أنهيتُ ورقتي الأسبوع الماضي بالقول إننا مررنا في تونس من جيل السّواعد المهاجرة في ستينات القرن الماضي وسبعيناته إلى جيل العقول المسافرة في السنوات الأخيرة…
منصف الخميري
وفجأة حضرتني صورة والدي رحمه الله الذي هاجر إلى فرنسا كعامل بناء قبل خمسين عاما لتتأسّى به إبنتي السنة الماضية ولكن بشكل مختلف، وتساءلتُ لِمَ لا أكتب نصّا أقارن فيه بين جيل أبي وجيل إبنتي وبينهما جيلي أنا الذي ظل رافضا (في الجزء الأكبر منه) عنيدا للإقامة بعيدا عن شذى الزعتر وعطر الليمون وظلال النخيل، رغم انفتاح كل حدود العالم أمام التونسيين وبدون تأشيرات ولا تحقيقات إلى حدود سنوات غير بعيدة.
فماذا عن أهم الفروقات بين الجيليْن ؟
جيل الأمس رصيده الوحيد قوّة سواعده. أذكر أن لجان انتداب العمال التونسيين وبتنسيق مع جهات الانتداب الأجنبية كانت تختبر المترشحين للعمل بالخارج في مهارات يدوية محدّدة (البناء وتوابعهُ) ولكن التعليمة الأجنبية غير المُعلنة في الاتفاقيات المكتوبة هي أن يكون الفرد قوي البنية وليس له ما يُعيقه عن صبّ جام عرقه في حظائر إعادة بناء أوروبا المُدمَّرة. أمّا جيل اليوم، فرصيده غير مادّي ومتنوّع أكثر، يتوفر على مكوّنين أساسيين على الأقل: الذكاء والمعرفة والاقتدار من ناحية والقدرة على مسك ناصية اللغات من ناحية أخرى. وهو كما أتصوّر سلاح ذو حدّين لأن الافتقار إلى سلاح اللغات لدى الجيل الأول جعله يتقوقع على نفسه ويختار العيش ضمن غيتوات مغلقة تمنع من الاختلاط بسكان البلد المُضيّف والاندماج في ثقافته ومنظومة قيمه، عكس الجيل الثاني الذي مكّنته اللغات وخاصة اللغة الانكليزية من التحوّل إلى جيل كوْني قادر على التأقلم أينما حلّ. لذلك أقول أن أبي كان مهاجرا أمّا إبنتي فهي مسافرة.
الفرق الثاني أن جيل الأمس رغم انضباطه الأصيل وتعفّفه عن اقتراف كل ما يمكن أن يسيء إلى صورته وسمعة بلاده عكس ما نلاحظه للأسف لدى عدد غير قليل من شباب أحياء الأقليات في العواصم الأوروبية الكبرى، لم يكن مُرحّبا به دائما على أرض الاستقبال لأنه مختلف وداكن البشرة ولا تُبهره كثيرا أضواء المدينة (علاوة على أنهم لا يفهمون بعض الانزياحات التي تبدو لهم غير جيومتريّة كأن يمتنع التونسي عن أكل لحم الخنزير ولكنه يشرب بعض الخمر أو لا يصلي ولكنه يصوم مؤمنا خلال شهر رمضان أو لا يحجّ ولكنه يتبرّك بأوليائه الصالحين وفقير لكنه شديد التمسّك بقيم بدويّة كالأمانة والحياء وعدم الغدر…).
جيل اليوم من جهته، يتمتّع بمناعة قوية تقيه شرّ غُلاة التيّارات العنصرية المتمددة وتراه مزهوّا بصورة إيجابية حول نفسه بحكم شهائده الجامعية واعتراف المؤسسات التي يعمل لحسابها بكفاءته. والدليل أن الرأي العام الغربي سيحتفظ لمدّة طويلة بصورة الأطباء والممرضين التونسيين العاملين في أوروبا والذين ساهموا بشكل فعّال في إنقاذ آلاف الأرواح من الموت المحقّق أثناء انتشار وباء الكوفيد، بالإضافة إلى تمكّن شبابنا المسافر من اللغات بما يُيسّر اندماجه بأكثر يسرًا والذّود عن كرامته بكل لغات العالم عند الاقتضاء… ألم يقل بعض الأجانب إنه من الخطأ استعمال تعبير “المهندسون التونسيون الأكفاء” لأن صفة “تونسي” تُغنيك عن إضافة “كفء” ؟
الفرق الثالث : لدي انطباع حذر بأن جيل الأمس متصالح أكثر مع هويّته وثقافته ودينه وصلواته في غير توتر وفي غير طموح مرَضيّ إلى أسلمة أوروبا وجعل سكانها يدفعون الجزية يوما وهم صاغرون. هو جيل لا يُسرُّ حدّ التماهي مع الآخر ولا يستنكف حدّ الكره والاستعداء. أما جيل اليوم فأصبحنا نخشى عليه من التأثر بمدارس دينية إسلامية حديثة تستغل غُربة بعض شبابنا وعوْزهم أحيانا لتجنيدهم وإرسالهم إلى المحرقة باسم نُصرة إخوتنا في الدّين وباسم أنه لا إيمان بالله بغير الكفر بالطاغوت. (لاحظوا أن أولى خطوات التجنيد تبدأ بجعل الشاب يشكّ في صحة إيمانه إن هو قاوم منزعهم) وكم من شاب أنتُزع من مدرسته أو عمله أو جامعته ليصبح مجاهدا ذبّاحا في إدلب أو باب المندب.
الفرق الرابع : جيل اليوم منخرط تماما في عالميّته وليس له حنين زائد عن اللزوم نحو تفاصيل ثقافية وحضارية أضفينا علينا نحن القُدامى قداسة خاصة، لذلك تراه يستمع إلى غولدمان وستروماييه وأندوشين وكابرال وأنجيل بشكل طبيعي ويختار لباسه كما ينتقيه التايواني أو الإيفواري. أما جيل أبي الذي أمطرنا باسطوانات فريد الأطرش وأم كلثوم وعلي الرياحي ونورة الجزائرية (التي غنّت “يا ربّي سيدي واش عملت أنا ووليدي… ربّيتو بيدي وأدّاتو بنت الروميّة”) فكان جيلا غير قادر على التعاطف مع أدامو ولاما وميشال ساردو لكونها أطباقا ثقافية لا تلين لها ذائقته الناجزة.
الفرق الخامس : كُنّا نودّع والدي باكين وخائفين عليه وعلينا… أمّا اليوم فنودّع أبناءنا مبتسمين منتشين متمنين لهم النجاح والتوفيق وموفور الصحة. من ناحية أخرى، كان جيل الأمس شديد التمسّك بأصوله وجذوره التي لا بديل عنها مهما حصل، لذلك هو يعود دائما… أما جيل اليوم فقد تكون العودة بالنسبة إليه تعني سفرة إلى برشلونة أو رحلة إلى تايوان أو جولة في أدغال الأمازون. وهنا يحضرني آخر إصدار لرسّام الكاريكاتور الفنان لطفي بن ساسي Partir ou rester حول ظاهرة رغبة مئات الآلاف من التونسيين في الهجرة خارج الوطن (مليون و700 ألف عبّروا عن رغبتهم في الهجرة) الذي يقول أحد رسومه “كانت الأم تصب الماء وراء المهاجر كي يعود، أما اليوم فقد تخلّت الأمهات عن هذا التقليد لأنهن تردن لأولادهن أن يبقوا هناك أكثر ما يمكن”.
مهاجرون أو مسافرون أو حارقون أو راغبون في المغادرة… كلها عناوين لبلد لم ينجح في شدّ بناته وأبنائه إليه فراحوا يبحثون عن مقوّمات كرامتهم وراء البحار. لكنّهم سيعودون يوما بكل تأكيد حين تصبح لنا دولة تجرؤ على فتح معاجم اللغة لاقتفاء معاني مفردات يبدو أنها لا تعرفها من قبيل “اقتصاد المعرفة” و “التواصل عبر الرقمي” و “التجديدات التكنولوجية” و “القدرة على التأقلم مع تغيرات العالم” الخ… التي يحذقها شبابنا ويُتقن تفاصيلها.
كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.
كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أوبعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.
هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:
أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،
ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.
ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.
ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.
المقنترحات العاجلة:
ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.
واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:
أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.
ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.
ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.
رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.
خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.
خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.
كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟
نجاح
10 يناير 2022 في 07:51
فكرة طريفة، أنت تنجح دوما في الخروج عن المألوف
ولكن هل ستصبح لنا دولة؟