تابعنا على

جور نار

إعادة توظيف الحمير والبغال…

نشرت

في

اطلعت أنا وبقية أفراد العائلة على النسخة المسرّبة من برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي أرسلته حكومة “للاّتنا نجلوتة” إلى صندوق النقد الدولي…وقرّرنا دعوة كامل أعضاء مجلس الأمن العائلي لتدارس تبعات وتطوّر الأوضاع الاقتصادية العائلية التي ستترتب عن هذا البرنامج الإصلاحي الموجع، وصياغة استراتيجية الردّ المناسب على هذا الاعتداء السافر على مقدرتنا الشرائية والاستهلاكية والمعيشية، وإعلان حالة الطوارئ لمدّة خمس سنوات مرافقة لما قررته حكومتنا من إصلاحات، كما تمّت دعوة أعضاء اللجنة العائلية لمجابهة “الكوارث الحكومية” للانضمام للمجلس ومساعدته في إيجاد حلول عاجلة للخروج من الأزمة والحدّ من تبعاتها على أفراد العائلة…وكالعادة جاءت زوجتي بوصفها النائبة الأولى ومقررة المجلس وأمينة مال العائلة بكل الفواتير المؤجلة الدفع حتى إشعار آخر…

محمد الأطرش Mohamed Alatrash
محمد الأطرش

فتح باب النقاش في ما تحتويه فاتورة استهلاك الماء الصالح للشراب وأشياء أخرى، وكالعادة افتتحت الجلسة بوصفي رئيس المجلس بكلمة ترحيبية مشفوعة بدعاء “اللهم أعنّا على خلاص كل الفواتير، وابعد عنّا كل أمراض البواسير وأكسر “خشم” ورجل عمّ البشير موزّع الفواتير” ثم أحلت الكلمة إلى ابني الصغير، لقراءة ما جاء في فاتورة استهلاك الماء والتطهير…كشف عن المبلغ العام المطلوب دفعه فكان بالضبط 265 دينارا مقسّمة على النحو الآتي، 165 دينارا مجموع استهلاك الماء، 70 دينارا معلوم ديوان التطهير، وتسعة دنانير معاليم قارّة…والبقيّة مجموع ضرائب عامة…صرخ الجميع من هول ما سمعناه…فهذا ابني الكبير يصرخ ربع مليون ماء ما هذا؟؟ وصاحت ابنتي معاليم قارة “علاه”؟ وصمت البقيّة في انتظار ما سأصرخ به أنا بوصفي رئيس المجلس والحاكم بأمره وآمر الصرف العائلي، وقفت من هول ما سمعت وصرخت “70 دينارا من “الخـ…ء” والبول؟؟ ما هذا ؟؟

علينا بإيجاد حل جذري وعلينا ترشيد استهلاكنا لبعض المأكولات ودخولنا لبيت الراحة، وعلينا إعلان حالة التقشّف العام في كل أسباب التغوّط والتبوّل…وجلست لأقول “أعلن تكوين لجنة خاصة والاستعانة بخبير في التطهير ومعالجة البواسير لدراسة الوضع “التغوّطي” وإيجاد حلول عاجلة للخروج من الأزمة” وحدّدت المهام الأساسية للجنة وأهمّها تقييم وجرد شامل لحجم الاستهلاك البولي والتغوّطي، وكشف أسباب انتفاخ فاتورة التطهير…ثم اقتراح حلول جدّية وجذرية لترشيد وتخفيض وتيرة استعمال بين الراحة…وقد اقترح ابني الأوسط اكتفاء من يعمل من أفراد العائلة بالتبوّل والتغوّط بمقرّات العمل…واقترح ابني الأكبر التقشّف في وجبات الأكل والاكتفاء بوجبة واحدة يوميا، أو أن يكون الأكل بالتناوب في هذا الظرف الاقتصادي المتأزم الذي تعيشه البلاد والعائلة، وبتلك الطريقة يقع تخفيف الضغط على بيت الراحة من خلال العمل على الحدّ من انتاج “الخـ…ء”، في انتظار دراسة أمر تكاليف البول وما آلت إليه أوضاعه،

