“كنت أعلم أن فيروز مسيحيـّة … و لكنـّي لم أكن أعلم أنها أرثوذكسيـّة، لم أنتبه يوما الى أنّ نزار قباني شيعي علوي، ولا أنّ بدر شاكر السياب سنّي، و عمر الشـريف من أصل مسيحي كاثوليكي، و لا أن الماغوط شيعي إسماعيلي، أما أدونيس وبدوي الجبل فلم أكن أعلم أنهما علويان، ولا أن فارس الخوري مسيحي، ولم أكترث لكون ليلى مراد يهودية الأصل … لم أكن أتخيـّل نفسي يوما أنني أصنـّف دريد لحام و كاظم الساهر و ناظم الغزالي في خانة الشـيعة، و لا يوسف وهبي، وفؤاد المهندس على أنهما مسلمان” …
عبير عميش
تذكّرت هذه العبارات – التي يُجهَلُ قائلها – و أنا أتابع العمليّة الإرهابيّة في جربة و أرى امتزاج الدّم المسلم بالدّم اليهودي و دفاع محمّد وعمر و عبد الله عن بيريز و حاييم و شيمون .. وأدركت أنّ ما يجمع أكثر ممّا يفرّق و أن الإنسان أبقى … فكلّ من ذُكِروا كانوا نجوما وشعراء وأدباء لذواتهم، لا لطوائفهم.. تجمعهم الإنسانيّة أكثر ممّا تفرّقهم دياناتهم و طوائفهم و انتماءاتهم … و من ماتوا و من أصيبوا في الغريبة لا فرق فيهم بين مسلم و يهودي ..
اليهود استقروا في تونس منذ آلاف السنين و من حقّهم أن تكون لهم معابد يرتادونها بكل حرية و يمارسون فيها شعائرهم و طقوسهم دون خوف أو ريبة … كما أنّ من حقّ المسيحيين أن تكون لهم كنائس ترتفع فيها صلواتهم و ابتهالاتهم و يقيمون فيها قدّاساتهم و احتفالاتهم … و لكنّنا نحتكر لأنفسنا كمسلمين – بحكم العدد و الغلبَة – كلّ الحقوق و نحرمهم حقوقهم لأنّهم أقليات و نعاملهم بعنهجيّة و استعلاء و ننسى أهمّ انتماء الانتماء إلى الإنسانيّة، و ننسى أهمّ صفة تجمعنا على هذه الأرض صفة المواطنة إلى درجة أنّ دستورنا نفسه مبنيّ على هذا التّمييز حيث أنّه يشتراط أن يكون رئيس الجمهورية مسلما رغم ما في ذلك من انتقاص من وطنيّة أصحاب الدّيانات الأخرى أو حتّى من اللادينيين و حُكْم على الضمائر و تناس لصفات الكفاءة …
أذكر جيّدا تلك الأصوات التي استنكرت تعيين رينيه الطرابلسي وزيرا للسياحة أواخر 2018 بسبب ديانته اليهوديّة و كأن الدّيانة أهم من الوطنية عند التعيين.
