بعد أن فعلها مولانا وأصبح قاضي قضاة الأرض…وبعد أن أصبح إعفاء القضاة وطردهم من مشمولات مولانا…هل يحق لي أنا المواطن الذي لا ابحث عن كرسي ولا عن موقع بين الأمراء والاسياد…أنا الذي لا يملك شيئا على هذه الأرض غير ملابسه…أنا الذي لا يملك غير قلمه وكرامته … ووضوح رؤيته… وصدق نواياه…
محمد الأطرش
هل يحق لي أن أسأل مولانا وتاج رأسنا، كم من وعد أنجزناه بما اتاه… وكم من جائع أطعمناه …وفقير أنجدناه… وغريق أنقذناه… ومريض عالجناه… وسائل اعطيناه…ومشروع أتممناه…ودين دفعناه……وكم من مظلوم سيلتقيه يوم الحساب…وكم منطالب حقّ منه سيطالبه بحقّه من قاضي السماء…هل يحقّ لي أن اسأل مولانا أمير المؤمنين والصالحين والوطنيين والشرفاء، كيف تقضي بين الناس وعلى الناس بمجرّد شبهة أو سطر في “موقع فايسبوكي” وهم من كل ما قيل عنهم وما كتب عنهم وفيهم، أبرياء حتى اشعار آخر…فهل من أجل الظلم انتخبناك…هل من أجل تصفية الحسابات انتخبناك…هل من أجل الانتقام لبعضهم انتخبناك…فكم من مشكلة من مشكلات البلد تمّ حلّها بعد أن أعلن مولانا في مرسوم “أميري” عن إعفاء سبع وخمسين من القضاة؟
هل فكّر حقّا مولانا في ماذا سيقوله يوم نُساق جميعا في حالة تقديم أمام قاضي السماء وهو الذي أصبح اليوم وبالأمس قاضي الأرض وقلم الادعاء، فقاضي السماء ليس في حاجة لإصدار بطاقة جلب أو بطاقة إيداع فكلنا في حالة إيداع حتى يحكم بيننا قاضي السماء…ماذا سيقوله للفقراء حين يطالبونه بحقّهم…وما فعله من أجلهم وهو الذي نادى طويلا باحتياجاتهم قولا ليس فعلا…ماذا سيقول للمستضعفين في الأرض الذين بحثوا في عهده عن طريق للخلاص من قبضة الجوع والخصاصة والحاجة…وماذا سيقول لمن سلبهم غيرهم ما كان لهم في عهده، ألم يعدهم السلطان بالعدل والكرامة وإعادة الحقوق لأصحابها…ماذا سيقول لمن مرضوا ولم يجدوا دواء ولا علاجا…وإذا وجدوه لا يجدون ثمنه…وإذا وجدوا ثمنه فبالتوسل والسؤال…ليعيشوا ذلّ المنّ وذلّ السؤال…ماذا سيقول لمن غرقوا في المتوسط هربا من الخصاصة والجوع والإحباط الذي في عهده عشناه…ماذا سيقول لمن كانوا ينتظرون منه رفعا لمظلمة ولم يجدوه…
ماذا سيقول لمن ظلمهم من القضاة يوم يقفون أمام قاضي السماء يطالبون بحقّهم من قاضي الأرض…ماذا سيقول لأبناء القضاة الذين ظلموا…ماذا يقول لمن انتحر من أبناء وبنات القضاة هربا مما يقال عن والدهم أو أمهم…ماذا سيقول لمن فقد عقله منهم بما حلّ بوالده أو والدته…ماذا سيقول لمن عانى هتك عرضه وتهكم واستهزاء رفاقه في الدراسة من أبناء القضاة المعزولين…ماذا سيقول للقاضيات اللواتي اتهمن بالزنا وهن منه أبرياء يوم الحساب…ماذا سيقول لأبناء من اتهمن بالزنا بعد أن سجنوا انفسهم داخل غرفهم خوفا من كلام الناس وشماتة الأصدقاء والاعداء…هل يعلم حجم الوجع والألم والعار الذي لحق بهم وأمهاتهم منه ومما اتهمن به أبرياء…ألم يأمر الله بالستر على النساء…ماذا سيقول لقاضي السماء حين يطالبه من نعتوا بالفساد ومن اتهموا بتهم لا صلة لهم بها…ماذا سيقول لمن هتك عرضهم وشوهت صورتهم أمام كل الناس فقط لأنه عزلهم بشبهة لا شيء أكّدها…ماذا سيقول لمن عاقبهم أتباعه ومن هم حوله وأفسدوا حياتهم فقط لأنهم يعارضون مشروعه ولا يقبلون به سلطانا…