واقترحت ابنتي أن يكون دخول بيت الراحة بمعلوم يقع الاتفاق حوله في هذه الجلسة، كأن يكون مثلا “خـ…ء الصباح” وهو تغوّط استراتيجي كيف لا وهو مخزون أكثر من ليلة ونصف يوم بمائتي مليم، على أن يوضع هذا المبلغ مسبقا في صندوق يعلّق قرب باب بيت الراحة، والتفكير في تزويده بآلة تسليم وصولات الدفع، أمّا التبوّل اليومي فيكون بمعلوم لا يفوق الخمسين مليما، وإن تجاوز عدد “البولات” الخمس يوميا يُضاعف المعلوم المتفق عليه، إضافة إلى دفع معلوم استهلاك الماء المستعمل في عمليات غسل اليدين وغسل وتعقيم وسائل وآليات التبوّل والتغوّط بعد الانتهاء من كل عملية إفراغ نفايات، كما اقترحت ابنتي فرض ضريبة بـعشرة في المائة عن كل حصّة تغوّط وتبوّل تفوق مدّتها الربع ساعة تستعمل في شراء مستلزمات المكان وتعقيمه…مع اقتراح إضافة معلوم خاص لكل اسهال معلن، وتعريفة خاصة لكل اسهال غير معلن…وتدخّلت أمينة المال ومقرّرة المجلس زوجتي لتقترح الاكتفاء بمياه الماجل العائلي للشراب للضغط على فاتورة استهلاك الماء الصالح للشراب والتطهير عامة…

دوّنت مقرّرة الجلسة كل ما تمّ اقتراحه في الساعة الأولى من الجلسة والتي خصصت لدراسة أوضاع الماء والتطهير وبقية التدابير…وانتقلنا إلى فاتورة استهلاك الكهرباء التي فاقت هذه المرّة أيضا ربع المليون من المليمات…وقد قررنا إلغاء كل الفوانيس الداخلية والإبقاء فقط على الفوانيس الخارجية، مع توصية بالتعويل على الشمع والعودة إلى “الڨازة” داخل البيوت…وفي هذا الإطار تدخّل ابني الأوسط ليقول “أقترح الامتناع مستقبلا عن مشاهدة القنوات الوطنية، ومطالبة الشركة بحذف معلوم التلفزة الوطنية من الفاتورة” فكلفناه بكتابة عريضة لرئيسة الحكومة “نجلوتة” للقيام بإجراءات الحذف، مع التنبيه عليها بأن المجلس قد يقرّر التصعيد، في قادم الأشهر والاتصال بمنظمة الدفاع عن المستهلك إن لم يتم حذف معلوم القنوات الوثنية، عفوا الوطنية…

كما اقترحت ابنتي مشاهدة مقابلات كرة القدم في مقهى الحي والمسلسلات التركية عند جارتنا “مغلية”…والاكتفاء بمتابعة الأخبار الوطنية والعالمية عبر مذياع قديم أعدنا له الحياة عند صديقنا “محرز تورني فيس” المختصّ في إصلاح كل التجهيزات الالكترونية والمنزلية…وتمّ في نهاية جلسة مناقشة ميزانية الكهرباء والغاز التطرّق إلى موضوع قوارير الغاز، فقرر مجلسنا الموقّر بالإجماع العودة إلى التعويل في طبخ وجبة العشاء على “الحطب”، وتكليف ابني الأكبر بالسفر شهريا إلى صحراء تطاوين والقيام بعملية “تحطيب” واسعة لِمَا يبس من نبتة الشيح والتقوفت والعرعار وغيرها من الأعشاب الرعوية والطبية الصحراوية…كما تمّ تكوين لجنة عائلية لوضع برنامج شهري لشحن الهواتف وإقرار معلوم على كل عملية شحن، على أن يرتفع المعلوم إلى الضعف في صورة تجاوز أربع عمليات شحن أسبوعيا…وفي نهاية النقاش تمّت قراءة الفاتحة والدعاء “اللهم اعطب “طرطارة” موزع فواتير الكهرباء…وابعده عن دارنا من فصل الصيف إلى فصل الشتاء”…

انتقلنا مباشرة بعد راحة بربع ساعة تناولنا فيها البعض من “البسيسة” و”البعرور” وهي وجبة فرضتها السياسة التقشفية التي بدأ مجلس الأمن العائلي في توخيها منذ تسريب وثيقة الحكومة النجلوتية وإصلاحاتها الكارثية…أقول انتقلنا بعد مناقشة الماء والكهرباء وشؤون بيت الراحة لدراسة أوضاع بقيّة التكاليف المعيشية التي ستتضرر بما قررته حكومتنا من تصرفات عدائية لم تعرفها سابقا العائلات التونسية…طلب ابني الصغير الكلمة وتطرّق إلى إلغاء الدعم التدريجي عن المحروقات…وتبعاته على قطاع النقل عموما…قلت ماذا تقترحون في الأمر وهل ثمّة ما تقترحونه على حكومة “نجلوتة” لمساعدتها في إيجاد بعض الحلول السريعة والمفيدة…؟ قالت ابنتي مبتسمة “ما رأيكم في حمار أو جحش لكل مواطن”…ضحكنا وقلنا جميعا “لم لا؟ الفكرة ثورية وتليق بمقام حكومتنا ودولتنا وأزمتنا”…

