إذا كانت عملية المشاركة في الانتخابات في المجتمعات الغربية نفسها، تتميز بظاهرة العزوف ويعيش المنوال الغربي للديمقراطيات التمثيلية أزمة حقيقية بسبب سيادة باراديغم السوق، وهيمنة أصحاب المال واستفحال ظاهرة تلاعب الإعلام بالرأي العام …. فكيف يكون الأمر في مجتمعات تابعة، غارقة في الاستهلاك، ما زالت تتلمّس طريقها إلى الحداثة وبناء مفهومي العقلانية والفرد وفي مناخ دولي غير واضح المعالم وشديد الخضوع لآثار العولمة وما بعد الحداثة ؟
د. مصطفى الشيخ الزوالي
كيف يمكن أن تُقبل الجماهير الواسعة على الانتخابات ونرسي الديمقراطية التمثيلية في مجتمع مثقل بتاريخ اجتماعي وسياسي طويل قد طبع الثقافة السياسية بسمات التعصب والقصاص وبعقلية “الغنيمة والوليمة” ومفاهيم مثل “الزعامة” و”الراعي والرعية” و”رزق البيليك ” و”التتريك” و”السلب والنهب”[2] و”الله ينصر من صبح” و”أمر مولاي”… ، أي كل ما يكرس الانفراد بالحكم والاستبداد وهيمنة باراديغم الطاعة، ومجتمع ظلت خاصته من الساسة والفقهاء يرددون ويعملون لقرون طويلة وفق شعار “إلجام العوام عن الخوض في الأمر العام” . أما مع التاريخ القريب وخاصة المرحلة النوفمبرية، فأخطر ما تركه نظام بن علي في مجال الثقافة السياسية هو الحرص على تلميع الواجهة وارتباط العمل الحزبي والسياسي بالفساد والانتهازية، إلى درجة أن الصدق والالتزام الحقيقي بالقيم وبقضايا الناس صار من مرادفات “السذاجة” و”الوهم” أو التفلسف” أو “البقاء بالبرج العاجي”….
كيف يريدون من الشباب ومن النساء أن يُقبلوا على المشاركة في الانتخابات ويساهموا في بناء الديمقراطية والمواطنة في مجتمع لم يتجاوز، في جزء هام منه، قيم المجتمع الأبوي المغلقة القائمة أساسا على السن والجنس ولم يتحرر بعد من الأفكار الجاهزة والمسبقة ومن السلوكات المتصلة بهذين العاملين. في مجال الحياة السياسية كما في أغلب المجالات، ورغم كل المكاسب القانونية التي تحققت، يهيمن الرجال على النساء ويهيمن الكهول والشيوخ على الشباب.
هل من السهل بناء الديمقراطية في مجتمع يختل فيه التوازن بين الفئات الاجتماعية المرفهة والفقيرة والجهات الداخلية والساحلية، كثير من “أفراده” لم يتحرروا من الفقر والأمية، لا يشعرون بالانتماء إلى الدولة والوطن قدر خضوعهم إلى العصبيات العائلية والجهوية والعروشية والقبلية ….و كأن ما كتبه ابن خلدون عن هذه العصبيات وعن الصراع بين البدو والحضر لا يرجع إلى قرون بل إلى أيام.