ماذا سيقول غدا يوم نلتقي جميعنا بقاضي السماء عن كل ما قاله وصرخ به في خطبه …عن الظلم…عن المظلومين…وعن الفقراء والمحتاجين…ماذا سيقول لقاضي السماء عن وعده بالعدل…ووعده بمحاربة الظلم…ألم يقل طويلا إن السلطة التي تحكم بنفسها هي الأكثر ظلما…فكيف يحكم اليوم بنفسه…ألم يقل طويلا إن السلطة الأكثر ظلما هي تلك التي تسوس بقانونها وتشرّع بهواها وتكتب فصول دستورها على مقاسها ألا يفعل ذلك اليوم؟ ألم يقل طويلا إنه جاء ليمنع التمادي في الظلم…ومحاربة الظالمين…ألم يقل طويلا إنه جاء ليضرب على يد الظالم ويأخذ حقّ المظلوم…ألم يقل ما يشبه قول عمر إنه لن ينام وبين شعبه جائع… وبين رعيته فقير ومحتاجٌ…فإن اعتبر نفسه رئيسا فنحن شعبه…وإن حسب نفسه سلطانا فنحن رعيته…فهل بمثل هذا تعامل الرعية من سلطانها ويعامل الشعب من رئيسه؟؟
ماذا سيقول وهو الذي أوهمنا جميعا بأنه شديد الايمان بالنظريات الحديثة للحكم…وأوحى لنا من خلال ما يقوله في خطبه بأنه يعي جيّدا أفكار مونتسكيو وجان جاك روسو …ماذا سيقول لنا وهو الذي يقول إنه يؤمن بالمفاهيم الانسانية لابن خلدون…ماذا سيقول وهو الذي تحدث طويلا عن الحكم الرشيد والعدل بين الناس…ماذا سيقول وهو الذي أقضّ مضاجعنا طويلا بخطاب منتصف الليل الحامل لشعارات لم نر منها شيئا إلى يومنا هذا…ماذا سيقول وهو الذي يصرّ دائما في خطبه على حقوق المواطن…وحريته…وكرامته…
هل جاءنا مولانا حاقدا على كل من حكموا قبله وقواعدهم وأتباعهم ومؤسساتهم وما تركوه وما أنجزوه وما حققوه…فهل سيلغي كل من جلسوا على كرسي قبله حتى وإن كان الكرسي لحاجب او لموظف بسيط… وهل سيهدم كل البناء حتى وإن كان قن دجاج…هل سيقدر على بناء دولة وأمة على مقاسه ومقاس ما يريده من أغدقوا عليه بالزغاريد والتصفيق والهتاف ومن أوسعوه ثناء وتملقا ونفاقا… واسمعوه مدحا وشكرا وغناء…ألا يمكن أن تكون المصالحة الشاملة هي الأنسب لهذه الأمة التي تعيش وجعا لم تعرفه منذ ثلاثة آلاف سنة…ألا يجب ان نضع الحقد والكره والانتقام والثأر جانبا ونبدأ من جديد دون أحقاد…فالحاقد لا ينصف بل ينحاز ويظلم…والحاقد لا يبحث عن الحقيقة بل يبحث عن عثرات الآخرين…
