تابعنا على

جور نار

بعض آخر من قصص الطفولة المدرسية

نشرت

في

أولا : شعشوع والملف المهاري

لم يذهب شعشوع بعيدا في تعلّمه، فقد قذفته المدرسة خارج أسوارها (بالرغم من أنّ مدرستنا لم تكن مسيّجة آنذاك) منذ سنوات الابتدائي الأولى لمحدودية إمكاناته الذهنية كما يقول أغلب المدرّسين، وهي لعمري تهمة باطلة لأن في ذلك إغفالا لأهمية العوامل الأخرى المسؤولة عن فشل صاحبنا، ثم هو عندما سيكبر، ستلاحظون كم كان شعشوع مؤهلا ليكون مبدعا ومتألقا في مجالات عديدة لم تقدر مؤسسة المدرسة على التقاطها وصهره ضمن مسالك تنسجم مع خصوصياته وفرادة تشكيله النفسي والشخصي.

منصف الخميري Moncef Khemiri
منصف الخميري

 أذكر أنه كان حريصا جدا على تدبّر مقعد في قاعة الدرس ولكن لأسباب أضحت تونسية غائمة في ذهني، كان في كل مرة يتلقّفه سي الخزري قائلا “يا رابح برّة لتالي توّة ندبّرلك بلاصة” قبل أن تمتلئ كل المقاعد ويوصد الباب في وجهه… تكرّر المشهد مرات عديدة إلى أن يئس شعشوع وهجر المدرسة والدراسة وكره المدرّسين والدّارسين. كان بارعا جدا في صنع الفِخاخ بنفسه وكان أقدر من الجميع على التمييز بين الطيور الواقعة بين فكّي “مندافه” (وهو في الأصل آلةٌ يُطرق بها القطنُ ليرِقّ ويزول تلبّده كما تقول القواميس) فكان يُفرّق بين العُقاب والصقر والسمّان والغرنوق والتّرد والقبّرة والحجل وبين الحمام واليمام…

وكان شعشوع بطلا حقيقيا في ما يسمى اليوم بالغوص الحر لا يعادل طول نفسه تحت الماء أحد من جيله دون استعمال أي معدّات إضافية للتنفس… وكان سبّاقا بمهارات أولمبية لأنه كان يُطارد الثعالب والذئاب على مسافات خيالية، إذ تمكّن ذات مرة من اللّحاق بزيردة أخرجها عنوة من مخبئها بعد إغراقها بكميات كبيرة من الدّخان على مشارف منطقة الجريف أي على بعد 30 كلم تقريبا… إضافة إلى حذقه لفنون صيد السمك في وادي ملاق والحرث والزراعة والحصاد والدّريسة وجني الزيتون… وكان لشعشوع أيضا مهارات تجارية غير عادية لأنه كان يقتلع بيُسرٍ مصروفه اليومي من بيع الببوش المغلق الذي يعرف مكامنه تحت الأرض وبيع حزم الهليون البرّي asperges  وحبوب العنّاب الصغيرة (النبق)…

تصوّروا طفلا بهذا الملمح في مجتمعات أخرى تؤمن أكثر منا بأهمية المهارات الحافّة غير المدرسية … لكان شعشوع طفلا مُشعّا له مكانته الثابتة التي تشبه تدفّق الحياة في عروقه وقدراته الفائقة على ترويض الطبيعة المتوحّشة، ولكان سبّاحا عالميا أو سبّاقا متميزا أو تاجرا متمرسا أو فلاحا رياديا أو أخصائيا مرموقا في مجالات دراسة حياة الطيور والحيوانات البرية وأشكال تكاثرها. ويبقى السؤال متوهّجا : كم من شعشوع اليوم عند أبواب مدارسنا لا تقدر منظومتنا الغبيّة والحزينة على تثمين مواهبه وصقل مهاراته وبراعاته المكبوتة ؟

ثانيا : الأرملة المرضع

النصوص الأدبية التي رضعنا حليبها ونحن صغار تدور أغلبها (أو هذا على الأقل ما بقي عالقا بذهني) حول معاني البؤس والفقر والخصاصة وضنك الحياة. فقد كنا نطرب لسماع “مات الذي كان يحميها ويُسعدها…فالدهر من بعده بالفقر أشقاها” ونتابع بشغف قصة الأم التي أنهكها الفقر فكانت تُوهِم أبناءها الذين صرعهم الجوع أنها تطبخ لهم وجبة العشاء في حين أنها كانت تطبخ الحصى والحجارة حتى يخلدوا للنوم دون أكل،  وكنا نزهو بقصة القط الطمّاع والعجوز الشريرة وصورة الطفل الباكي التي كانت تُعلَّق في أغلب الديار التونسية، والصياد المنكود الحظ ومالك الحزين وكل تلك الترسانة من الجُمل التي أثّثت كتاب “اِقرأ” في السنة أولى ابتدائي من قبيل “أكل السبع نعجتي” و “لسعت عقربٌ حليمةَ فجعلت تبكي”…و “طرق مسكين بابنا فأطعمتُهُ تمرا ولبنا” و “نشرب من أحواض ماء حولها ضفادع تنقنق فضحك صالح من نقيقها” و “الضفدعة التي أخذت تشرب كما تشرب الأبقار حتى ورِم بطنها ورما شديدا فماتت” و “عصف الرياح وزمجرة الرّعود وشدّة الزمهرير …”

اعترضتنا لا محالة بعض النصوص الأخرى التي تغنّت بقيم العمل والإخلاص وحب الوالدين وجمالية فصول السنة، لكنها لا ترتقي في كمّها ولا في عمقها إلى مستوى كثافة البؤس الذي كان مخيّما على سطوح مدارسنا.

ثالثا : من هو “ميتول” ؟ (وهو اسم المدرسة التي قاومت إصرار شعشوع على التمدرس).

درست بمدرسة ابتدائية عُرفت بمدرسة ميتول MUTHUL لكونها تأسّست على أنقاض محطة سكة حديدية كان يستعملها المستعمر الفرنسي لنقل مادة الرصاص المستخرج من مناجم الطويرف بولاية الكاف، ولكن لا أحد حدّثنا ونحن صغار عن أسباب وجود هذا الخط الحديدي ولا عن دواعي التخلي عنه مباشرة بعد الاستقلال. كما لا أذكر أن معلما واحدا تساءل من هو ميتول الذي أُطلق اسمه على هذه المحطة ثم على المدرسة. (علمت بعد نصف قرن وحسب ما تذكره المجلة التونسية التي نشرها معهد قرطاج سنة 1930 أن ميتول هي ساحة المعركة التي شهدت انتصار الجيوش الرومانية بعد سنتين من الحرب بقيادةMétellus  Q.Caeeilius على الجيش الذي كان يقوده يوغرطة ملك النوميديين سنة 111 قبل الميلاد ).

والغريب بل والمُضحك أن السلطات التربوية الباسلة قررت منذ بعض السنوات التخلي عن هذه التسمية الرومانية واستبدالها بـ “مدرسة السعادة” وفاءً منها لعقلية تونسية فذّة تعتقد أنه يكفي أن تُطلق صفة الخصوبة على قرية ما ليعمّ الرفاه فيها وأن تُطلق اسم الازدهار على حيّ شعبي لتشعّ السعادة وينتشر الفرح لدى جميع ساكنيه …

ومن المفارقات العجيبة أيضا أن مدرستنا تقع على بُعد بعض الكيلومترات من آثار شمتو التي كان يُستخرج من مقاطعها أثمن أنواع الرّخام في ظل الإمبراطورية الرومانية marmor numidicum   الذي شُيّد منه ذلك العمود الروماني الذي أقيم في الساحة العامة (Forum) في عهد الامبراطور يوليوس قيصر… ولكن لا أحد حدّثنا عنها أو حفّزنا على زيارتها لأنهم كانوا يتصوّرون أن “حمار جحا” و “أشعب في بلاد الواق واق” ذات فوائد بيداغوجية وتربوية أكبر. وحصل نفس الشيء مع موقع بلاريجيا “مدينة الفسيفساء والطوابق البنائية والأخ التوأم لموقع شمتو جغرافيّا وحضاريا” الذي لم يحظ بصفحة أو دقيقة واحدة في كامل دراستنا الابتدائية.

ويمكن أن نستنتج بشيء من المرارة وفي علاقة بكل ما تقدّم من وقائع عشتُها دون كثير تجميل روائي، أن أي إصلاح جدّي لمدرستنا التونسية لا بدّ أن يمرّ عبر :

  • ضرورة أن يرافق النتائج المدرسية لكل تلميذ ملفّ مهاري يكون أداة لرصد المهارات غير التقليدية للتلاميذ، ونوعا من الجواز التربوي الذي يتمّ اعتماده في الدخول إلى الجامعات والالتحاق خاصة ببعض المسالك التي تستدعي ملمحا خصوصيا لا تُترجمه بالضرورة النتائج الكمية.
  • إكساب المدرسة ومضامين الدراسة فيها كل ما يجعلها جذّابة ومُحيلة على الحياة والسعادة والقيم الانسانية الإيجابية لا على الموت والبؤس وقيم الانغلاق والتحجّر.
  • جعل التلاميذ في كل جهة يكتشفون خصوصيات محيطهم المباشر حضاريا وبيئيا ومناخيا…تعزيزا لشعورهم بالانتماء وتفعيلا لفكرة بيداغوجية أثبتت جدواها مفادها أن “المفاهيم النظرية الكبرى” تُبنى في أذهان الطفولة من خلال مشاريع ميدانية بسيطة.

أكمل القراءة
انقر للتعليق

اترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جور نار

“احكيلي عليها”… عن حضارتنا ومن فيها، فأين بـــاقيها؟!

نشرت

في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبد القادر المقري:

عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…

عبد القادر المقري Makri Abdelkader

احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…

بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…

المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.

ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة. 

فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…

ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.

وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.  

“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…

فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.

لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …  

أكمل القراءة

جور نار

مؤتمر اتحاد الشغل: لخدمة العمّال… لا لمصلحة زيد أو عمرو

نشرت

في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد الزمزاري:

دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.

وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان من الضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.

إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.

غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.

واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.

فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.

و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.

لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها

والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.

أكمل القراءة

جور نار

هل تراجع ترامب عن ضرب إيران… أم أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة؟

نشرت

في

محمد الزمزاري

بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.

ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.

فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”

الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.

أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.

ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.

إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.

أكمل القراءة

استطلاع

صن نار