حينها أضاف ابني الأوسط “ما رأيكم في حمار لكل مواطن كشعار للمرحلة وهو إجراء قد يخفف علينا كثيرا وطأة تكاليف المحروقات فبرميل النفط تجاوز المائة دولار أخيرا” قلت “علينا دراسة الأمر بأكثر تعمّقا وأظنّ أن تعويض التاكسيات بالــ”كريطة” أمر إيجابي ومفيد في أوقاتنا هذه…كما أن شعار جحش لكل تلميذ في الثانوي، وطالب في الكلية قد يكون أيضا مفيدا فتكاليف الجحش أو الحمار اقلّ بكثير من تكاليف الحافلات وسيارات الأجرة والسيارات الخاصة، فقط وجب توفير العلف وأماكن الوقوف للبغال والحمير والابل…وأقترح دهن الحمير بلون خاص …وحمير النقل العمومي بلون آخر…وبغال كبار السن بلون خاص…والابل يركبها الوزراء وكبار المسؤولين…ومنع المرأة من ركوب ظهور الحمير والبغال وتمكينهن من أولوية ركوب “الكريطة”…كما علينا إيجاد حلّ للتلوث الذي قد يتسبّب فيه تغوّط الحمير والبغال…

فجأة ارتفع صوت ابني الكبير ضاحكا وقال”يعني لو كان التلميذ حمارا أو جحشا في دراسته سيقول كل من يراه راكبا على الحمار أو الجحش “جحش راكب على خوه””…ضحكنا جميعا وقررنا كتابة تقرير في الأمر وعرضه على حكومة “نجلوتة” ليكون حلاّ وطنيا لأزمة الغاء الدعم عن المحروقات…فالحمير لا تشحن بالبنزين ولا بالكهرباء والبغال متوفرة في كل جهات البلاد…وقرر ابني الأصغر وفي إطار مبادرة إعادة توظيف الحمير والإبل والبغال أن يكون أول من يعوّض سيارته ببغل أنيق رآه في زريبة جارنا “عمّ فرج الحمراوي” كما أن حفيدتي طالبت وفي إطار تفعيل مبادرة حقّ الحمير في تقرير المصير بتبنّي جحش تركبه وتتدرب على سياقته فلا أظنّ ان الحمير والبغال والإبل في حاجة إلى رخص سياقة أو ساعات تدريب مضنية…ولا أظنها ستنضبط لعلامات وإشارات المرور…

في آخر نقطة من نقاط برنامج اجتماع مجلسنا قررنا قراءة الفاتحة على بعض المواد الغذائية والخضر والغلال دون مناقشة وطأة غلاء أسعارها على جيوبنا وميزانية العائلة…فوضعنا تفاحة وموزة وبعض التمرات على طاولة الاجتماع وبكيناها طويلا وخطب ابني الأوسط وعدّد مزاياها ومنافعها ثم ودعناها جميعا بأن قبّلناها…ثم أتينا ببعض من لحم الضأن والدجاج وسمكة من السردين وقرأ ابني الصغير خطبة الوداع ثم قبّلناها جميعا وواريناها قفّة جارنا الذي سمح لنا بقراءة الفاتحة على أرواحها وتوديعها…في الأخير جاءت مقرّرة الجلسة برغيف من الحجم الكبير وخطب ابني الأكبر خطابا يليق بمقام هذا الرغيف المناضل الذي قاوم لعقود كل محاولات ارتفاع أسعار المواد الأساسية ثم قررت تكريمه على طريقتي بتوسيمه بوسام الفقر والجوع الوطني وسط تصفيق وهتاف بقية أعضاء المجلس واللجان المساندة وبعض رجال الإعلام ممن واكبوا فعاليات اجتماع مجلس الأمن العائلي…