مولانا يحكم بالسماع…وبالرؤية…وحسب النشرات الجوية لمريديه وما يقولون…ويزعمون…ويروّجون…وبما يقوله أتباعه وما تكتبه قواعده…مولانا لم يلتفت يوما إلى مشاغلنا الحقيقية بل اكتفى بمعالجة كل شؤون حكمه والتأسيس والتأثيث لولايته الثانية التي يريد أن يحكمها سلطانا لا رئيسا…أسَأل مولانا…أقرَأَ مولانا قصّة طعن نجيب محفوظ رحمه الله في عنقه سنة 1995 من قبل شاب اتهمه بالكفر والخروج عن الملّة بسبب روايته “أولاد حارتنا” الرواية التي منعت من الطبع في مصر من شيوخ الأزهر، بعد محاولة القتل رقد نجيب محفوظ فترة طويلة في المستشفى حتى تماثل للشفاء، وأُعدم الشابان المشتركان في محاولة الاغتيال رغم رغبة محفوظ في عدم اعدامهما وتأكيده على أنه غير حاقد عليهما….وأثناء محاكمة من حاول اغتياله سأل القاضي الرجل الذي طعنه: لماذا طعنته…؟! فأجاب: لأنه كافر وخارج عن الملة…!! فسأله القاضي: كيف عرفت…؟! فرد قائلاً: من رواية “أولاد حارتنا” …!! فسأل القاضي بدوره: هل قرأت “أولاد حارتنا” …؟! فأجاب المجرم: لا…!! وأنت مولانا هل قرأت ما يفيد ثبوت كل التهم التي وجهتها للقضاة المعزولين أم قرأت فقط ما كتبه أتباعك على حساباتهم “الفايسبوكية” وما كتبه الوشاة من تقارير لا أحد يؤكّد صحتها من عدمها قبل بحث دقيق من أهل الاختصاص؟؟ فهل بما فعلته مع القضاء أصبح شعبك مشبوها…وجب إصدار بطاقة إيداع فيه؟؟
لا شكّ أن قصة فايسبوك معنا، تشبه حكاية ذلك الجندي الأمّيّ في فيلم “البريء” لعاطف الطيب… فهو يطارد بشراسة لا نظير لها، مساجين عزّلا لا حول لهم ولا قوّة ولا ذنب أيضا، حاميا ـ بشراسة واستماتة عجيبتين ـ الجلاّدين والقتلة والسُرّاق وهو يظنّ نفسه يحمي الوطن من أعداء الوطن.
فهذه ثالث أو رابع مرة تتمّ فيها قرصنة حسابنا، وثالث أو رابع مرة نضطرّ إلى فتح حساب جديد، وثالث أو رابع مرة نتصرف كالمهرّبين في حين أن حقّنا هو الذي وقع تهريبه، وحسابنا هو الذي تمّ السطو عليه، وصفحتنا (بل صفحاتنا) هي ما استبيحت علىمسمع ومرأى ممن يزعمون حمايتنا، ويجهدون أنفسهم في التدقيق معنا ونحن نحاول دخول منزلنا، وتسألنا منظومتهم عن العلّة وبنت العلة للتأكّد من أنّ أنت هو أنت، وفي الأخير وبعد استيفاء كل طرق الاستجواب الجمركي الممكنة، يتركون لك بابا واحدا للمرور… هو باب الانصراف راشدا.
كان يكفي أن تفعل شركة الكهرباء بنا ما فعلت، وكم يطول استعراض تبعات ذلك وكوارثه علينا فرادى وجماعات، حتى يتسبب قطع التيار في إنغلاق حسابنا الفايسبوكي الأخير (عبد القادر محمد المقري) من تلقاء نفسه، واستعصاء إعادة فتحه عليّ، فلم تعد كلمة العبور صالحة رغم المحاولات، وقد فسّر ذلك أحد الأصدقاء المتخصصين بأن الحساب (الذي كنت أتركه مفتوحا بالأشهر والسنوات) تعرّض لقرصنة ولتغيير كلمة عبور، تماما كما يفعل مغتصبو المساكن الخالية باستبدال أقفالها
ورغم أنني لست من مدمني فايسبوك ولا من المنهمكين طول اليوم في التلصص عليه، إلا أني كنت مجبرا على تفقده بين الحين والحين لنشر مواد “جلنار”، أو للتنفيس عن غضب مكبوت من عوج ما، قبل احتمال جلطة أو نوبة صرع قاضية.
