والكسوف لا يمكن أن يكون مصدرا للإلهام؟؟
نجاة ملايكي
وسط هذه الأحلام السرمدية وبين هذه اللوحات الخارجة عن مقولة الزمن…هذه التي لا بدء لها ولا نهاية… ركب ضيوف السيدة فاتن بن العربي أمينة المكتبة العمومية للشباب والكهول بحمام الأنف ذات جمعة مباركة موافقة ليوم 5 ماي، مركبة سحرية قادت الحاضرين مثل عربة “سندرلا” وخيولها الزرقاء، إلى أمسية فنية وأدبية شيّقة بمناسبة الأيام الوطنية للمطالعة والمعلومات التي تنتظم تحت شعار “من فن الكتابة إلى فن التجسيد”.
وبعد المقدمة المتميزة لسيدة المكان، كانت إطلالة “قائدة العربة” الروائية فتحية هاشمي، جد متفرّدة، طليقة اللسان، لبقة الكلام، جامعة التقارب والتناقضات والأحلام، هذه الروائية الفائزة بالجائزة الأولى لمركز الدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة (الكريديف) في 2009 عن روايتها التي حملت اسم ابنتها “مريم”، قدمت أحلى الأمسيات وزادتها بسحر الكلمات قراءات وأشعار كان أقربها إلى قلبي “دڨي الخلالة”.
ثم أخذتنا الشاعرة والرسامة والكاتبة حياة القاسمي الى جمال الكلمة والصورة فكانت كطائر البلبل الذكي، أضفت على المكان بهجة بشكلها الجميل وحضورها الجذاب وتغريداتها الرائعة وريشتها ذات الألوان الفاتنة. وحياة القاسمي التي حلقت عاليا لتنزل ضيفة على العديد من الأوساط الثقافية والأدبية في العالم، نالت العديد من الجوائز وحظيت بالكثير من التكريمات وشدّت جسور الإبداع والتواصل وعزمت على أن تكون ملكة الفكر والريشة والألوان.
حياة القاسمي
سلمى سرايري
أما الشاعرة لمياء العلوي التي بدأت الكتابة والشعر وهي في سن الرابعة عشرة، هذه السيدة الشامخة، سليلة حامل آلام القبائل الملقب بباي الشعب، علي بن غذاهم الثائر على الظلم، فقد عبّرت عن ثورتها تارة بالريشة وتارة أخرى بالقلم وطورا بتمازج النبرة والصوت المتصاعد المرفوق بحركة العينين واليدين. يأخذك شعرها إلى قلب الثورة لتشعر أن ذلك الشبل من ذاك الأسد وأن ماجر البربرية حاضرة بيننا… “يا الكادحة” تأخذك كلماتها وسط شاحنة الموت لتعايش حجم معاناة المرأة الريفية الكادحة وفواجع الطريق، وتشعر من خلال كلماتها ورسومها، أن لمياء العلوي نسوية ومدافعة شرسة عن المرأة المضطهدة.
وقد تبدو لك الشاعرة والرسامة سلمى السرايري في قمة الهدوء والسكينة وفائقة الرقة والوداعة (وهي حقيقة كذلك)، لكن رسوماتها تعكس شخصية ثائرة على السائد والمألوف، شخصية تنطق رسما وتثور ألوانا وتعاكسك كتابة، فتقرأ ما تلمحه عينها وتغوص في أعماق رسوماتها ورسوم غيرها مثل قراءتها خلال هذه الأمسية للوحة الشاعر والرسام والنحات العراقي سميرالبياتي “الرجل المعاصر” التي حوّلتها إلى “الرجل الصغير”المكبّل بكل العقد والصعوبات.
الروائية فتحية هاشمي
لمياء العلوي تقدم لوحتها “علي بن غذاهم”
سلمى السرايري صاحبة الدراسات النقدية ومنتجة الأفلام الأدبية، لها مشروع مكتبة صوتية على محرك غوغل تضم بصوتها تطوّعا، 250 قصيدة! من إصداراتها “أصابع في كف الشمس” و”صمت كصلوات مفقودة” و “حين اشتهاني الغرق” في انتظار صدور “رسائل إلى بحّار” تقول ” إن لم تجدوني فابحثوا عني في سوق الأثاث القديم أجرّ أشياء لأعيد لها الحياة”.