في آخر الجلسة تساءل ابني الأكبر قائلا “لو طبقنا ما اتفقنا عليه فهذا يعني أننا سنعود نصف قرن إلى الوراء…ولا أظنّ أن الأمر سيكون مريحا كما يتصوره بعضنا…نحن اليوم أمام خيارين إما العودة 50 سنة إلى الوراء…أو الهجرة في أول باخرة مغادرة…فتونس هي البلاد الوحيدة في العالم التي كان ماضيها أفضل وأجمل من حاضرها…فما رأيكم…الهجرة أو العودة إلى سنة 1970…” فكرنا طويلا وقررنا…الهجرة…فبلاد تدفع فيها ثمن التغوّط غاليا ولا يتمتّع فيها التبوّل بإعفاء ضريبي…لا يمكن العيش فيها….فالخوف هو أن يقع غدا…أو بعد غد فرض عقوبة حجز معدّات التغوّط والتبوّل حين يمتنع المواطن عن دفع ما عليه من ديون…ولا غرابة في ذلك في دولة تبحث عن تمويل ميزانيتها بكل الطرق والأساليب…

“بابا…بابا…نصف النهار شبيك لتوّه راقد”…هكذا صرخت في وجهي ابنتي بعد أن استغربت نومي لتلك الساعة…نظرت إليها وسألتها “كملتوا الاجتماع؟ …”…

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الدنيا ليست بخير كما يزعمون…

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…

هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…

فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟

وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟

فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟

هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…

أكمل القراءة

جور نار

ملاّ ليلة كلبة!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

عشت البارحة خصومة طويلة مع النوم، ولم أنجح في مراودته للبقاء معي حتى سويعات الفجر الأولى… خرجت أمام المنزل بحثا عن نسمات صيفية تُصالح بيني وبين النوم فلم أجدها…

سمعت حشرجة قرب السور الخارجي للمنزل لم أعهدها سابقا، فاقتربت من مصدرها لأعرف مَن هناك، وكأني بقطة وكلب يتهامسان ويتحاوران في مشهد لم أعشه سابقا أبدا، فبين القطط والكلاب معارك دامية عشتها في منزلي السابق وكنت شاهدا على العديد من الأحداث بينها ونجحت في الكثير من الأحيان في رأب الصدع بين الفصيلين، وأجبرتهما على الهدنة والمصالحة الشاملة وتقاسم الموارد من سكن وغذاء، لكن أن يصل الأمر أن أجدهما في جلسة ودية أو ما شابه خلف السور الخارجي للمنزل فهذا أمر أول مرّة أعيشه، يذكرني هذا المشهد بالتوافق الذي عاشته تونس أيام الباجي رحمه الله والنهضة وقياداتها…

جلست غير بعيد عنهما لأستمع إلى ما يدور بينهما من حديث… فالقطّة الرقطاء هي قطة الكوني ابن عمتي أما الكلب فهو من الكلاب الضالة والسائبة  ولم أعرف أن بين قطة الكوني وهذا الكلب علاقة وديّة كالتي أعيش بعض أحداثها “هل أذنبنا في حقّهم يا صديقتي …لم كل هذا الحقد علينا…؟؟؟” هكذا قال الكلب مخاطبا القطّة…”هذا ويحاولون ايهامنا بأنهم سيعاملوننا حسب تعاليم الإسلام وما تركته السنّة…أي دين هذا الذي يأمرهم بمنع الغذاء عنّا؟ أيريدون قتلنا وابادتنا؟؟ هل تآمرنا عليهم؟؟ هل أضربنا عن القيام بواجباتنا؟؟ هل زاحمناهم في المناصب والمكاسب والوظائف العليا؟؟ هل أفسدنا في الأرض؟؟ نحن لم نسرق ولم ننهب ولم نظلم أحدا في حياتنا من البشر فلم كل هذا الحقد علينا؟؟؟” هكذا أجابت قطّة الكوني…

نظر إليها الكلب وقال “أتذكرين مواقفنا قبل 14 جانفي؟ ألم نبق على الحياد وحاولنا مساعدة الجميع على التعامل بهدوء مع ما وقع من أحداث؟ ألم نحرس ديارهم لأشهر طويلة حين كان الانفلات عنوان المرحلة؟؟ ألم تنقذ الكلاب الآلاف من المنازل من السرقة ؟؟ لماذا يعاملوننا هكذا ونحن الذين مات منّا الآلاف ولم نخرج حتى لنندّد بالأمر كما هم فعلوا ويفعلون، ألم يسجلوا بعض قتلاهم ضمن قائمة الشهداء وكأنّ الله لا يعلم شيئا عن الشهداء الحقّ وشهداء الفضاءات التجارية الكبرى؟؟ أمَسَكوا قطا او كلبا وهو يقنص من أعلى عمارات السكن؟؟؟”

ضحكت القطّة وقالت “نحن مختلفون عنهم يا صديقي… هم يحقدون على بعضهم البعض… هم يبحثون عن السلطة… جميعهم يريدون حكم البلاد فتراهم كأحزاب يخطبون ودّ الشعب بوعود وبرامج سياسية لا يحققون منها شيئا… ويوهمون الشعب بنجاحات وانجازات لم يحققوها… أنحن مثلهم؟؟ لا… نحن لم نبحث يوما عن سلطة أو جاه أو حكم… نحن لا أحد منا يخون الآخر… ولا أحد منّا يحقد على الآخر… ولا أحد منّا يعتدي على أملاك الآخر… هل سمعت يوما في صحفهم عن اتهام قطّ أو كلب بالفساد وتبييض الأموال ؟؟؟ لا أبدا ولن تسمع بالأمر أبدا…وهل سمعت يوما في نشرة أخبارهم التلفزية عن اغتصاب كلب لقطّة؟؟ لا لن تقرأ ذلك في صحفهم… فأخلاقنا ليست كأخلاق بعضهم… وعاداتنا ليست كعادات بعضهم… هم يشربون الخمر ويعودون إلى ديارهم يتمايلون ونحن لا نتمايل إلا حين يسممون أكلنا ظلما وعدوانا للتخلّص منّا”

نظر إليها الكلب ونبح صارخا في وجه كلب آخر اقترب منهما (كأنه يقول له روح لداركم ما الذي أتى بك هنا ؟؟؟) ونهره وأبعده عنهما ثم قال ملتفتا إلى القطّة الرقطاء: “أولا نحن لم يقبلوا بنا بينهم فكيف تريد منّا أن نطمح لسلطة أو حكم أو حتى للمشاركة في انتخابات ديمقراطية نزيهة وشفافة…” هنا قاطعته قطّة الكوني ابن عمّتي وقالت “نزيهة؟… أتقصد نزيهة صاحبة منزلنا سابقا محلاااااها تعطيني في السردينة كل يوم؟؟” نظر إليها الكلب غاضبا وقال ” أنت كصاحبك الكوني ساذجة وغبية… نزيهة من النزاهة أقصد وماذا تعرفين انت عن النزاهة؟؟” وأضاف قائلا “أتركيني أكمل كلامي ثم قولي ما تريدين يا حمقاء!!!… نحن لم نطلب يوما أن نكون ضمن الناخبين ولا ضمن المترشحين… أنا مثلا يا عزيزتي (هنا همست القطة قائلة: عزيزتي  منذ متى أنا عزيزتك يا كلب يا زوفري؟!…) لم أرغب يوما في شيء منهم غير مساعدتنا على تأمين الغذاء والسكن وهي اتفاقية قديمة بيننا منذ آلاف السنين…فأنا لست مثل بعضهم أبدا ولن أكون… أنا كلب طيب ومواطن صالح وشريف لم أسرق أو أنهب ولم أعضّ أو أظلم أحدا في حياتي… وأنا كلب ملتزم ومنضبط في شغلي وأعرف ربنا… فلمَ يخرج علينا أئمّتهم يهددوننا بالويل والثبور ويفتون بمنعنا من الأكل والماء؟ أهذا من الحقّ بشيء يا قطّتي العزيزة؟…”

هنا نظرت إليه القطّة وهي في حالة هستيرية وقالت صارخة: “أولا لست قطّتك و(يكب سعدك)… ثانيا أنت تكذب، أنت أكبر عضّاض في الحيّ… لكن أنا متعلمة ومثقّفة وأعشق بلادي وأحب أهلها ولا ولن أخون وطني اأدا ولن أكون من الوشاة لأخبر عنك وعن أفعالك يا (بوناب) وتقصد ان للكلب نابا طويلا خارجا عن الصفّ…” ثم ضحكت ونظرت في اتجاهي وقالت “كيف حالك عمّي…؟؟؟” نظرت إليها ضاحكا وقلت “عمّك … منين يا كبدي ؟؟؟” ضحكت ونظرت إلي وقالت “أتعرف يا ابن خال الكوني أني أنا القطّة الرقطاء ورغم أنى لست مشهورة أو شخصية عامة لكني والحمد لله وطنية وواعِية بكل ما يدور حولي. ولم أكن سلبية أو عميلة أو خائنة أبدا في حياتي… شاركت في العديد من المظاهرات في عهد المغفور له بن علي وحتى في عهد الترويكا وتوافق الباجي مع الغنوشي… وتظاهرت ضد التعذيب والتزوير والفساد والتوريث والتمديد… لكن ذلك الكلب الضال لم يفعل ذلك أبدا… كان دائم البحث عن الأكل والنباح والصعلكة بين الأزقة ومراودة كلبة عمّ الصادق الحوانتي وكلبة جارنا الذي يعمل بأوروبا، تصوّر أن له من كلبة سائح إيطالي سبعة جراء تركها دون تأمين الغذاء في الخلاء فماتت من الجوع والبرد…أتعلم أيضا انه أكل من كل الصحون منذ عهد الأمين باي أصدقني القول وقد قلت ذلك للكوني ابن عمتك”

نظرت إليها وضحكت وقلت “لم أتحدث عنك مع الكوني أبدا”… اقترب الكلب منّي وقال “لا تصدقها يا صديقي أتعلم أني بعد نجاح الثورة اجتمعت أنا وبقية كلاب المدينة بعد أن عرفنا أن الأمور قد تتغيّر وأن الأمل قائم في دولة ديمقراطية يكون فيها للكلاب والقطط موطأ قدم، وقررنا أن نساعدكم أنتم البشر في دمقرطة البلاد والخروج بها مما كانت عليه… وقررنا أن نكون لكم عبرة وأسوة من خلال تنظيم حياتنا السياسية والاجتماعية ومشاركتكم صنع مجد هذه البلاد… وشخصيا استشرت اهلي وناسي وأصحابي من الكلاب طبعا، فنصحوني بترشيح نفسي في انتخابات مجلس حي للكلاب يكون نواة لحياة سياسية منظمة للكلاب والقطط بجميع أصنافها وطوائفها وعائلاتهم نجمع فيه شمل بعضنا البعض… ويكون لنا ممثلنا الرسمي لدى البشر لنطالب بحقوقنا كمخلوقات ذات كبد رطبة وأمم مثلكم، فأنا أحب الجميع قططا وكلابا وبشرا وحتى ثعابين لم لا؟ وأنا على يقين انهم أيضا يحبونني فأنا واحد منهم ومولود هنا بينهم، مشاكلهم هي مشاكلي وهمومهم هي همومي… أما عن مشاكل هذا الوطن فهي أيضا مشاكلي فأنا كلب ابن كلب وهنا ولدت وهنا أعيش وهنا أبقى لأموت، ولعلمك سيدي أنا أتابع اوضاع البلاد منذ أطردني جدي الكلب الأكبر ولي برامجي وأفكاري واضحة، وقادر على إيجاد الحلول الممكنة والواقعية لأغلب مشاكلنا جميعا…”

همست لي قطّة الكوني وقالت: “لا تصدقه صديقي فقد طالبناهم منذ أكثر من عشر سنوات نحن معشر القطط بأن ننظّم مؤتمرا وطنيا للمصالحة الشاملة خدمة للمصالح العليا للبلاد، فرفض وحاول فرض إرادته من خلال ميليشيات فايسبوكية تشتم وتهتك أعراضنا وأعراض عائلاتنا ونحن الليلة هنا لنتفق في أولويات المرحلة… فالمرحلة التي نعيشها وتهديدات المنع من الغذاء والإبادة التي تتهددنا والحملة التي تشنها بعض وسائل التواصل أرهقتنا وأجبرت العديد منّا للهروب إلى بعض المناطق المجاورة التي يطيب فيها العيش وتكثر فيها الفضلات المنزلية…

نظرت إلى القطة والكلب وقلت لهما: “من الأفضل أن تتصالحا فالتعايش هو الأمر الوحيد الذي سيخرجكما مما آلت إليه الأمور وقد تتعقّد أكثر لو اتفق عليكما الجميع ومنعوكم من الغذاء والماء وقد يمنعونكم إن واصلتم تعنتكم من الهبهبة للكلاب والمواء للقطط …” نظر إلي الكلب وقال بصوت عال” صاحبك كلب ابن كلب…سألتزم بما تريدون…” ونظرت إليّ القطة وأقصد قطّة الكوني ابن عمتي وقالت وهي تبكي “حسبي الله…حسبي الله…”….