إذن رغم محاولات أصدقاء فنيين من كبار المهرة، أخفقنا في إعادة الروح إلى الحساب، وحتى في بعث حساب جديد، فأبناء الحرام من بني جلدتنا والمحسوبين جزافا علينا، فعلوا المستحيل لاستفزاز شرطة المواقع الاجتماعية، وحفزها على سدّ كافة المعابر في وجوهنا، مثلما يحصل للتونسيين الغلابى مع المصالح الحدودية والقنصلية لكل دول العالم تقريبا
ولكن للصدف أحكامها الجميلة أيضا، ففيما كنت أبحث عن شيء في هاتفي المتفلسف، عثرت على صفحة منسية كنت أنشأتها منذ 6 أعوام لفائدة رفقائي القدامى من جريدة “الأيام”، وكنت من الرومانسية (وربما أيضا من الغباء) بحيث عنونْتُ الصفحة على اسم الشارع الذي تأسست فيه الجريدة، علّ ذلك يوقظ حنينا وومضة وفاء، لعنوان خيمة آوتنا ونحن فراخ عصافيرَ زوّادةُ مناقيرها الحَبّ والحُب، ولكن…
ذهبت الرومانسية، وانقشع الحلم، وتكشّفت جوارح وكواسر، ونامت الصفحة تحت الأنقاض وتلك رواية ليس الآن مجالها
المهمّ أنه تقنيا ما تزال الصفحة حية، وأصبحت كعين الماء في متاه صحراء نارية لا نهاية لعطشها، ونافذة التهوئة أمام محكومين بالخنق والشنق، وكم كان ثمينا هذا الكنز
نعود إذن (وحتى قرصنة أخرى) من هذه الفتحة الصغيرة، عسى أن يكون ذلك بشيرا بفواتح أخرى وفتوحات، وخاصة ملتقى متجددا مع أصدقاء لايحبّون لنا إلا الخير، وكم نحبّ لهم أكوام خير وسلام.
علينا اليوم أن نعترف أن هذا الشعب دفع ومنذ 2011 أغلى ما عنده ليكون حاله أفضل مما كان عليه …وأفضل مما هو عليه اليوم
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل دفع هذا الشعب ما دفعه من أجل أن يصل إلى هذه النتيجة؟؟ هل من عانى الفقر… ومن تذوق الحاجة …ومن يعيش يوميا وجع الإحباط واليأس كان يريد هذه النتيجة؟؟ هل نشعر اليوم بحال بعضنا البعض…بوجع بعضنا البعض…بمأساة بعضنا البعض؟؟؟ لا أظنّ ان هذا الشعب كان يهدف بما عاشه وعاناه للوصول إلى ما هو عليه اليوم… جميعنا اليوم يحقد على جميعنا…جميعنا اليوم يتهم جميعنا… جميعنا اليوم يتربّص بجميعنا… وجميعنا اليوم يسعد بوجع جميعنا… وجميعنا اليوم تأبط شرّا لجميعنا…
ألا يمكن ان نقف لحظة ونسأل بعضنا البعض ونسأل أنفسنا إلى اين نحن سائرون؟؟ هل فعلنا كل ما فعلناه من أجل تعميق جراح بعضنا البعض؟؟ هل مات من مات منّا من أجل أن نعيش هذه الفتنة وهذا الانقسام؟؟؟ ألا يمكن أن نكتفي ببناء الحاضر والتفكير في ما يمكن أن نتركه للمستقبل عوض ان ننتقم من الماضي؟؟ هل الاكتفاء بمحاسبة الماضي سيصلح حالنا وأحوالنا؟؟ ألا يجب أن نعترف بأننا خسرنا الكثير من الوقت، في البحث عن أخطاء الماضي ومشكلات الماضي وخيبات الماضي وجراح الماضي ووجع الماضي؟؟؟