سلمى السرايري صاحبة الدراسات النقدية ومنتجة الأفلام الأدبية، لها مشروع مكتبة صوتية على محرك غوغل تضم بصوتها تطوّعا، 250 قصيدة! من إصداراتها “أصابع في كف الشمس” و”صمت كصلوات مفقودة” و “حين اشتهاني الغرق” في انتظار صدور “رسائل إلى بحّار” تقول ” إن لم تجدوني فابحثوا عني في سوق الأثاث القديم أجرّ أشياء لأعيد لها الحياة”.
الشاعر والفنان التشكيلي العراقي سمير البياتي
وكان عازف الناي، الفنان رشيد جوهرة بطل هذا اللقاء دون منازع، رافق الجميع بمعزوفات رائعة، فملأ المكان شاعرية وألحانا، وأضفى على الحاضرين أجواء البهجة، وجعلنا نسافر مرة إلى الصحراء ومرة إلى المدينة ومرات إلى الماضي الجميل.
وكان لقاء نايه بصوت الفنان منصف الهويملي قمة في التمازج العذب، حيث عزف فيما غنى الهويملي صاحب فرقة أنصار السلام “سوج يا لحمام”، والبابور اللي هز رقية” و” سير يا لزرق سير” فحملانا معهما إلى الجبال والبحار والصحراء.
بين حرفك و حضورك حبل سري مازال لم ينقطع و لن ينقطع زدفلقد زدت شعرية اللحظة و المكان شعرية بكلماتك التي تنبع من الروح لتمس الروح مباشرة شمرا على كل هذا الجمال و الصدق في الكلمة سيدتي النبيلة.
بدعم من صندوق التشجيع على الإبداع الأدبي والفني بوزارة الشؤون الثقافية يحتضن المركب الثقافي بتطاوين من 17 أكتوبر الجاري الى 1 نوفمبر القادم معرض”طيب الذاكرة” للرسامة الفنانة حذام سلطان وهو المعرض الشخصي الثالث في سجلّها الفني لتأخذنا من خلاله في رحلة فنية وترميم بصري للهوية التونسية، ينطلق من جماليات جسد المرأة وسحر “الحرقوس” ليمتد عبر جغرافيا تونس من شمالها إلى جنوبها.
وحسب الفنانة التشكيلية حذام سلطان فان هذا المعرض”يمزج بين الرموز الأمازيغية، اللباس التراثي كالجبة والسفساري والبرنوس، وعراقة المعمار من أزقة المدينة العتيقة إلى قصور مطماطة وشنني، ليعيد صياغة هذا المخزون الفريد بتقنيات تشكيلية معاصرة توظف المادة العطرية السوداء للحرقوس التي تسكن الوجدان التونسي…ففي هذا المعرض سيعيش زائره احتفاء بالحرقوس، تلك المادة السوداء الفواحة برائحة البلاد، التي تحولت في هذا المعرض من ذاكرة عطرية إلى نبض تشكيلي يحاكي تفاصيلنا المنسية”. وعموما إذ تتنوع المواضيع وتختلف الحكايات وتتعدد اللوحات في هذا المعرض فانها تلتقي وتتحد تحت راية واحدة تنبض باسم تونس.
ضمن عمل توثيقي مرجعي مهمّ، صدر مؤخرا الجزء الثاني من المجلد التاريخي الهام للمؤرّخ الأستاذ حاتم الضاوي والذي جاء تحت عنوان مدونة القبائل التونسية، تاريخ العامة من الزمن الاسطوري الى الزمن التاريخي”، لتبحث هذه المدونة في الجذور الأسطورية للقبائل التونسية بتناول سبل معيشتها وتحركاتها في المجال والتشابك العلائقي بينها وبين السلط المركزية المتعاقبة.
فبعد تناول المدونة في جزئها الأول قبائل الشمال يتناول هذا الجزء الثاني منها تاريخ قبائل بلاد التل التي تشمل المجموعات السكانية لولايات الكاف وسليانة والقصرين في جزئها التلي، متعرضا الى جوانب من حياة الفراشيش واحتجاجاتهم ضمن معاركهم القانونية الترابية بالأساس ضد السلطة المركزية في سنة 1859.
كما استعرض الكتاب العلاقات النضالية المشتركة بين هذه المناطق التونسية ونظيراتها الحدودية القبلية بالجزائر، وحرص هذه القبائل على الدفاع والمحافظة على مجالها الحيوي بالجهة الغربية وتأخير الترسيم النهائي للحدود، الذي لم يكتمل إلا سنة 1888، مكرسين بذلك دورهم الريادي كحرّاس للحدود الغربية للإيالة التونسية والوقوف في وجه الأطماع الاستعمارية المبكرة.