هل سيفلح في اختيار نواب الشعب في البرلمان أو اختيار رئيس الدولة، ما لم يتعود على حسن الاختيار في مجالات أخرى أكثر ارتباطا بالحياة الخاصة، كالزواج أو التوجيه المدرسي أو الجامعي أو المهني؟ هل نجحت العائلة أو المدرسة أو وسائل الإعلام أو الجمعيات أو الأحزاب، في إرساء التربية على المواطنة الحقيقية وتحمل مسؤولية الاختيار بناء على فهم موضوعي للذات وللقضايا موضوع الاختيار… لنتساءل عن ذلك في موضوع الزواج مثلا: كم من التونسيين أو التونسيات يقدر على اختيار قرينه أو قرينته، عن دراية واقتناع وتجسيما لإرادة فردية حرة ومتحررة من كل المنظومات السالبة للإرادة، مثل العادات الاجتماعية البالية أو أنماط الاستهلاك المعولم ؟
هل يمكن تأسيس الديمقراطية والمواطنة الحقيقية بمجرد إجراء الانتخابات، خصوصا إذا كانت ستوصل إلى الحكم أحزابا أو أفرادا يرفعون شعار الديمقراطية وخدمة المصلحة العامة، وهم لا يؤمنون أصلا بمضامين الديمقراطية والمواطنة ولا يعيشونها في حياتهم الخاصة أو أحزابهم، بل يتخذونها مطية لتحقيق مشاريع خيالية أو أداة لتحقيق مصالح فردية أو فئوية ضيقة ؟
أي معنى للديمقراطية وللحرية وأي معنى للفوز في نتائج صندوق الاقتراع مع من يستثمر في الوعي السياسي القاصر، في التجاذبات الإيديولوجية، في النعرات التقليدية، في الجهويات، في الرهاب الإسلامي(الإسلاموفوبيا)، في الخوف من الاستبداد (الديكتاروفوبيا). كل ذلك لا يساعد الفرد على التعبير عن رأيه بحرية، ويخضعه لمشوهات أو مفسدات الاختيار وكل أشكال الترغيب أو الترهيب، نذكر منها:
الوعود الزائفة و”الشعبوية”، و”البرامج” التي لا تتأسس على شروط الواقع التونسي وما هو متاح في سياق العولمة والرأسمالية المتوحشة التي لا تترك سوى خيارات محدودة أمام أغلب الدول التابعة في العالم.
التطميع بمجانية كل شيء ( تحريك الطمع وتكريس الكسل والتواكل)
المال السياسي وشراء الأصوات
المضايقات والتهديد بقطع الرزق، أو بالزج في السجن…( قبل 2011)
التهديد بالذهاب إلى نار جهنم ( هي الرسالة الضمنية لشعارات مثل “انتخبوا اللي يخاف ربي”.)
في نهاية التحليل ما هي أبرز معاني الانتخابات والديمقراطية كما ظهرت في التجارب الغربية، والتي يمكن أن تعمق فهمنا لها وتساعدنا على بنائها ؟
تعبر الديمقراطية والانتخابات في نهاية التحليل عن اختيار، اختيار فردي لشخص يشعر بأنه قيمة أساسية وبأنه حرّ وله إرادة حرة، قادر على مواجهة وضعية الاختيار واتخاذ القرار النهائي. من المفروض أن يتبلور هذا القرار بعد إدراك وفهم للواقع وتدقيق في المعلومات المتداولة، وأن تكون مصادر المعلومات متعددة ومتنوعة. من ناحية عرفانية يتطلب الاختيار التدرب على معالجة المعلومة وعلى مجموعة من العمليات الذهنية مثل الفهم والتطبيق والتحليل والتركيب والاستنباط… تمهيدا لإصدار الحكم واتخاذ القرار النهائي. من ناحية نفسية اجتماعية يتطلب حسن الاختيار أن تكون للفرد رؤية واضحة وتصورات منسجمة عن ذاته وعن الآخر وعن الحياة عموما. قادر على أن يحقق في الآن نفسه التحرر الفردي والاندماج الاجتماعي في المستويات المختلفة للانتماء (مثل العائلي والجهوي والوطني والكوني…) ويقدر على إدارة التناقضات داخله بمهارة تجعله متوازنا لا يعاني الصراعات المرضية ولا الازدواجية في المواقف ولا في الشخصية.
الفرد المتحرر يمتلك وعيا بطبيعته الداخلية الخاصة ثم السلوك انطلاقا من ذلك الوعي دون خوف من آراء الآخرين ودون اغتراب في الجماعة أو الزمان أو المكان، ودون خضوع لآليات لاواعية كالصد اللاشعوري أو الإسقاط أو الكبت… يسعى إلى مقاومة عمليات التنميط والقولبة، التقليدية والمستحدثة، ويحاول تغيير ما يرفضه من عادات الناس بكل هدوء وثقة.
[1]كتبنا هذا النص قبل 7 سنوات تفاعلا مع أجواء الانتخابات التشريعية والرئاسية في تونس أواخر سنة 2014. لكن اليوم، في أواخر سنة 2021، مع ضياع البوصلة السياسية وغموض الأفق، تبدو هذه التساؤلات المطروحة أكثر راهنية وإلحاحاً.
[2]هناك أغنية تونسية قديمة لا تزال تذاع بمختلف الإذاعات،: يفتخر فيها المغني بانه قاطع طريق ويقدر على السلب والنهب: ” أنا الترقي ولد الترقيّة قطاع طريق والصحراء ليا” …
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.