شعرت باصطدام على جمجمتي كأنه مطرقة وسمعت صوت زوجتي وهي تقول : “تي قوم اشبيك راقد قدام الحوش… يخي ما تخافش مالهوش وشبيك تهبهب من بكري؟؟؟” وعرفت أني لم أكن كسليمان لأتحدث مع كلب وقطة ولم أجتمع أصلا بها … ولم أذكر مما دار بيني وبينهما إلا “كلب ابن كلب…وهب هب”…

ملا ليلة كلبة…

أكمل القراءة

جور نار

محمد الأطرش يعود: نحن… ولعنة “الخوف الديمقراطي”!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

التقيت صديقا من مشاكسي أيام زمان فاقترح علي مجالسته لبعض الوقت في أحد مقاهي المدينة فقبلت بالأمر… جلس وأشعل سيجارته وقال “حين تسأل اليوم من يعترضك من المارة أو أحد الأصدقاء كيف حالك؟؟ غالبا ما تكون الإجابة (الأمور ليست كما هي… جميعنا نعيش تحت غطاء الخوف)… تسأله مم الخوف؟ يجيبك (لا نعلم…)

هكذا جميعنا اليوم أو أغلبنا، هل ورثنا ثقافة الخوف عن أبائنا أم هي ثقافة كسبناها مما عشناه ونعيشه، ما رأيك يا صديقي في هذا الأمر؟؟” قلت: “في العهود التي مرّت بها البلاد وعشناها كنّا نخاف كل شيء، فحين كنّا صغارا كان خوفنا كبيرا من أمّنا ومن إخوتنا الكبار، وكنّا نعيش الرعب مع والدنا خوفا من عقاب شديد لا نعلم لماذا ومن فرضه علينا وبأي قانون وقع فرضه…ثم حين كبرنا وكان ذلك في عهد بورقيبة رحمه الله أصبح الخوف أوسع واشمل…وأخذ طابعا آخر فعشنا الخوف من مكاتب الشُعب ومن يعمل فيها ومن رئيسها فكان أغلبنا يمرّ أمام مكتب الشعبة مطأطئ الرأس صامتا يلقي التحيّة دون أن يلتفت إلى على من ألقى التحية… وقد يصل الخوف ببعضنا بأن يرفع عقيرته بالصراخ (نموت نموت ويحيا الوطن…) وقد يرفع عقيرته بالنشيد الوطني وكأنه في تحية العلم الصباحية،

كبرنا وبدأنا نفاخر ببعض الشعيرات التي غزت ذقوننا ولم يغادرنا الخوف بل أقسم أن لا يفارقنا ويتركنا في حالنا، فاصبحنا نخاف عون الأمن وأقاربه واصهاره ومن يجالسه…ثم عرفنا دور العمدة ومدى قربه من السلطة والحكم فأصبحنا نخافه ونخاف من يعمل معه ومن يجالسه ومن يرافقه ونخاف أهله وأصهاره وحتى أصدقاء صغاره…ولم تسلم المدرسة ومن يعمل فيها من خوفنا… فكنّا نخاف حين نمرّ أمام بوّاب المدرسة من وشاية تسبقنا إلى مدير المدرسة… معلمنا أيضا لم يسلم من خوفنا…فكنّا أيضا نخاف من وشاة القسم، فبعض من هم أقرب منّا إلى المعلم ويلاطفهم بتوصية من زميل له يعمل بالمدرسة التي لا تبعد عن مدرستنا كثيرا، كانوا يقرؤون في حصة القرآن “قل أعوذ برب الناس” ثم يذهبون ليوسوسوا في أذن المعلم عمّا يفعله بعضنا خارج القسم والمدرسة، فتنزل ببعضنا أشدّ العقوبات فيغلق في وجهنا مضيق هرمز… عفوا باب القسم فنمنع من الدخول…

هكذا كان لكل من مرّوا بحياتنا وشاة ينشرون الرعب والخوف… فمدير المدرسة وحارس المدرسة وبوابها… والأستاذ… وابن الأستاذ وابن أخت الأستاذ… والعمدة وجار العمدة وقوّاد العمدة… ومخبر قوّاد العمدة… والمعتمد وابن المعتمد… وصديقة ابن العمدة وابن المعتمد وابن شقيق الوالي وحارس الولاية وقوّاد الوالي ومن يجالسهم ومن يتعاملون معه في السرّ والعلن… جميعهم أذاقونا وجع الشكّ في القوادة فكنّا نخافهم بسبب ودون سبب ولا نعرف حتى لِمَ وجب علينا أن نخافهم ونخاف وشاتهم …ث