رينيه استمعت إليه في بلاتوات الإذاعات المختلفة و شاهدته في ساحة الغريبة بعد العملية و لاحظت كما لاحظ الكثيرون وطنيّته و ثناءه على رجال الأمن و سرعة تدخّلهم و حرفيتهم في التعامل مع الجريمة التي وقعت … و استمعت إلى دعواته إلى توحيد الصفوف و سعيه إلى التّخفيف من وقع الحادثة و رأيت أنّه كان خير سفير لتونس و خير مدافع عن صورتها لدى البلدان الأجنبيّة .. و لكننا شعب لا يستحي … شعب لا ينظر إلى الإنسان في جوهره و كينونته … شعب يتغذّى أهله من الحقد و الكراهية و يزدري الآخر و المختلف و يسمح لنفسه أن يطلق الأحكام و التقييمات بناء على اللون و الجنس و الدّين و العرق و حتى الانتماء الجهوي و الكروي و القبلي … فهذا جبري من وراء البلايك و ذلك ساحلي …. و الآخر بدوي (عربي) و الثاني كاجيبي اللهمّ عافينا و الثالث قرقني و إلا يهودي حاشى دين الإسلام … و نتفننّ في إطلاق هذه الصّفات و نربّي عليها أبناءنا ثمّ نتساءل فيما بعد عن العنف المستشري و عن نوازع الكراهية المتخفّية … و التي يزيدها الوضع السّياسي تأجّجا و توتّرا ويساهم الصّمت الرّسمي عن كثير من المواضيع في تفشي الإشاعة و في تواتر الاتهامات و انتشار معلومات مظللة … فما ضرّ وزارة الدّاخليّة لو قدّمت للمواطنين بعض المعلومات عن الإرهابيّ الذي نفّذ العمليّة ؟ قد يكون حرجها من انتمائه إلى المؤسّسة الأمنيّة … لكن في مثل هده الوضعيّات يكون الوضوح و الشّفافيّة أحسن دفاع عن الذّات و أكبر دليل على المصداقيّة و على نيّة الإصلاح، و الاعتراف بالخطأ أفضل من إنكاره، خاصّة على المدى الطّويل … و في علاقة بقطاع السّياحة من جهة و بالسّلم الأهليّة من جهة أخرى، فليس من مصلحة البلاد و لا السّلطة الحاكمة أن يتبادل المواطنون الاتهامات و أن تكثر التّخمينات حول دوافع العمليّة و الجهة المدبّرة لها و الأطراف المستفيدة منها …
فمنذ الدّقائق الأولى للحادثة انبرى البعض يوجّهون الاتهام إلى جهة بعينها و تحديدا إلى حركة النّهضة معتبرين أنّ الغنّوشي من سجنه قد وجّه رسالة مشفّرة لأنصاره للقيام بعمليّات فرديّة، و أنّه في خطابه الأخير قبل إيقافه و إيداعه السّجن قد دعا إلى إطلاق المبادرة و أنّ المعارضة لم يبق أمامها إلاّ اللجوء إلى العمليات الإرهابيّة … و لكن أ ليس في ذلك تشويه لطرف بعينه * يقتضي المحاسبة ما لم يقم المدّعي بتقديم أدلّة تثبت صحّة اتهاماته ..
و قام البعض الآخر بتنزيل صورة شخص بريء مدّعيا أنّه الإرهابي المجرم و مؤّكدا أنّه عنصر أمنيّ مصنّف و خضع منذ فترة إلى التّحقيق … فمن سيقاضي هذا المتسرّع و من سيعيد للشاب حقّه بعد أن وقع تشويهه و قضّى ليلة يوجّه النداءات إلى روّاد الفضاء الأزرق حتّى يحذفوا الصّورة … فمن أين جاء أصحاب هذا الإدّعاء بكلّ هذه المعلومات (إرهابي مندسّ تمكّن من اختراق الأجهزة الأمنيّة) و هم لا يعرفون حتّى صورته الحقيقيّة … أ لا يستدعي ذلك المحاسبة بسبب ترويج أخبار زائفة ؟
و لكنّ أين المرسوم 54 سيّء الذّكر من كلّ هؤلاء الذين يتصدّرون المشهد و يوجّهون الرّأي العامّ ؟ هذا المرسوم أو السّيف المسلّط على رقاب الكثيرين و الذي بمقتضاه أحيل عدد من السّياسيين و النّاشطين و الصحفيين على القضاء ، يبدو أنّه مرسوم ذو اتجاه واحد فلا يقع تحت طائلته إلاّ من خالف السّلطة القائمة أمّا من يسيرون في ركابها و يهتفون باسمها و يلهجون بحمدها فلا إثم عليهم و لا تثريب … و لكم في عدد الأخبار و المغالطات والشائعات التي يروّجها أنصار 25 جويلية و المقرّبون من الرّئيس أكبر دليل على ذلك …
1 *هذا الحزب ليس فوق المحاسبة بل – مثله مثل كلّ الحكّام – وجبت محاسبته على سنوات من الحكم توالى فيها الفشل الأمني و الاقتصادي و تشنّج فيها الفضاء العامّ بفعل الصّراع الهووي الإيديولوجي و اعتقاد أعضائه أنّهم سيخلّدون في الحكم
2 * الفصل 24 من المرسوم 54: “يعاقب بالسجن مدة خمسة أعوام وبخطية قدرها خمسون ألف دينار كل من يتعمّد استعمال شبكات وأنظمة معلومات واتّصال لإنتاج، أو ترويج، أو نشر، أو إرسال، أو إعداد أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو وثائق مصطنعة أو مزوّرة أو منسوبة كذبا للغير بهدف الاعتداء على حقوق الغير أو الإضرار بالأمن العام أو الدفاع الوطني أو بث الرعب بين السكان.