ألسنا جميعا من الماضي وأن لم نكن من صُنّاعه ؟؟ ألسنا أبناء الماضي الذي نحاكمه اليوم؟؟ ألسنا ممن عاشوا الماضي وكانوا جزءا من معاناة الماضي؟؟ أنبحث اليوم عن إصلاح حاضرنا أم نبحث فقط عن الانتقام من الماضي؟؟ في ماذا سيفيدنا الانتقام من الماضي؟؟؟ ليس من المنصف أن نجزم بأن جميع من شاركوا في تسيير شؤون الماضي كانوا من المفسدين أو شركاء في أوجاع الماضي، وليس من العقل والمنطق أن ننسى ان العدد المسبب لوجع الماضي كان أقلّ بكثير من عدد الساكت عن أوجاع الماضي؟؟؟ أليس الساكت عن الحقّ شيطان أخرس؟؟كيف حالنا اليوم ونحن نعيش الانقسام؟؟ هل يعرف أحدنا كيف حال جاره…وكيف يعيش جار جاره؟؟ هل نسأل عن حال بعضنا البعض؟؟ هل نتآزر كما كنّا في الشدائد؟؟ هل نعلم بوجع بعضنا البعض؟؟ لا أحد منّا يفكّر في الآخر… ولا أحد منّا له القدرة على مواساة الآخر…جميعنا يخاف جميعنا…فكلنا يرى في بعضنا وشاة…وأتباعا…وجزءا من قطيع… الحقد أصابنا في مقتل ووسّع الهوّة والشرخ بيننا…
هل تعرفون حكاية السيدة الصينية التي عاشت مع ابنها الوحيد في سعادة ورضى حتّى زارهما الموت واختطف من الأم ابنها…حزنت السيدة حزناً شديداً لموت ابنها ومن شدّة حزنها ذهبت إلى حكيم القرية، وطلبت منه أن يمدّها بوصفة قادرة على استعادة ابنها إلى الحياة مهما كانت صعوبتها ومهما ارتفعت تكاليفها… مسك الشّيخ الحكيم رأسه بين يديه وهو يعلم استحالة طلبها وقال : تريدين وصفة؟ حسناً هاتي لي حبّة خردل واحدة من بيت لم يعرف الحزن أبدا…
خرجت السيدة بكل عزم تبحث بين بيوت القرية كلها وتسأل عن هدفها “حبة خردل” من بيت أو منزل لم يعرف الحزن مطلقاً… طرقت السيدة باب جارة لها ففتحت لها امرأة شابة فسألتها: هل عرف هذا البيت حزناً من قبل…؟ ابتسمت جارتها في مرارة وقالت: وهل عرف بيتي هذا غير الحزن؟؟ وأخذت تروي للسيدة كيف أن زوجها توفي منذ سنة وترك لها أربعة من البنات والبنين، ولإعالتهم قامت ببيع أثاث الدار الذي لم يتبق منه إلا القليل…تأثرت السيدة وحاولت أن تخفف عنها، وقبل الغروب زارت السيدة بيتاً آخر وطلبت نفس المطلب، وعلمت من صاحبة الدار أن زوجها مريض جداً وليس عندها ما يكفي من الطعام لأطفالها منذ فترة… ذهبت السيدة إلى السوق واشترت بما معها من مال طعاما ورجعت إلى صاحبة الدار وساعدتها في طبخ وجبة سريعة لأطفالها وساعدتها على إطعامهم ثم ودعتها…
وفي الصباح واصلت السيدة بحثها عن “حبة الخردل” في منزل لم يعرف الحزن ابدا وطال بحثها لكنها لم تجد منزلا أو بيتا لم يعرف ولم يزره الحزن يوما… وبمرور الأيام، أصبحت السيدة صديقة لكل سكان بيوت القرية التي زارتها ونسيت تماماً أنها كانت تبحث في الأصل عن حبة خردل من بيت لم يعرف الحزن… ذابت في مشاكل ومشاعر الآخرين ولم تدرك قط أن حكيم القرية قد منحها أفضل وصفة للقضاء على الحزن…
أيجب اليوم ان نخرج من بيوتنا لنبحث جميعنا عن “حبّة خردل” في كل بيوت وشوارع البلاد التي لم تعرف الوجع والإحباط واليأس والمعاناة، لنعود إلى بعضنا البعض وننسى أحقادنا وما وصلنا إليه من انقسام لا موجب له ابدا… ألا يجب أن نطلب وقتا مستقطعا للحبّ… أليس بالحبّ فقط نقضي على الأحقاد؟؟؟
سؤال يقلق راحتي: لماذا يحنّ أغلبنا إلى الماضي…؟؟ لماذا حاضرنا أصبح ثقيلا لا يطاق…؟؟ ولماذا نخاف المستقبل أيضا؟؟ والإجابة في غاية البساطة…
هل نحن اليوم ما كنّا عليه وفيه سابقا؟؟ لا…هل قبلنا ببعضنا البعض رغم اختلافنا؟؟ لا… هل اعترفنا بما أتيناه من أخطاء في حقّ بعضنا البعض؟؟ لا… هل قمنا بمراجعات في ما أخطأنا فيه وطلبنا الاعتذار ممن أخطأنا في حقّهم؟؟ لا…هل أصبحنا اليوم نقبل بأن يكون بعضنا أفضل منّا وأرفع درجة؟؟ لا… هل أصبحنا كما كنّا نسبيا سابقا نسعد لسعادة بعضنا؟؟ لا… هل نحزن لوجع بعضنا أو خصومنا إن نزلت بساحتهم مصيبة؟؟ لا…هل نتضامن مع المظلوم وأن كان خصمنا ونختلف معه؟؟ لا…هل نتمنى السلامة لمن نختلف معهم وننافسهم في شأن من شؤون الحياة؟؟ لا…إذن نحن لسنا نحن … ولا يمكن أن نكون نحن؟؟ فهل الدنيا اليوم بخير كما يزعم بعضهم ويفاخرون؟؟ لا ليست بخير أبدا…
فكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يُظلم ونحن لا نحرّك ساكنا وحتى السنتنا أصابها شلل الجبن والخوف من أن يقع معنا ما وقع معهم…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والعاطل لا يزال عاطلا والفقير لا يزال يئن تحت ثقل معاناة الفقر…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ونحن فرّطنا في ثقافة العمل ولا عاد يهمّنا أي شأن من شؤون البلاد…؟؟وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعض مرضانا لا يجدون في صيدلياتنا الدواء…؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وكفاءاتنا تغادر البلاد بالآلاف؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير ولا يزال بعضنا يكذب على بعضنا؟؟
وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يهتك عرض بعضنا ظلما وعدوانا؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يكره بعضنا دون سبب فقط لأنه ليس من القطيع؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يتّهم بعضنا فقط لأنه يختلف عنه ؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يضمر لبعضنا شرا فقط لأنه لا يتفق معه في بعض شؤون الوطن؟؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا يختلق الأكاذيب على بعضنا فقط لأنه كان أجدر منه بالمقام والمكانة؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير والنفاق أصبح جزءا من الهواءالذي نتنفس؟؟ وكيف يمكن أن تكون الدنيا بخير وبعضنا لا همّ له غير الانتقام ممن سبقوه ؟؟؟ وكيف يمكن ان تكون الدنيا بخير وأغلبنا ممن لم يحترفوا التصفيق والهتاف يعيشون القلق والخوف والاحباط والياس؟؟
فهل أصبح شعبنا غير قادر على النسيان…غير قادر على المصالحة…غير قادر على تغليب خطاب التسامح…غير قادر على العيش مختلفا…وغير قادر على الحب…هل أصبح التسامح والحبّ للجبناء …وأصبح الحقد والانتقام للشجعان؟؟؟
هل يعلم بعض هذا الشعب أن الدنيا ليست بخير كما يزعمون…فإن كانوا يعلمون ويتظاهرون بأنهم لا يعلمون فهذه كارثة…وإن كانوا يعلمون ولا يهمّهم ما يعلمون فتلك مصيبة المصائب…