وعموما يعتبر هذا الأثر الورقي مرجعا تاريخيا كان مؤلفه حصيفا في نقل الأحداث التاريخية بالجهات التونسية بدقة وموضوعية، مع قراءة علمية موضوعية في حواف هذه الاحداث ومجالاتها، وهو ما يغري بقراءة هذا المنجز التوثيقي التاريخي الخاص بالتوثيق للأصول التونسية والصادر عن “أركاديا للنشر بتونس”.
انتظم مؤخرا لقاء أدبي احتضنه مقر جمعية ابن عرفة بالسليمانية في قلب المدينة العربي “العتيقة” احتفاء بآخر إصدارات الروائية فتحية الهاشمي التي جاءت تحت عنوان”تارميني” ولعل في اختيار شهر سبتمبر الجاري لهذا الموعد شيئا يتجاوز الصدفة فرواية”تارميني” ذاتها رواية ولدت من سؤال الانسان حين يغادر وطنه ومن تلك المسافة الموجعة بين الأرض التي يغادرها والجذور التي لا تغادره ، إنّها رحلة في الهجرة والاغتراب والهوية والذاكرة وفي الانسان ومن الانسان المعلق بين أكثر من مكان وأكثر من احتمال,
وقد اشرف على تسيير هذا اللقاء الحواري الأستاذ عبدالعزيز بن عبدالله وقدمت خلاله مداخلة من قبل الأستاذة نجاح عزالدين وبحضور رئيس الجمعية الشاعر سوف عبيد إلى جانب الدكتورين الشاعرين رضا الماجري ومختار بن اسماعيل والروائية مسعودة بوبكر وعدد من المبدعين والمهتمين بالشأن الثقافي والأدبي.
ودار الحوار حول رواية “تارميني” من خلال التعرض الى أسباب ولادتها وتعرجات مساراتها وأسئلتها ومبتغاها ،لتتعدد القراءات ويتحول اللقاء إلى حوار مفتوح بين الرواية وقرائها وبين التجارب الابداعية بصفة عامة . وكان تعقيب الدكتور منذر المرزوقي لافتا ومهما اذ تناول تجربة الكاتبة الابداعية في تونس واعتبرها من أهم .الأصوات الأدبية المتعددة التناول والمختلف عن السائد داعيا لتناولها بجدية سردا ومسرحا ورواية وشعرا
كما كان للأستاذ الناقد الهادي الرقيق تدخل أنيق أضاف للنقاش منعرجا أخر، فيما استعرضت من جانبها الروائية مسعودة بوبكر تجربة ثرية وذكريات تقاسمتها مع الكاتبة فتحية الهاشمي نظرا إلى ترافقهما لعدة سنوات.
وكان للأصوات الشعرية والسردية حظها الكبير في هذا اللقاء الذي تداول الحضور خلاله على قراءة عدد من منتجاتهم الشعرية والروائية الخاصة كما كان للموسيقى أيضا حضورها مع معزوفات على ألة الناي للفنان رشيد بن جوهرة .
وهكذا توقف قطار”تارميني” في محطة أولى لكنها حتما ليست الأخيرة بل وهو يطلق الصافرة كان يعلن عن انطلاق رحلة أخرى ستكون يوم 8 أكتوبر القادم لتنتقل بذلك رواية “تارميني”من أيلول الأسود لأكتوبر الثورة وتعود بذلك “تارميني”إلى لعبة الصدف في لقاء سيكون بمقرّ اتحاد الكتّاب التونسيين وبذلك تواصل هذه الرواية خط سيرها محطة بعد أخرى تحمل بين طياتها سؤالها الأزلي وهو “حين يغادر الانسان وطنه هل يستطيع الوطن أن يغادره ؟”،
**********@**ve.fr" class="url" rel="ugc external nofollow">فتحية الهاشمي
9 مايو 2023 في 10:15
بين حرفك و حضورك حبل سري مازال لم ينقطع و لن ينقطع زدفلقد زدت شعرية اللحظة و المكان شعرية بكلماتك التي تنبع من الروح لتمس الروح مباشرة شمرا على كل هذا الجمال و الصدق في الكلمة سيدتي النبيلة.