ويعاقب بنفس العقوبات المقررة بالفقرة الأولى كل من يتعمد استعمال أنظمة معلومات لنشر، أو إشاعة أخبار، أو وثائق مصطنعة، أو مزورة أو بيانات تتضمن معطيات شخصية أو نسبة أمور غير حقيقية بهدف التشهير بالغير أو تشويه سمعته أو الإضرار به ماديا أو معنويا أو التحريض على الاعتداء عليه أو الحث على خطاب الكراهية.
وتضاعف العقوبات المقررة إذا كان الشخص المستهدف موظفا عموميا أو شبهه“
عشية السبت، أتيحت لي فرجة على التلفزة الوطنية… نعم، التلفزة الوطنية بقناتيها المعمّرتين المعمورتين رغم غابة القنوات الخاصة التي (ولنقُلْها مرة واحدة) أخلت أكثر مما عمّرت… قلت أتاحت لي الظروف مشاهدة ما يعرض على قناتنا الوطنية الأولى… وفوجئت بما يشبه بساط الريح في حكايات صبانا، أي رحلة في الزمن مما يتمناها أحيانا أيّ منّا وفي نفسه وثوق من استحالة ذلك…
احكيلي عليها… فسحة من العيش مع الذاكرة سبق عرضها في رمضان الأخير ولم نتمكن للأسف من رؤيتها كاملة في وقتها، ولكن من حسن الحظ أن إعادة البث هذه الأيام جعلتنا نتدارك ما فات… فكان أن وقفنا على عمل جيّد يجمع بين شذى الماضي وتقنيات الحاضر، ويحملك بأكثر من وسيلة، إلى حيث العصور الخوالي… وينبئك بأن وراء كل حجر قصة، ولكل تسمية تاريخا، ويطالعك عند كل باب كتاب…
بين مناظر تتنقّل من العامّ إلى الخاص، وبين بانوراما المدينة ودقائق أنهجها، وبين تونسيي العهد الحفصي وتونسيي القرن الحادي والعشرين، تأخذك هذه الفسحة موظّفة خيالا مجنّحا وسيطرة على التكنولوجيا، ومستعينة بحكّاء محاور ينبض أصالة وينطق جذورا طيبة، ومن يكون غير زميلنا الملآن (شكلا وفكرا) محمد علي الفرشيشي؟…
المعروف عن الحصص المشتغلة على التراث أنها تكتفي بالرواية الشفوية من الشهود الأحياء، مشفوعة بمعلومات ووثائق ورسوم من الأرشيف، أو تصوير لما بقي من تلك المعالم في حاضرنا، ويجهد المخرجون أنفسهم في تنويع زوايا الصورة حتى يشعروك بأن المكان أمكنة، فيما يتولى خيالك بمفرده تمثّل ما كان عليه المكان والزمان والناس.
ولكن “دالي” المتشرّب تجربة العمل الصحفي العميق، أدرك أن تناول الماضي بأسلوب الماضي لا يعدو أن يكون دورانا في الفراغ، وبالتالي قطيعة مضمونة مع أجيال جديدة لها عصرها ومفرداتها وطرائق فهمها، ولم يعد السرد المجرّد على طريقة العروي (مع عذوبته) يلفت نظرها أو يقنعها بما يُعرض، تماما كمن يحاول تنظيم رحلة مدرسية لجيل “زاد” بين المقابر ورخام الأضرحة.
فكان أن شاهدنا لأوّل مرة تراثنا المتكلم عن نفسه بدل أن يتكلم الرواة عنه، ورأينا وسمعنا الشخوص الأقدمين بدل أن نسمع بهم… نعم، إنها تقنية الذكاء الاصطناعي التي استغلّها فريق البرنامج كي يسترجع أحداثا بأبطالها وديكورها وملابسها وحتى مأكولاتها… ويتجاوز هذا التجسيد الواقع إلى الخيال، فإذا بقصة “حمام الذهب” دائرة أمامك بمناخاتها السحرية، وإذا بـ”الخُرّافة” تتحول إلى ما يشبه الحقيقة، وهي كذلك في أذهان بعض الكبار وفي مخيال كل الصغار…
ولا يغيب شهود العصر عن تدعيم الصورة بما عاشوه، كما يحضر مثقفو المنطقة حتى يصححوا المعلومة بما ذكرته المراجع، ويشرحوا ما غمُض لدى العامة، ويرشدوك إلى ما خفي من أسرار المكان والرجال، ويربطوا ما تعرفه بما لا تعرفه من تاريخ بلادك.
وهكذا وخلال هذا التجوال من الحلفاوين إلى باب سويقة إلى باب الخضراء إلى المركاض (أو “المركادو” الإسبانية) إلى معالم القيروان إلى أزقة الكاف العتيقة وحلويات باجة الحلوة وغيرها من ربوع الوطن، تجد نفسك محلقا في الفضاءات والأزمنة، على متن رواية محكية بارعة، أو على جناح طائرة مسيّرة تطلّ بك على الأسطح والمنازل والمآذن ومقامات الأولياء وتصاميم المدن والحضارات.
“احكيلي عليها” هي رحلات استكشاف لبلدنا الذي نجهل منه الكثير، وما تزال لدينا ركامات من كنوزه شمالا وجنوبا، عاصمة وحواضر وحتى قرى وأريافا، ترجو منا الزيارة والنيارة… ولطالما شعرتُ بالخجل في المرات الذي يصادفني فيها ضيف عربي أو أوروبي، وأجده يعرف عن معالمنا أكثر مما أدري، بما أنه يسوح بين ولاياتنا الأربع والعشرين هانئا متفرّغا… في حين أن سياحتي أنا المهموم (وسياحتنا) في معظمها لا تتجاوز مسافة ما بين الشغل والبيت، أو البيت والسوق، أو قاعة الجلوس وغرفة النوم في غالب الأحوال…
فعلى الأقلّ ولأجل هذه الأغلبية الجالسة النائمة الجاهلة بتاريخها، لا بدّ من برنامج كهذا يتجوّل بنا ويحفّزنا على الخروج والمعرفة والاعتبار… خاصة إذا كان ذلك بأسلوب جذّاب وتبسيط جميل يخفي وراءه كدّا وشغفا… ومن مصدر عوّدنا طول عمره على تثمين الحضارة والثقافة كالتلفزة الوطنية، رغم هناتها ومآخذنا عليها.
لقد استمتعنا بشيء من “احكيلي عليها” في حلقات عشر أو أكثر قليلا، وكم نتمنى مزيدا من المتعة والحلقات، ومزيدا من الرحلات داخل تاريخ تونس وجغرافيتها، بل داخل الإنسان التونسي نفسه في حله وترحاله … وكم نحن بحاجة إلى اكتشاف هذا الإنسان، وأكثر من أي وقت …
دار المؤتمر 26 للاتحاد العام التونسي للشغل الذي انتظم بمدينة المنستير وامتد على ثلاثة أيام، في أجواء من صراع محتدم بين قيادات نقابية على طرفي نقيض، ووضع خانق تحكمه ضغوط داخلية وخارجية.
وقد جاء هذا المؤتمر رغما عن المعارضة النقابية المنددة محاولا رد الاعتبار للفصل 10 القديم من القانون الأساسي الذي دهسته القيادة لصالح الفصل 20 سيء الذكر، والذي كان أحد أهم أسباب استنزاف الاتحاد وخلق تصدعات أضرت بصورة المنظمة العتيدة. وكان منالضروري أن يشعر المؤتمرون في أغلبهم بواجب القيام بخطوة شجاعة نحو الاعتراف ببعض الأخطاء وصدور نقد ذاتي عن قيادة كم تمسكت بالمناصب وشرعنت لذلك، مما تسبب في أزمات عصفت بالاتحاد العام التونسي للشغل وأعطت القوى الظلامية فرصة النيل منه.
إن ماتم تداوله بقوة لدى المؤتمرين خلال اليومين الأولين هو التبرم من هذا الزائر الثقيل الفصل 20 الذي لولاه ما وصل الاتحاد سواء مركزيا أو جهويا إلى هذه المطبات الخطيرة من الانشقاقات وعمليات التجميد وطغيان البيروقراطية وحتى الانفراد بالقرار لدى القيادة النقابية. وأعتقد شبه متأكد أن حذف هذا الفصل والعودة إلى آليات التداول سيكون خطوة مهمة لإرساء توافقات جديدة ووضع حد لما وصلت اليه المنظمة من تدهور.
غير أنن حذف الفصل 20 والعودة إلى مبدإ تحديد عدد العهدات لن يكون حاسما في تقليص الخلافات الطاحنة الا برفع التجميد عن جميع النقابيين والعمل المشترك لتركيز رؤية ديمقراطية كفيلة بتجاوز كل الأخطاء والانزلاقات، والتوجه نحو اتحاد فاعل وناجع ومدافع عن الطبقة الشغيلة طبقا لمهامه الأساسية، والمشاركة في الشأن الوطني دون خلفيات أو استعراض عضلات بينه وبين السلطة حتى تمتد جسور الحوار والتعقل خدمة للطبقة الشغيلة.
واليوم وإثر نهاية المؤتمر وانتخاب كوادر نقابية قد تغير الوجه القديم وتعطي دفعا جديد صلب الاتحاد عبر عدد من الإجراءات العاجلة لنخطي الازمة الحارقة التي عصفت بالمنظمة النقابية. ولعل أهم ما يتوجب فعله هو الانطلاق في إصلاح البيت النقابي من الداخل، بدءا بفتح حوار بناء مع ما سمي بـ”المعارضة النقابية” في مناخ من الثقة والتكامل.
فالاتحاد عبر تاريخه النضالي منذ فترة الاستعمار كان كوكتيلا من العناوين السياسية المتعددة يمينا ووسطا ويسارا. وإن كانت اليوم جل عناصر المعارضة النقابية منتمية إلى اليسار فهذا طبيعي جدا. وهنا يجدر التذكير بالمؤتمر 16 بنزل أميلكار حين كان صراع القيادة مع فصيل يساري هو الشعلة. ولا ننسى أيضا المواجهة التي تفجرت ذات سنة بين الحبيب عاشور والطيب البكوش ووصلت إلى حد إيقاف جريدة الشعب.
و كانت هذه الزوابع تنتهي دوما بعودة الاتحاد أكثر قوة وتماسكا. وإحقاقا للحق فالمعركة الأخيرة أعلنتها قيادة بيروقراطية ارتكبت عديد الأخطاء مست من صورة الاتحاد على المستويات الشعبية والعمالية. ومن ذلك ما حصل من اصطفاف (ولو أن ذلك جاء في قالب رد فعل) مع تحركات نظمتها حركة النهضة وحلفاؤها بشارع بورقيبة ،كما رافقتها شبهات استفزاز عبر التهديد بإضراب عام والبلد يرزح تحت محن متعددة وإرث سنوات عشر تستمر تبعاتها لحدود اليوم.
لن نعطي دروسا لمنظمة عتيدة كم دافعت عن الوطن وكم قاومت ضغوطا وخاضت صراعات مع السلطة ومع المد الإخواني أيضا الذي سعى إلى استنزاف الاتحاد والاعتداء على اطاراته وتنظيم حملات تشويهية ضده (“اتحاد الخراب”)، متنكرا لوقفات اتحاد حشاد والتليلي وعاشور مع أولئك الجماعة سنوات الجمر التي مرّوا بها
والسؤال المطروح اليوم : هل سيفتح صلاح السالمي، الأمين العام الجديد، صفحة توجهات ديمقراطية داخل المنظمة النقابية، ويتجاوز بعض الخلافات التي أحدثت شروخا لن تخدم إلا أعداء الاتحاد، أم ستبقى “دار محمد علي”، على حالها؟.
بعد التهديد والوعيد وحشد أكبر قوة عرفتها منطقة الشرق الأوسط ومياه البحر الأحمر وخليج العرب والفرس، ظهر تردد أمريكي واضح بعد الإعلان عن وشك الضربات التي تم الإعداد لها بدقة.
ضربات كانت مبرمجة بالتنسيق مع الكيان الصهيوني الذي حلم دوما بالإجهاز على إيران التي يرى فيها القوة المهددة لتوسعه وسيطرته وتطبيعه مع كل مماليك المنطقة ككيان دخيل… ومن يعرف جيدا طبيعة العقلية الأمريكية العسكرية وكذلك مكامن ومسالك مراوغات الكيان واصطيادهما الفرص لتنفيذ عملياتهما الاجرامية عبر الاغتيالات المسبوقة بضمان المعلومات الاستخباراتية المرصودة من العملاء وجهاز الموساد، يدرك أن كل وقف للتهديد او نشر معلومات حول تأجيل ضربة أو العدول عنها هو من باب المناورة أو الهدوء الذي يسبق العاصفة.
فقد بينت التجارب مع سياسة هذين الطرفين، انه لا ثقة في كل ما يدور من حرب نفسية او تحضيرية لدى الامريكان اولا ولدى الصهاينة أيضا، فقد يكون ما يجري الآن من مناورات لفظية وأيضا عسكرية، من باب كسب الوقت وزيد تحيين المعلومات الدقيقة بطبعها، للقيام بالاغتيالات او الاعتداءات والقاعدة المتبعة لدى الكيان “S’informer pour mieux agir”
الجدير بالملاحظة حول هذه الحرب الخطرة على الجانبين، أن مقدماتها ما تزال ضبابية وغير قادرة تماما على ضمان القاعدة العسكرية الأمريكية التي تسعى لأقل الخسائر في اي حرب، كما أنها تتسم بغياب المعلومة الصحيحة و عنصر المفاجأة اللذين لطالما استغلّهما الجانب الصهيوني، وقد يكون الاثنان فقداهما أو فقدا جزءهما الأهم إثر كشف بؤر عملائهما وخاصة اعوان الموساد بطهران وعدد من المدن الإيرانية.
أما العوامل الأخرى التي لا تخلو من أهمية فهي فشل االحرب الإلكترونية التي كانت اهم آليات لدى الامريكان. وربما هذا الفشل كان نتاجا للمساعدات الصينية و الروسية التي وصلت إلى إيران ودعمت قدراتها على التشويش أو على مواجهة تشويش العدو. ويبدو أن الخوف من دمار الكيان بفضل الصواريخ البالستية والفرط صوتية التي تملكها إيران واثبتت في مواجهات حرب الاثني عشر يوما الماضية فاعليتها و عجز القباب السوداء و غيرها عن اعتراضها.
ويبقى سبب اخر مشكوك في مصداقيته لانه خلال فترة الحروب لا شيء يعد صادقا في مواقفه او خطابه وهذا طبيعة المرحلة، ونقصد بذلك موقف العربية السعودية التي أبدت اعتراضا حادا ضد استعمال اراضيها و اجوائها. ولكن الواقع يستبعد جدا أن تعلن الحرب او تسقط الطائرات الأمريكية او الصهيونية في صورة اخترقت أجواء المملكة.
إن اهم تفسير لتردد الرئيس الأمريكي في إعطاء إشارة الحرب، يجمع كل هذه العوامل المذكورة وايضا غضب الشارع الأمريكي الذي قد يصل إلى إزاحة ترامب اذا ما عادت صناديق جثث جنوده جراء هذه الحرب … لكني اعتقد بأن المواجهة ستدور رحاها ولو بعد زمن لن يطول، رغم ما يمكن أن ينتج عن ذلك من محاذير.