م كبرنا…وحين أصبحنا في عمر يسمح لنا بالوقوع في حبّ ابنة جارتنا فتحية أو زميلتنا في القسم كنّا نخاف أبناء الحي والأحياء المجاورة… فالوقوع في الحبّ ليس في متناول الجميع في أيامنا تلك… وابن الفقير لا يسمح له بالتقرّب من ابنة العمدة أو رئيس الشعبة أو ابنة مدير المدرسة وقد يعيش الرعب لو عاكس ابنة المعتمد أو ابنة رئيس مركز الشرطة، ففي أيامنا تلك حتى الوقوع في الحبّ بالأكتاف…فـــ”مها” لا يمكن لــ”خليفة” ان يقترب منها ويعاكسها… و”الشعلاء” أيضا فليس لها الحق في أن تعشق أو تعجب بــ”نوفل” و”كمال”… فـــ”نوفل” هو ابن المعتمد و”كمال” هو صاحبه ابن العمدة… لـ”خليفة” لالحقّ كاملا في معاكسة “برنية” و”أم الخير” لكن لا حقّ له في الاقتراب من “ابتسام”…فالاقتراب حينها يصبح سامّا وقد يعرّضه لعقوبات وتتبعات ومضايقات وملاحقات و”شفطات” وويل وثبور وعظائم أمور…

وهكذا كان أيضا عهد بن علي رحمه الله… فتواصلت معنا لعنة أو لنقل ثقافة الخوف … الخوف مما سبق الى ما لحق… فكنّا نخاف بن علي رحمه الله ومدير ديوانه وأعضاء ديوانه وأقاربهم وعائلاتهم وأصهارهم ومعارفهم ومن يجالسهم من له أرقام هواتفهم… كما عرفنا الخوف من كل الوزارات ومن يعمل فيها ومن يديرها ومن يدخلها ومن يجالس من فيها وعائلاتهم وأصهارهم وأبناء عمومتهم… ودبّ الخوف أيضا في قلوبنا من أعضاء مجلس النواب واللجنة المركزية والديوان السياسي وكل من له علاقة أو صلة بهم وبأحد أقاربهم وأتباعهم ومن يجالسهم ومن يصاهرهم ومن يعرف أرقام هواتفهم … دون أن ننسى خوفنا الدائم من الوالي والمعتمد الأول والمعتمد والعمدة وصديق العمدة وعمّ العمدة وخال زوجة العمدة وابن أخت العمدة وسائق الوالي والمعتمد والخ الخ الخ….

ثم وقع إضافة بند آخر في قائمة الرعب، فتوسعت القائمة لتشمل ليلى وأخواتها ومن يجالسها ومن يصاهرها ومن يعرف رقمها ورقم إخوتها… ثم سافر بن علي رحمه الله لأداء مناسك الحج والعمرة والموت في البقاع المقدسة… واستوطن التتار والمغول والفيكينغ أرضنا وجاء جنكيز خان على حصانه المخطط رافعا سيف العدالة والديمقراطية والحرية فلا خوف بعد اليوم لا من ليلى ولا من فتحية ولا حتى من “مولاة الخلة الخمرية”…فأصبح الخوف الديمقراطي أكبر واستوطنت الأحزاب التي خرجت علينا كالفقاقيع كل مقرّات المغفور له التجمّع الدستوري الديمقراطي… فأصبح الخوف ديمقراطيا شموليا… فالولد يخاف من أمه ومن والده ومن إخوته ومن جاره وأصهاره وأبناء عمومته ومن كلبه ومن قطته…

فخرج علينا اليسار يهددنا بالويل والثبور والكثير من الجاوي والبخور… وخرج علينا شيوخ الدين يولولون ويكفّرون ويهددون بجهنم وبئس المصير والمسير… ثم جاء بعض من هم في الاتحاد فأصبحنا جميعا في نظرهم من الأوغاد فخرّبوا الكثير من البناء وأرهقوا البلاد والعباد…فحلّ الرعب والخوف والاستبداد… وحكم بعض رجال الاتحاد البلاد … فأصبحنا جميعا نخاف الأمين العام والكاتب العام ورفيق الأمين العام وصديق الأمين العام وجار الأمين العام وابن عم الأمين العام ومن يجالس الأمين العام ومن يصاهر الكاتب العام وقوّاد الأمين العام… فقط السؤال اليوم هل لخوفنا هذا ما يبرره؟؟؟”

ثم نظرت إلى ساعتي فضحكت وسكتُّ…فقال صديقي لِم ضحكت ولم سكتَّ أكمل؟ قلتُ: الساعة الآن منتصف الليل يعني الساعة صفر وبلغتك أنت صديقي الساعة الصفر هي ذاتها الساعة الرابعة والعشرون وأنا وعدت زوجتي ألا أكون خارج المنزل بعد الساعة صفر… ضحك وقال: “الخوف يدير الجوف يا صاحبي …”

Motif étoiles

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار