تابعنا على

جور نار

التونسي والسيارة

نشرت

في

“البدوى حرفته الأولى كانت الرعى ثم تطورت للتجارة أو الإغارة، مهن لا تتطلب منطقا وفكرا بقدر ما تتطلب مهارة أداء، لذلك فهو يحفظ لا يدرس، يتعلم بالتقليد والمحاكاة والتكرار، يستخدم سلاحه ويده قبل عقله ولسانه.. البدوى ثقافته سمعية يتلو أقوال وأشعار الغير ولا يعترف بمنطق أو فلسفة، ومن الصعب عليه أن يبتكر أو يسلك طريقا بعيدا عمّا درج عليه والده.”

محمد حسين يونس “التكنولوجيا والعقل البدوي” موقع الحوار المتمدّن

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

أنا على ما يُشبه اليقين أن التونسي لم يغادر بدويّته تماما في قيادته لسيّارته ونسج وشائج وجدانية معها والتعامل مع باقي مستعملي الطريق العام، وهو لم يقتحم عالم الميكانيك من باب السيطرة على ناصية العلوم وترويض التكنولوجيا وتوظيف المعرفة العلمية الدقيقة لصنع السيارة وما شابهها بل هو الذي اقتحم عليه عالمه البِكر المحكوم بخليط من السّكينة الأزليّة وانعدام السرعة والقدريّة والتبرّك والتعاويذ والأدعية… والعلاقة الحميمية واللحمية المباشرة مع دوابّه وخرفانه، يلمسها في مواضع مختلفة ويتحسّس مواطن اكتنازها ويطوف بها فيما يُشبه التبرّك ويتأمّلها عن بُعد في إعجاب وانبساط.

رصيد اصطلاحي أقرب إلى عالم الزراعة والحيوان لا إلى عالم التكنولوجيا

السيارة لدينا لا تُثير حديثا مطوّلا بين الناس في علاقة بخاصيات الديازال والتيربو والديناميكية الهوائية والمحركات الهجينة والمحروقات الرّديفة والزيوت والسوائل الهيدروليكية ودورة التبريد في السيارة بل ننتشي بإطلاق تسميات من بيئتنا عليها في غير اهتمام مطلقا بعُصارة مسار طويل من الجهد والتفكير والتصميم والخطأ والتجريب ومُنتج آلاف المهندسين النوابغ في مجالاتهم، فهي الشّهبة والعترة والزرقة والدّرعة والغزالة ومقرّبة الأبعاد والتركتور الجدع (المُهرّب من ليبيا) والكميون لنڨر أو الأفطس… ولمّا يهمّ صاحب السيارة بالتحوّل إلى العاصمة يقول “غدوة كان عشنا نلفّتلها خشمها لتونس وباسم الله مرساها ومجراها” إضافة إلى  تعليق قرون البقر وذيول الأسماك وحدوة (حذاء) الحصان في الواجهات الأمامية للشاحنات وضرورة “إسالة الدمّ” بمعنى ذبح خروف أو اقتناء كمية محترمة من اللحوم للاحتفاء بقدوم هذا الكائن المُشتهى.

السيارة في مخيالنا العام لا تختلف كثيرا عن الدّابة ونتعامل معها كدابّة أكثر منها كوسيلة نقل تحكمها قوانين اشتغال دقيقة مبنيّة على تعريف الميكانيك منذ القِدم بكونه “فنّ صناعة الآلة“، فترانا نستعمل دوّاسة السرعة كما نستعمل المهماز لحفز الحصان على التقدم والجري ونستعمل الفرامل كما نستعمل اللّجام ونُميل الرأس يمينا أو شمالا عندما تبلغ السيارة سرعة ننبهر بها. بعض السوّاق في ربوعنا لا يقودون سياراتهم وفق “مقتضيات التعاطي مع الآلات المعقّدة غير المحكومة ذاتيا مثل السيارة والحاسوب والهاتف والطائرات التقليدية…” بل يعتبرون أنفسهم فرسانا أشاوس في حالة ركض وسباق (نقول في عاميّتنا نهار الكل الكرهبة يركض بيها ركيض ويبرطع بيها كالحصان)، وهم فرسان لا يُشقُّ لهم غُبار لسرعة عَدْوهم وخفة وطئهم. وقد وصل الأمر ببعض فلاحينا الأثرياء المستثمرين في غراسة التفّاح إلى تنظيم مسابقات في  “نطاح سيارات الديماكس” المصفّحة جيدا في واجهاتها الأمامية. وفي علاقة بهذا ربّما كانت سيارات الأجرة في الجماهيرية تُدعى “سيارات الرّكوبة العامة“.

هذا الصنف من السوّاق لا يراعي مقتضيات العلم والتكنولوجيا ولكن خاصة لا يراعي مقتضيات السّير في الفضاء العام الذي يتقاسمه مع سائر المستخدمين للطريق العام. والسلوك المواطني ينبني على جملة من القيم لم يتربّ عليها مثل الكياسة وإفساح المجال والتقيّد بالقواعد الصّارمة التي تواضعت عليها المجتمعات المدنيّة واللطف والتهذيب والاحترام ورِفعة الأخلاق والإسهام قدر الإمكان في تيسير الحركة لا في مزيد تعقيدها. على العكس من ذلك تماما، السائق المتأصّل في بداوته الحرون يركن سيارته كما تُركن البعير ولا يستعمل منبّهات تغيير اتجاه السير لأنه يستبطن أنه يركض في الخلاء المهجور، ولا يعتريه أي شعور بالحرج إن هو أغلق كل منافذ العبور ليتبادل أطراف الحديث العلفي مع صديق له قادم من الاتجاه المقابل أو لينزل بكامل كلكله بحثا عن خبز طازج قُبيل الآذان. وعادة ما ينزعج كثيرا من انزعاجك عندما تجرؤ على إدانة تصرفاته البكماء. أما البيئة فهو مصطلح غريب بالنسبة إليه، يتمثّل الباءة ربما لكنه لا يتورّع البتّة عن إلقاء فضلاته وأعقاب سجائره على حافة الطريق متسببا في مزيد ازدهار التلوث وحرائق حقول الحبوب صيفا.

تعوّدنا في تونس منذ الطفرة الأفغانية التي دعّمناها تونسيا وجزائريا بكل ما أوتينا من تعطش تاريخي لإراقة دماء الآخرين على مشاهد تشبه إلى حدّ كبير ما نراه في شوارع كابول وكاراتشي ولاهور والبنجاب وكشمير حيث تتداخل العربات في بعضها البعض ويختلط المارة وتشتبك الخيالات كأنها كومة من أسلاك معدنية يعسر تخليصها، وتتحوّل واجهات سيارات الأجرة وشاحنات النقل البعيد  إلى حيطان لتعليق الدازيباو . فهذا عائد بإذن الله، وذاك يتمنى لك ضعف ما تتمنّاه له، وآخرون يعلقون دعاء ركوب أو تحصين السيارة “سبحان الذي سخّر لنا هذا وما كنّا له مُقرنين، وإنا إلى ربّنا لمُنقلبون” . سُئل في هذا السياق شيخ خليجي عمّا إذا كان هناك دعاء خاص بشراء سيارة جديدة فأجابه “لم يرد نص ثابت أو واضح في شأن شراء سيارة جديدة ، وكل ما ورد فقط هو دعاء ركوب الدابة سواء كانت سيارة أو طائرة أو قطارا أو حيوانا”

السائق لدينا كذلك يُسيئُه التذكّر أن ألمانيّا أو أستراليّا غير مسلم وراء صنع “رُكوبته”، فيُسارع إلى استحضار مُسكّنات ومُهدّئات سريعة الفاعليّة ما دام تراثه يزدحم بكل المبررات الممكنة التي يجيب بها عن كل الانزياحات المُحزنة مثل “تسخير الآخرين لخدمتنا” و”أن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس” الخ… 

السائق التونسي المغوار كذلك لا يتحمل أن تقع مجاوزته بصورة عامة وتكون الطامة الكبرى عندما تكون القائمة بالمجاوزة امرأة، يستشيط غضبا وينسى أن الطريق العام ليس مجالا لاستعراض الفحولة والبطولة… وكم من حادث مروري قاتل ذهبت ضحيته نساء لم يمارسن أكثر من حقّهنّ الطبيعي في السياقة والتوقّف والمجاوزة … وإضفاء مسحة جمالية تُليّن قليلا قتامة المشهد المروري في بلادنا.

وفي مجال مدى وجاهة قيادة المرأة للسيارة، اختلف علماء الأمة وفقهاؤها وأئمّتها وتشابكوا أحيانا، ذلك أنه حين نزول الوحي لم يكن ثمة سيارة، بل كانت الدواب كالإبل والخيل والبغال والحمير.. ولا نجد نصا يقول: “لايجوز للمرأة أن تقود شيئا من هذه الدواب”.. فإذا كان كذلك فالحكم إذن في الأصل هو الإباحة..

ألم نقل إن السيارة في ثقافتنا البعيدة هي مجرد دابّة من الدواب رزقها على الله وكسبها يستدعي كتابة “ما شاء الله”؟


أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

الوضع الحالي (ج 2): الساحة الوطنية… مقترحات لدرء الخطر

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

كما عرضنا في عددنا السابق من جريدة “جلنار” بعض المعطيات المتعلقة بالساحة الوطنية داخليا وخارجيا وكما أشرنا إلى انحرافات خطيرة لبعض وجوه المعارضة عبر نشر الأكاذيب والتظلل بالـ”غرف المظلمة” المعدة لضرب تونس، بالإضافة إلى حمى الدعوات لنشر الفتن وتحريك شعب ليس في حاجة لمعاناة أكثر ويحلم بالأمن والأمان والازدهار وليس بتحقيق أهداف نرجسية أو وصولية أو عميلة لجهات أثبتت سابقا وهاهي ذا تثبت لاحقا فراغ خزانها من أية مشاعر وطنية.

كما شرحنا أيضا الحاجة الماسة لدعم القدرة الشرائية للمواطن التي وصلت إلى حد لا يحسد عليه لأسباب موضوعية وربما أيضا عملية، منها أن السلطة الحالية تجد نفسها أمام إرث ثقيل من ديون الحكومات السابقة، ولعل أكبر دليل تقدمنا به هو دفع الحكومة التونسية لقسط كبير من ديون متراكمة تعود لسنوات 2015 أو قبلها أو بعدها، و الأهم هو أن هذه الديون خلال حكومات الترويكا والنهضة لم توجه إلى أي برنامج تنمية بل على العكس تماما تم تخصيص جزء من موارد البلاد لإسكات الإضرابات و خلق شركات بستنة دون وجود بساتين وضرب سوق الفوسفات مع الهند وغير الهند. وإحقاقا للحق فقد سعت السلطة الحالية إلى إعادة هذه الموارد ولو أنها قابلة لمزيد التطوير.

هذه بعض الإشارات دون أن نتعمق في الكثير من التفاصيل التي أنهكت الموارد الوطنية ليفهم الجميع أن أدنى الشروط والقواعد لأية ثورة تستوجب:

أولا وجود قيادة فرضتها الأحداث والقناعات الشعبية،

ثانيا، طرح برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي وأمني لدرء نقاط ضعف أو تجاوز المنظومة القديمة.

ثالثا، توفير المتطلبات من أمن ومعيشة طبيعية على الأقل للمواطنين عبر تحسين الطاقة الشرائية وشغل لا تعيقه نسبة كبيرة من البطالة، ثم فرض تطور مطرد للقطاعات العامة مثل الصحة والتعليم والنقل وضمان الاكتفاء الذاتي.

ودون هذه الشروط لا يمكن علميا أو حتى ديماغوجيا تحقيق تحولات صغرى أو كبرى بالثورة ونتائج جل هذه التحولات على بعض البلدان لم تأت إلا بمزيد من التخلف والانهيار الاقتصادي و الأمني مما أعاد حنين بعض الشعوب إلى ما فات والندم عليه ندامة الكسعي.

المقنترحات العاجلة:

ان الشعب التونسي يستحق الأفضل وهو شعب صعب المراس ولا يخضع لأية تاثيرات غير قناعاته بل إن أية محاولة لتوجيهه تعود بالوبال على الزمر التي قامت بها، لكنه أيضا شعب صبور على الشدائد وشظف العيش من أجل الإخلاص لاختباراته وقناعاته إلى حدود معينة، فلا مجال لتحريك من جهات خبر حكمها جيدا ولفظها ولا مجال لأي مستعين بالخارج، لكن شعبنا يعبر عن معاناته المتمثلة في معيشته وشغله ورفاهه، ولعل إحدى صفاته انه “موقوت فجئي” لا يسمح لأي طرف بتفكيك توقيت انتفاضاته أو غضبه، ذلك أنه إن عدنا قليلا إلى التاريخ نتذكر “ثورة الخبز” وقبلها 26 جانفي وبعدها الحوض المنجمي و17 ديسمبر وغيرها من الانتفاضات التي لم تكن في حسبان أي جهاز وطني أو خارجي.

واليوم لنتدرج إلى أهم المتطلبات الوطنية تالقائمة في أعلى هرم الأولويات:

أولا، لعل الضغط على الأسعار المتعلقة بقوت المواطن تعد أهم ضرورة، فمن المهازل أن يستمر. ارتفاع سعر اللحوم إلى هذا الحد و كذلك أسعار الخضر والغلال وبقية المواد المعيشية، وعلى السلطة أن تحدد وتفرض تطبيق اسعار اللحوم أقل من 25 دينارا للكيلوغرام، وعلى كل من يتأفف من ذلك أن يبحث عن مورد رزق آخر فالشعب لا يستحق التنكيل به إلى هذا الحد.

ثانيا، إن معضلة أفارقة جنوبي الصحراء تكتسي خطورة أمنية تمس حتى من كينونة بلادنا وتركيبة سكانها وتعد قنبلة موقوتة ضد تونس، وعليه فإن الجمع بين الإعادة الطوعية والإجلاء القسري يعد من أهم الضروريات.

ثالثا، ,على المستوى السياسي ورغم انزلاق البعض نحو الاحتماء بالخارج وهذا متوقع ويصنف قانونا كخيانة عظمى، فإن بعض فصائل المعارضة الوطنية تستحق انفتاحا من السلطة وربما تشريكا لصالح ضمان سير أي وطن، لكن على عكس ذلك فإن بعض الوجوه والجهات العدوانية التي تدعو إلى الفتنة والحلم بعودة حكم عرفت فترته الإرهاب والاغتيال والغنيمة والسحل والرش والتغول في كل قطاعات البلاد خدمة للمنظومة وليس للشعب، وجوه السوء هذه لن يكون لها أي دور جديد غير الرغبة الجامحة في دمار البلاد والانتقام من الشعب واختياراته.

رابعا، تنقية الأجواء السياسية وذلك ببعث محكمة دستورية يقودها رجال وطنيون لا يؤمنون الا بالعدل والمصلحة الوطنية.

خامسا، لايعد تدخلا في القضاء متى ما كان هدف العفو عن عدد من المساجين الذين لا علاقة لهم بالارهاب أو المؤامرات او الفساد المالي أو الحق العام. ونظن ان شريحة من المساجين قد تستحق العفو الذي يدخل دستوريا ضمن صلاحيات رئيس الدولة.

خامسا، إننا إذ ننوه بجهود السلطة القائمة في عديد الميادين (النقل، الأمن، مقاومة الفساد، الطرقات، إعادة موارد البلاد مثل الفوسفات الذي تم تجميده طيلة العشرية)، فإن عددا من القطاعات يتطلب مزيدا من العناية مثل القطاع الصحي والقطاع الفلاحي، وبالمناسبة فإنه من غير المقبول أن لا يستجيب هذا القطاع الهام إلى ضمان الاكتفاء الذاتي الغذائي.

كذلك لابدّ من مراجعة شاملة لقطاع التعليم وإدراج مادة السلوك الحضاري ومفهوم الوطنية وقدسية العمل ضمن برامجه للإسراع بغرس المقومات الاخلاقية والوطنية في أجيال تونس القادمة انطلاقا من رياض الأطفال إلى حدود الجامعات، لخلق مجتمع ناضج وليس فقاقيع من البؤر والكسل والاستقالة من الشأن الوطني.

أكمل القراءة

جور نار

من الشبّاك

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.

فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت على مسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.

كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها

ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.

إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا

ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…

ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها

المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز

نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.

أكمل القراءة

جور نار

وقت مستقطع… للحبّ!

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الأطرش:

علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…

ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟

ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…

هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…

خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…

وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…

أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار